يفيريونـا (Yfiriona)… الميناء الذي نسيه الزمن – بقلم صادق علي القطري

إلى البحر الذي حمل أسماءً لم تُنطق منذ ألفي عام…

وإلى الرمال التي أخفت بين حباتها مدنًا لم يبكها أحد…

حين تكون الجغرافيا أُغنية منسية
في خرائطٍ متآكلة الأطراف، مرسومة بريشة أُسطورية على أطالس الرومان والإغريق، تنام أسماء لمدن لم نعد نسمع بها في كتب التاريخ. هناك، على ساحلٍ ما بين العقير والقطيف، يطلّ اسمٌ غريب، يتلألأ كالسراب فوق الموج: (Yfiriona) – يفيريونـا.

كأنما هي مدينة عائمة بين البحر والخيال، بين علم الجغرافيا الكلاسيكية وشعر المكان. فما قصة هذا الاسم الذي لم يحفظه سوى الورق الأصفر للخرائط القديمة؟ ومن كانت يفيريونـا قبل أن تغمرها رياح النسيان؟

يفيريونـا في الخرائط القديمة
ظهر اسم (Yfiriona)، بأشكال مختلفة مثل (Yphiriona) أو (Yferiona)، في بعض نسخ خرائط تعود إلى القرن الثاني الميلادي وما بعده، غالبًا ضمن تقاليد بطليموس الجغرافية التي أُعيد رسمها وتفسيرها في العصر البيزنطي واللاتيني الوسيط. وقد ورد الاسم ضمن سلسلة من المحطات الساحلية التي تمتد على الضفة الغربية للخليج العربي، منطلقًا من ميناء (Gerrha) (جرهاء) إلى سواحل [Domana، Tharro، Bilbana] وغيرها.

الموقع النسبي ليفيريونـا يجعلها أقرب ما تكون إلى سواحل العقير الحالية، حيث كانت السفن تتوقف للماء والمؤن، في طريقها إلى الجرهاء أو أراضي دلمون ومجان.

تحليل لغوي للاسم ومصدره المحتمل
يحمل اسم “Yfiriona” خصائص لغوية تشير إلى احتمال كونه:
• صيغة إغريقية مشتقة، ربما من الجذر “Phir” أو “Ifer” مضافًا إليه لاحقة -(iona) المستخدمة في كثير من أسماء المدن (كما في Babylonia، Thessalonica).
• أو تحريفًا لاتينيًا لاسم عربي، خاصة أن الحروف الصوتية اليونانية كانت تتبدّل في النقل: مثل العين (ع) تُنقل “A” أو “I”، والخاء تُكتب “Ch” أو “Ph”.
من هنا، يمكن افتراض أن (Yfiriona) قد تكون تحويرًا لاسم:
• “العقير” [الذي كان يُعرف بأسماء مثل (Ogeir) أو (Ægei)].
• أو مدينة مغمورة في الرمال مثل “جُواثى” أو “المشقر”.
لكن غموض الاسم لا ينقص من احتمالات دلالته، بل يزيده بهاءً، فهو من تلك الأسماء التي لا تشرح نفسها بل تدعوك لتبحر في احتمالاتها.

يفيريونـا كميناء تجاري أو نقطة مياه
إذا افترضنا أن موقع يفيريونـا كان قرب سواحل الأحساء، فذلك يضعها في قلب طريق التجارة البحري القديم الذي يربط بين:
• جرهاء (Gerrha)، المركز التجاري الأشهر في شرق الجزيرة.
• أرادوس (جزيرة البحرين)، التي كانت محطة أساسية للسفن.
• عُمان ومجان إلى الجنوب، حيث النحاس والبخور.
من هنا، تكون (Yfiriona) ميناءً ثانويًا أو نقطة توقف، وربما مستودعًا أو بئر ماء تستخدمه السفن العابرة، كما كانت كثير من المدن الساحلية الصغيرة تؤدي هذا الدور.

الجانب الإنساني والوجودي: مدن لا نعرفها ولكننا نشتاق لها
ما الذي يجعل اسمًا مثل “Yfiriona” يثير فينا الحنين؟ إنه ليس موقعًا نُقّب عنه، ولا بئرًا وُجدت في أرضٍ ملحية، ولا ركامًا استخرجت منه الفخاريات. إنه مجرد أثر على الخريطة، اسم مهجور. ومع ذلك، نشعر نحوه بنوع من الشوق الغريب، كأننا فقدنا فيه جزءًا من ذاكرتنا الجماعية.

هل لأننا، نحن سكان الخليج، نعيش فوق طبقات من المدن المنسيّة؟ أم لأننا نُدرك في أعماقنا أن التاريخ لم يكتب كل شيء، وأن كثيرًا من أسمائنا القديمة ذهبت مع الريح؟

البحث عن يفيريونـا: تحدي الجغرافيين والمستكشفين
لم تُجرَ إلى اليوم تنقيبات أثرية تحمل هذا الاسم في شرق الجزيرة العربية، ولا يوجد سجل أثري مباشر له. لكن وجودها على الخريطة، بين محطات حقيقية أو محتملة، يدفع بعض الباحثين إلى النظر بجدية في إمكانية:
• أن تكون العقير هي يفيريونـا بعينها، ولكن بصيغة مبدّلة.
• أو أن تكون منطقة ساحلية اندثرت بفعل تحوّلات البحر أو الرمال، كما حدث في مواقع عديدة.
وقد يكون الاسم رمزًا لما فُقد من موانئ ومرافئ ومراعي ومياه، كانت ذات يوم حية، تئنّ تحت أقدام القوافل، وتتهامس عندها الأمواج، ثم سكتت.

في الختام: يفيريونـا… مرآة منسية في ماء الخليج
إن (Yfiriohna) ليست مجرد اسم. إنها علامة استفهام محفورة على الرمال، تذكّرنا بأن البحر لا يحتفظ بكل شيء، وأن التاريخ كثيرًا ما يتسرب من بين أصابع الأكاديميين مثل الماء. إن يفيريونـا، سواء كانت العقير، أو قرية طمرتها العواصف، أو مجرد خطأ نسخي، تظلّ في وجدان من يبحث عن هوية الخليج، صوتًا خافتًا يقول لنا: ما زال هناك ما لم نعرفه عن أوطاننا.

المهندس صادق علي القطري

المصادر:
• خرائط بطليموس (Claudius Ptolemy): تُعد خرائطه من أبرز المصادر لنقاط مثل Yfiriona ضمن Tabula VI من كتاب Geographia، حيث تم نقل أسماء عدة مناطق في شبه الجزيرة العربية وخليج فارس، مثل Gerrha وLeaniti وThemi وAegei . الأسماء مثل Yfiriona عادة ما تظهر في النسخ اللاتينية اللاحقة (1578–1704)، وليس بالضرورة في الطبعات اليونانية الأصلية.
• تحليل المنسوب الجغرافي بنظام الـGIS: دراسات مثل “Enhanced Mathematical Method for Visualizing Ptolemy’s Arabia” من e‑Perimetron (2020)، استخدمت تقنيات رسم خرائط رقمية لتحليل إحداثيات بطليموس، لتحديد موقع مثل Yfiriona ضمن البنية الجغرافية لخليج فارس القديم.
• أطالس تاريخية مخصصة للخليج: مؤلفات مثل Persian Gulf: atlas of old and historical maps, 3000 B.C.–2000 A.D. الصادرة عن معهد صحاب بإيران (2005)، تعرض خرائط بطليموس ونسخ لاحقة، وتضم قائمة بالمواقع القديمة، رغم أن المصطلحات الدقيقة قد تختلف أو تُنقل بصيغ متعددة.
• دراسات نقدية وجغرافية أكاديمية: بحوث على غرار Eastern Arabia in Ptolemy’s Map (Ali Hanoun، 2017) تفحص مجموعة الأسماء مثل Gerrha وDomana وAegei و[…]، وتقدم رؤى حول موضعها ودلالتها، رغم أنها لا تذكر Yfiriona بالاسم، إلا أنها تمثل السياق الضروري لفهم مثل هذه المواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *