الصفوانيون أول من عمَّروا وسكنوا وزرعوا واصطادوا في أراضي رحيمة – بقلم عبد الرسول الغريافي

فيما مضى من الوقت كانت جميع المناطق المحيطة بشمال صفوى والمُشَكِلة منحنى يصل إلى نصف دائرة كهلال يطل أحد طرفيه على ضفافها الشرقية والطرف الآخر يحتويها من الغرب، وأما ذروة الهلال فهي المُشَكِلة الواجهة الشمالية وجميعها تطل على البحر، وعندما نتصور تلك المناطق بأكملها وهي تُحِفُّ صفوى شمالاً من الشرق إلى الغرب فإنها تخال لنا جميعها ومعها صفوى كأنها قنديل بحري يتجه رأسه نحو الشمال وأطرافه تنساب صوب الجنوب…

وجميعها كانت تشكل ريفاً زراعياً متصلاً بصفوى فيه بساتين يزرعها ويعمل فيها أفراد السكان المحليون المتمثل في الصفوانيين ومن جاورهم منذ القدم وذلك لتوفر المياه اللازمة لسقيها من عيون السيح حولها وهي امتداد لبقية عيون سيح المنطقة، وأما على مدار شواطئها فقد كانوا يبنون حظور (بالظاد) صيد الأسماك، وهذه الحظور كان يعمل فيها أهالي صفوى والقطيف عامة وتاروت وقد امتلكوا أراضيها بنظام أحقية الملكية لمن عمَّر الأرض (وفق النظام القديم) وبهذا فقد حازوا على وثائق ومستندات ملكيتها الصادرة من قِبَل العُمَد والقُضاة المحليين في تلك الآونة والتي ذُيِّلَت بأسماء وأختام وتواقيع الشهود على امتلاكهم لتلك الأراضي نتيجة إعمارها، هذا وقد حظي الكثير من أصحاب تلك الوثائق فيما بعد بتصديق رسمي مؤيد لملكية حامليها من جلالة الملك عبدالعزير رحمه الله بعد ضم القطيف الى مملكة نجد والحجاز وملحقاتها في ثلاثينات القرن العشرين وكان ذلك قبل التنقيب عن النفط.


لقد كان الهدف من امتلاك هذه الأراضي هو جعلها مناطق عمل يُمارَسُ فيها نوعان مختلفان من العمل بحسب مواقعها فأما الأراضي الداخلية منها وهي الواقعة في وسط رحيمه فقد خُصِّصت لمجال الزراعة والفلاحة بعد أن استصلحها اصحابها من الفلاحين، وأما المجال الآخر فهو في الأراضي الساحلية المغمورة بمياه البحر والتي امتلكها البوَّاره وهم البحَّارة الذين يصيدون الأسماك عن طريق الحظرات (الحظور) التي يبنونها على تلك الأراضي الواقعة في بداية مياه السواحل (السِّيف)، لقد استعملوها من أجل بناء الحظور وهي مكامن تصنع من جريد النخيل لصيد الأسماك (راجع مقالي السابق: سواحل القطيف مهد الحظور).

وجدير بالذكر أن هناك فئة ثالثة ممن كانوا يقصدون رحيمة من أجل صيد الطيور وأخرى رابعة من أجل صيد محار اللؤلؤ. فتلك الفئة من أهالي المنطقة التي كانت تتجه نحو مغاصات اللؤلؤ (الأهيرة) التي تحيط رحيمه وتحيط أيضاً رأس تنوره من جهتيهما الشرقيتين قد جعلوا من ساحلها محطة استراحة بعد الغوص.

لقد تسابق الكثير من أصحاب هذه الأراضي بنوعيها وازداد حرصهم على تثبيت ملكيتها وتسجيلها رسمياً حسب وثائقهم الورقية وذلك بعد أن توجهت شركة أرامكو في بداية تأسيسها لاستئجار تلك الأراضي المستخدمة للصيد والأراضي المستخدمة للزراعة وذلك من اصحابها في بداية الأمر وقد تنعم البعض من المُلاَّك خلال ردحٍ من الزمن بقبض اجورها، أما من حُرِموا من قبض الأجور بسبب عدم تمكنهم من تثبيت الملكية أو فقدان مستنداتهم فقد كان لسان حالهم ما عبره نيابة عنهم ذلك الفلكلور الشعبي الذي شاع تردده على الألسن وخصوصاً عند الأطفال حين كانوا يمرحون ويصفقون أثناء تأديته بلحن جميل والذي كان خير تعبير عن شعورهم حين يقولون:

رحيمه يرحمش الله
وين فلوس خلق الله؟

نعود مرة أخرى لنقوم بجولة سريعة لتسليط الأضواء على بعض من تلك المناطق التي ارتبطت بصفوى والتي كانت في تلك الآونة تشكل المركز الرئيسي لتلك المناطق التي حولها فكان ذلك الإرتباط ارتباطاً ريفياً قديماً يحيط بها رغم زحف رمال صحراء الدهناء على بعض من تلك المناطق حين عفَّتها بكثبانها الزاحفة قدماً لطمس جميع معالمها فما كان إلا أن يُتَّبَع فيها نفس نظام حماية عيون قرى البذراني الغربية المتجهة جنوباً حتى نهاية سيهات وذلك من أجل وقاية عيون السيح القديمة فقط والموجودة في بعض هذه القرى لتصدي الرمال عنها لمنعها من الإندثار دفناً (راجع مقالي السابق: بذراني القطيف.. وتصدير الأرز إلى دول الخليج العربي.. وآخر من زرعوه).

كان كل ذلك من أجل استمرارية تأدية تلك العيون مهامها من ري الأراضي الزراعية وسقاية الإنسان والحيوان وغيرها من منافع تعود لصالح كافة الناس فشيدوا بعدها أسواراً عالية حول تلك العيون وقاموا بتغطية جداولها التي تنساب في باطنها المياة وذلك بنظام سقوف الجملون (بشكل ٨) المنشأة من أحجار فروش البحر بالإضافة إلى إنشاء المثاقيب أو المفاقيب (بالعامية) وهي غرف التفتيش الإسطوانية التي تعلو سقوف تلك الجداول على أبعاد متفرقة كما هو الحال في عين شعاب والتي لازالت أسوارها تحيط آثار تلك العين القابعة مياهها في قاعها.

فلنبدأ الآن جولتنا في تلك المناطق المحاطة بطرف صفوى الشمالي من الشرق إلى الغرب مبتدئين من أولها في الزاوية الشمالية الشرقية في الجهة البحرية وهي على التوالي:

رأس تنورة: وهي الميناء المخصصة حالياً لتصدير النفط والتي كانت سابقاً ترسوا على شواطئها سفن جيوش الأتراك وغيرهم من غزاة المنطقة (كما ذكر جون لوريمر في كتابه -دليل الخليج- وسترد بعض التفاصيل عنه). بالإضافة إلى ذلك فقد كانت أيضاً أحد المراسي لسفن غوص أهالي المنطقة ومن سائر دول الخليج.

رحيمة: وتقع إلى الشمال الغربي منها مباشرة وهي التي نحن في صدد الحديث عنها وعن أراضيها الداخلية اليابسة المتوغلة نحو الشمال الغربي والمتصلة في سابق الزمان بأراضي صفوى الزراعية مباشرة من جهتها الجنوبية، وقد كانت رحيمه أيضاً ذات خصوبة تؤهلها لصلاحيتها للزراعة وفيها وفرة مياه عذبة لوجود عين سيح نضاخة قوية تقع داخل أراضي رحيمه في الجهة الغربية منها وموقعها الآن على وجه التحديد هو فناء مدرسه رحيمه المتوسطة الأولى في ركنها الجنوبي الغربي وهي أول مدرسة متوسطة أُنشِئت في رحيمه عام ١٣٨٢هجري، تلك العين كانت تعرف بعين رحيمة، وهي عين سيح كانت لها سابات أو مجازات تتدفق من خلالها المياه متشعبة في بعض مناطق رحيمه وتتسع في بعض المناطق لتشكل شرائع أو أخوار مكونة مسطحات مائية واسعة.

نجمة: وهي تعلو رحيمه في الجهة الشمالية الشرقية منها والمتاخمة لمياه بحر الخليج وتمر على سواحلها بعض مغاصات اللؤلؤ.

الجعيمة: تقع شمال شرق نجمة وشمال صفوى وكانت تعرف بالجعين او الجعينة وهكذا سماها أيضاً لوريمر في كتابه دليل الخليج بهذه الحروف: (Jaainah) حيث تعرف على هذا الإسم من السكان المحليين ونقله بهذه الصيغة وهي في الأساس إسم لمنطقة مغمورة بمياه البحر كانت تشكل أحد أهم المغاصات (الهيرات) الشهيرة لصيد اللؤلؤ على مستوى الخليج لذا فقد حملت البقعة اليابسة المجاورة لهذا المغاص من جهة الغرب نفس إسم ذلك المغاص أو الهير (الجعيمة) التي نعرفها حالياً بهذا الإسم.

شعاب: وهي قرية كانت عامرة بالزراعة تقع في الشمال الغربي من الجعيمة شمال غرب صفوى وقد كانت متصلة معها بالأراضي الزراعية وبها عين تعرف بعين شعاب ولاتزال هذه العين موجودة رغم نضوب مياهها كما هو الحال في نضوب بقية عيون المنطقة وحولها (كما أشرت) سور عالي ليمنع زحف الرمال عنها وقد غُطِّيت جداول مياهها بأسقف جملونية وبنيت فوقها (المثاقيب) كغرف تفتيش للتنظيف وللسماح بتصاعد أبخرة المياه وهي على شكل مواسير اسطوانية بأوضاع عمودية عالية الإرتفاع كارتفاع أسوار المنازل ذات الدور الواحد، وأما أقطارها فتصل الى المتر ليسمح لدخول انسان فيه. ولاتزال آثار النخيل فيها خاوية اعجازها ومنقعرة ولكنه قد تم مؤخراً إعادة اعمار بعض المزارع القليلة فيها من جديد.

الظلفين: وتقع الى الشمال الغربي من صفوى والظلف هو كل ماغلظ من الأرض واشتد وارتفع، وتعني أيضاً ظفر البقر، فتضاريس هذه القرية تشكل مرتفعين متقابلين احدهما على شكل بيضاوي والآخر غير منتظم الشكل ولعله يحمل أيضاً معنى له علاقة بظلفي البقرة، فهما مرتفهان بجانب بعضهما وكأنهما في رجل بقرة واحدة، هذان الظلفان يبعدان عن بعضهما بمسافة ربع كيلو تقريباً وهي مساحة تتخللها وجود حجارة متراكمة.

الخشكاري: وتقع إلى الشمال الغربي من صفوى، جنوب غرب الظلفين وبها عين ماء سيح قديمة قد لّفَ محيطها أيضا بسور عالٍ وغطيت جداولها وأقيم عليها مثاقيب بنفس النظام وقد كانت ضمن الأراضي الزراعية قبل زحف الرمال على أغلبها، وأما عن انسياب مياهها فبنفس نظام مياه عيون قرى القطيف الغربية التي تتجه صوب الغرب مكّوِّنة الأخوار والمسطحات المائية وسط الصحراء لتُكَوِّن تلك الواحات وهذا على خلاف العيون الشرقية المتجهة ساباتها نحو البحر شرقاً لتصب فيه.
من الملاحظ أنه بالقرب من موقع قرية الخشكاري توجد مساحات تسمى خريشيف أو خرشاف وهو إسم أقدم فهل هو الإسم نفسه تحمله أجزاء منها قد تحور أو اشتق فيما بعد ليصبح بمسمى “الخشكاري”؟ هذا أمر وارد.

جاوان: وتعرف بعين جاوان لوجود عيون سيح بها حفظت إسم منطقتها على مر الزمن بعد اندثار جاوان العريقة التي كاد اسمها أن يندثر باندثار معالمها وهجره من تبقى فيها لولا ارتباطها بموقع صفوى وحيث كان إسمها متردداً على ألسنة أهاليها بشكل متواصل وبتواجدهم المستمر حولها أيضاً، كما وإن التنقيب الذي جرى فيها في أربعينات قرن العشرين وتم استكماله في الخمسينات ثانية على يد عالم الآثار فريدريك شيمد فيدال الذي كلفته شركة أرامكو للتنقيب فيها قد أظهر اسمها عالمياً وجعله لامعا بعد تلك الإكتشافات الشهيرة ولكن الحديث عن هذه المنطقة سيطول لو استرسلنا فيه عنها ولنكتفي بذكر ما دلت عليه الإكتشافات من مدافن وأضرحة وشواهد قبور قديمه يعود تاريخها إلى العصر الهيلينستي بدءًا من الألف الأول قبل الميلاد.

وقد شملت تلك المكتشفات مدافن قديمة ذات اضرحة ضمت جثث بعضها نسائية بكامل زينتها وحليها من عقود وقروط وأساور من الذهب وقد دلت الدراسات إلى أن جثث بعض هؤلاء الموتى قد تعرضوا إلى ضرب فوق الجماجم حتى الموت مايدل على تعرض هذه المنطقة للغزو والحرب في تلك الفترة فقتل من قتل وهاجر من هاجر منها، كما وقد وًجِدَت في بعض أرجائها بعض النقوش المكتوبة بخط المسند الجنوبي.

ومن الاكتشافات التي وُجِدَت على خريطة بطليموس القديمة بعض مسميات مختلفة في نفس موقع جاوان أو بالقرب منه وهي نفسها المذكورة في بعض المصادر العربية بمسمى الجونين تارة والجونان تارة أخرى، فهذا الموقع الذي ذُكِر في بطليموس يُرَجح في الأصل إلى أنه مستوطنة مستقلة تحت اسم مستوطنة “بلبانا” وهو أقدم الاسماء الذي سميت به منطقة القطيف.

تقع جاوان إلى الشمال الغربي من صفوى على بعد لايتجاوز ٦ كيلومتر بمساحة ٢٠٠ هكتار وهي ألصق المناطق بصفوى بشكل مباشر وقد كانت هذه المسافة بينهما مشغولة بقرى ومزارع وبساتين، وقد كانت فيما مضى من الزمن تشكل أريافاً تحيط بها قد اتشحت باللون الأخضر لوفرة المياة المتدققة من عيون السيح فيها وكذلك لخصوبة تربتها وكان ذلك قبل زحف رمال الدهناء على بعضها.

لقد أخَذَنَا الحديث حول بقية القرى والمناطق التي تحيط بصفوى عامة فابتعدنا قليلاً عن حديثنا حول رحيمة قبل اكتشاف النفط ومابعده عندما اصبحت امتداداً لأحد المقرات الرئيسية لشركة أرامكو ومعها رأس تنوره بدءًا من عام ١٩٥١م، أما قبل ذلك فقد كان هناك الكثير ممن يترددون عليها من أهالي المنطقة ملتمسين أسباب الأرزاق المختلفة فمنهم من قام ببناء الحظور على شواطئها (كما سلف ذكره) وعلى ذلك فقد امتلك الكثير من أهالي صفوى والقطيف وتاروت وغيرهم من أهالي المنطقة أراضٍ مغمورة بمياه سواحلها لغرض بناء الحظور فيها وقد كانت أشهر أكبر منطقة تحتلها الحظور هي التي عُرِفت بحظور ناصر.

وأما البعض الآخر منهم فقد كانوا ينطلقون منها ألى بعض المغاصات (الأهيرة) التماساً للحصول على اللآلئ من تلك المغاصات المتعددة التي هي من حولها ولا غرو في ذلك فقد أدلى جميع أهالي الخليج بشهاداتهم على ثراء قيعان هذه المنطقة الواقعة بين البحرين والقطيف التي تعج بكثرة المغاصات وكما سلف الحديث عنها في بعض مقالاتي أن هذه المغاصات لم تك حكراً على أهل المناطق الذين يسكنون حولها فحسب إنما من المتعارف عليه بل ومن المتفق بينهم أن يغوص أصحاب أي سفينة من أي منطقة خليجية كانت في أي مغاصات في أي منطقة خليجية أخرى كانت، لذلك أود أن أشير هنا إلى حدثين يثبتان صحة ذلك: أولهما حين يبدأ موسم الغوص فإننا نلاحظ بعض أهالي مناطق الخليج يغيبون عن أهاليهم شهوراً عديدةً في مواسم الغوص تصل أحيانا الى قرابة الخمسة أشهر دون الرجوع لبلادهم! ولذلك فإنهم يُعَبِّرون عن معاناتهم لطول مدة فراق أحبتهم وخصوصاً مايجري على ألسنة النساء في أهازيجهن الفلكلورية الشعبية المعروفة:

توب توب.. يابحر
ماتخاف من الله.. يابحر
أربعه والخامس دخل!

ويقصدون بقولهم أربعة والخامس دخل أي أربعة أشهر وقد بدأ الشهر الخامس في الدخول وهم بعيدون عن أهاليهم متغربون عن أوطانهم مجازفون بحياتهم، بينما نلاحظ أن الغواصين من أهالي القطيف والبحرين قد لاتتعدى مدة غيابهم عن أيام معدودات.

وأما البرهان الثاني فهو كارثة “سنة الطبعة” الشهيرة خليجياً التي أغرقت جميع سفن الغوص الخليجية بمن فيها ولم ينج منهم إلا القلة وذلك في عام ١٣٤٤هـ الموافق ١٩٢٥م فقد عُثِر على جثامين العديد من الغرقى من مناطق ودول مختلفة من الخليج وذلك في مغاصات القطيف والبحرين بينما لم يغرق أحد من أهالي هذه المنطقة إلا في الحدود المذكورة حول المنطقة القريبة.

ومن جملة بعض المغاصات أو الأهيرة التي تنتشر في خليج تاروت الواقعة بين جزيرة تاروت وراس تنوره ورحيمة وحتى الجبيل مثلاً مغاص أم مرجان في الشمال والذي يمتد حتى الجعيمة ويسمى بإسمها، وإلى الغرب من راس تنوره وجنوب رحيمه وشرق صفوى هناك مغاص أم ارحيم وهير البطين وإلى الشرق من رحيمة يقع أيضاً بندر الدوح وفيه عدة أهيرة (مغاصات) أشهرها جرن ولرفيعه ومريخه وابو لعروق، وأما أبو الجوافير فهو مغاص ومحدق للصيد، ومن جملتها أيضاً الفاتح وحالة وحِدْ اللو ولسعيفه وأم احويسين وكذلك وشقته والميانه وأبو حاقول وأبو عمامه وابو الثامة.

بعد ذلك تأتي مجموعة أخرى هي في أقصى الشمال مبتعدة عن اليابسة مثل مغاصات أبو دقل وأبو دقيل والواسعة. وأما الجنوبية التي قبلها فمنها خوره وخبابان ولعميره والنيوه وراس الوطف ولسلقه والدردور وأبو البهيم وهناك أيضاً مغاصات السلاة وأم الخريد والدويسين والغمرة واليدره (الجدره) والجعلية.

في مقال سابق بعنون (القطيف مصدر أكبر وأفضل وأكمل وأثمن لؤلؤة فريدة في العالم) ذكرتُ فيه ماكتبه الباحث عيسى القطامي في كتابه (دليل المحتار في عالم البحار) حول مغاصات القطيف وأهميتها ومكانتها بين مغاصات الخليج حيث يذكر أن مغاصات الخليج العربي في عرف الغواصين تنقسم إلى خمسة أقسام وهي: مغاصات الكويت ومغاصات القطيف الممتدة إلى الجبيل وما بعدها ومغاصات البحرين الواقعة شرق جزر البحرين وشماليها ومغاصات قطر ومغاصات عمان، وقد ذكر اشهر مغاصات كل منطقة من هذه المناطق بما فيها القطيف التي كان من اشهر هيراتها: خوره وخبابان وأبو دقل والوشير وأبو سعفه.

وأما ماذكره المؤرخ والإداري البريطاني جون لوريمر (John G. Lorimer) الذي خدم في الهند وقد أعد عملاً موسوعياً عن أحوال مناطق ودول الخليج العربي وقدمه لحكومة الهند البريطانية في أوائل القرن العشرين وكانت هذه الموسوعة بعنوان: (دليل الخليج) (Gazetteer of The Persian Gulf, Oman and Central Arabia).


لقد ذكر فيها الكثير عن القطيف وماجاورها من الجهة الشمالية كرأس تنوره ورحيمه والجبيل وكذلك المغاصات التي تحيط بها، وكان ذلك في المجلد الجغرافي والإحصائي الثاني (Volume II: Geographical Statistical).

ومن جملة ماذكره لوريمر في كتابه حول القطيف وما جاورها من الجهة الشمالية في تلك الفترة نصاً يذكر فيه بعض مسميات المغاصات وكذلك بعض الأحداث وسوف استعرض مقتطفًا صغيراً جداً من النص الأصلي الذي كتبه بالإنجليزية ثم بعد ذلك استعرض ترجمة النص الكامل إلى العربية حيث يقول في مطلعه:

[ “TANURA (RAS). — Sandy cape in lat. 26° 38′ north and long. 50° 10′ east, forming north side of Katif bay. It is but 100 yards wide in places and south point is very low. There is an anchorage inside the cape … Turkish government vessels visiting Katif [generally lie …” etc.

وأما مايهمنا هنا فهو الترجمة العربية الكاملة لهذا النص والتي تقول:
“رأس تنوره هو رأس رملي يقع عند دائرة عرض ٢٦ – ٣٨ شمالاً وخط طول ٥٠ – ١٠٠ شرقاً ويشكل الجانب الشمالي لخليج القطيف. يبلغ طوله حوالي ٨ أميال أو أكثر إلا أنه يضيق جداً إذ لايزيد عرضه في بعض المواضع عن ١٠٠ يارده وهو منخفظ عند طرفيه. يوجد مرفأ داخل الرأس، كانت ترتاده السفن الحكومية التركية خلال زيارتها الدورية إلى القطيف، وقد اتخذ الأتراك محطة للوقود قريبة من المرفأ، وتحدث حركة للمد والجزر بعيد عن رأس تنوره التي توجد في نهايتها منطقة لصيد اللؤلؤ تعرف بإسم أم رحيم التي يقع شمالها مباشرة على الساحل بعض أماكن أخرى لغوص اللؤلؤ وهي مرتبة من الجنوب إلى الشمال وهي: دويسين (Duwaiysain) وأبو عظم (Abu Adhum) وأبو العروق (Abul Uruq) وجعينه (Jaainah) (الجعيمه) والتي نزل بها الجيش التركي الذي قَدِم من البصرة بالسفن بقيادة نافذ باشا في أيار سنة ١٨٧١م/ ١٢٨٨هج فاحتل القطيف بسهولة”.

تلك هي إحدى المؤشرات التي تبين مدى ارتباط رحيمة وبقية المناطق المجاورة بمركز المنطقة وهو القطيف، وحيث أن صفوى هي إحدى مدن محافظة القطيف الواقعة في نهايتها الشمالية والتي تحيط بها هذه المناطق الغير مأهولة فمن الطبيعي أنها تشكل بالنسبة لها مناطق أعمال زراعية ومكامن صيد أسماك ومغاصات لؤلؤ ومناطق انطلاق واستقبال السفن لمختلف المنافع بما فيها السفر وشحن البضائع والتوجه لأهيرة الغوص ومكامن الصيد، لذا فقد انتقل البعض من أهالي صفوى خاصة ومن أهالي تاروت ومن سائر القطيف عامة ليستقروا في رحيمه سعياً وراء الرزق لاستراتيجية موقعها وأهميته في الصيد لذا فقد قطنها الأهالي منذ القدم واستقروا على أرضها وأعطوها هذا المسمى (رحيمه).

إن أكثر مايهم الناس في تلك الآونة هو توفر الماء لهم بسهولة ويسر وكذلك لبهائمهم التي تصاحبهم ليستفيدوا منها وأما نقصه فيشكل بلا شك أزمة تسبب الهجرات والرحيل بحثاً عن الماء وكذلك الكلاء لدوابهم. لذا فإن أرض القطيف شكلت منطقة استقرار وقامت عليها حضارات على مر الزمن، فأرض بلا مياه لا تصلح لسكنى البشر ويُشَدُ الرحال عنها وتُهْجر وأما إن كانت حولها مصادر المياه أو قريبة حولها كصفوى التي نحن في صدد الحديث عنها أيضاً فإنها دار قرار حضري ولها هالة حضارية واسعة منتشرة تشمل المناطق والقرى المجاورة لها بما فيها رحيمة التي شمل امتداد خط منابع المياه أرضها وهو الخط القادم من الجنوب الشرقي والمنتهي في أرضها حيث يقطع الحدود البحري الشمالي امتداد ذلك الخط المائي المتدفق وإن كان في الواقع امتداد ينابيعه مستمر وغير منقطع ومتدفق حتى في قيعان البحر على شكل ينابيع حلوة تشق طريقها عبر المياه المالحة كما هو في عين غِمسه المتدفقة في قاع البحر الواقعة بين شمال هذه المنطقة وبين جنوب الجبيل،،،

لذا فإن منطقة رحيمه التي تسبقها من الجنوب قد حوت على عين سيح نباعة أُطِلق عليها مسمى عين رحيمه ولعله ثمة عيون أخرى كانت تتدفق على أرضها في سالف الزمان ثم تعرضت للنضوب والإندثار! فيبقى السؤال هنا حول التسمية حائراً: إن كانت أرض رحيمه قد سُمِّيت بإسم هذه العين أم أن العين هي التي سُمِّيَت بإسم الإرض التي تنبع منها وتتدفق مياهها في أرجائها؟

أم أن هذا الإسم جاء من مصدر آخر كالمغاص أو الهير المعروف بطول امتداده والمسمى بأم ارحيم والذي بلغت شهرته لدرجة أن المؤرخ لوريمر تحدث عنه في مذكراته -كما سبقت الإشارة إليه- فهو يمتد حتى يلامس الشواطئ هناك حيث تُبْنى على أطرافه حظور صيد الأسماك وتليه منطقة أخرى تعرف بالحِدِيَّة وقد امتدتا بمحاذاة منطقة رحيمة كما وقام العديد من أهالي صفوى والقطيف وتاروت ببناء حظراتهم لصيد الأسماك حول ساحلها وقد امتلكوا تلك الأراضي الساحلية المغمورة بالماء فأصبح امتلاك بعضها موزع على الناس بنظام الأسهم وكانت بعض الأسهم موقوفة إذ يذهب ريعها لبعض أعمال الخير والمساجد والمآتم وسائر الخدمات المجتمعية، ولذكر لفظ (الريع) أود هنا أن أشير إلى بعض المصطلحات المتداولة محلياً والتي هي من أصل عربي، فإجرة أو (تأكير) البساتين والمزارع تعرف محلياً بـ(الصبرة)، وحتى حظور أو (حظرات) صيد الأسماك كان مُلاَّّكها يؤجرونها أحياناً على البحارة المعروفين بالبوَّارة فعند تأجير حظرة صيد السمك فإن إجرتها تعرف بـ(الريع) وهي من أصل عربي أيضاً.

إن الهدف من امتلاك أراضي رحيمة من قِبَلْ أهالي هذه المناطق السالفة الذكر هو لغرضين:
الغرض الأول وهو امتلاك الأراضي من أجل بناء الحظور عليها وهي أراضٍ مغمورة بالمياه على امتداد الشواطئ المتاخمة لرحيمه ورأس تنوره والغرض من هذا الإمتلاك هو كسب المعيشة والإسترزاق وقد كانت تعرف هذه المنطقة الساحلية بأم ارحيم وتليها منطقة أخرى تسمى الحدِّية وقد أصبح كل من الإسمين يطلقا على هذه الحظور كمسمى لها فيقال عنهم حظور أم ارحيم وحظور الحدِّية وقد كان من جملة من امتلك الحظور فيها بنظام الأسهم على سبيل المثال لا الحصر هو أحد وجهاء القطيف وهو السيد حسين العوامي المعروف بالعالم -رحمه الله- ومعها أراضي حظور أخرى يذهب ريعها كأوقاف لأعمال الخير، ولكن بعد أن اتخذت شركة أرامكو في بداية تأسيسها منطقتي رحيمه ورأس تنوره كأحد مقراتها فقد تم استئجِار هذه الأراضي لمدة خمسين سنة من تاريخ تأسيس شركة أرامكو.

وهناك العديد ممن امتلكوا مثل هذه الأراضي الغمورة بمياه شواطئ البحر لغرض بناء الحظور عليها لصيد الأسماك ونذكر منهم أيضاً شخصين من أهالي صفوى يحملان نفس الإسم ثلاثياً مع نفس اللقب رغم أنه لاتربط بينهما أي صلة في الرحم أوالقرابة -كما أشار الباحث الأستاذ أحمد مكي الغانم- هذان الشخصان -رحمهما الله- هما:
الأول: هو أحمد بن علي الصادق -رحمه الله- والذي كان يقيم في الشرية بصفوى بالقرب من عين داروش جنوباً، وأما موقع حظرته في رحيمه فقد كانت بالقرب من منطقة الرويس على سِيف بحر رحيمه وهي الآن شمال الطريق القادم من بقيق إلى معمل تكرير الزيت برأس تنوره، أي أنها بالركن الجنوبي الغربي من بحر رحيمة.

وأما المالك الثاني والذي يحمل نفس الإسم ثلاثياً فهو: أحمد بن علي الصادق (أبو علي) -رحمه الله- وقد كان يسكن في حي الدبدابة شمال شرق منطقة الغروب بصفوى، وهو يمتلك حظرتين في الركن الشمالي الغربي من بحر رحيمة؛ احداهن شرق الخريص الفاصل بين صفوى ورحيمه والثانية في الخِيران أي إلى الشرق من الأولى، ويُذكَر أنه قد كانت له غرفة مبنية يأوي إليها أثناء عمله في الحظرة وذلك في فصل الشتاء عندما يشتد البرد وتتساقط الأمطار.

لعل إسم أم ارحيم هو الإسم الأقرب الذي اشتق منه إسم رحيمة وبذلك سميت تلك العين عين رحيمة لوقوعها في أرض رحيمه التي اقتبست اسمها من أم ارحيم. ومن المعروف أن أم ارحيم إسم يطلق على نوع من النخيل فلا عجب في تسمية ذلك الساحل أو المغاص (الهير) بإسم نخلة أم ارحيم فهناك أيضا في الناحية الجنوبية بمحاذاة تاروت والقطيف مناطق بحرية بها حظور أو مغاصات تسمى بأسماء نخيل كغمالية الخنيزية وهناك ايضا مسمى آخر يعرف بالغراية وكلها أسماء لنخيل الرطب.

وأما الغرض الثاني لامتلاك الأراضي فهو على صعيد امتلاك الأراضي الزراعية فيُذكَر أيضاً أن هناك العديد من أهالي صفوى ممن استصلحوا هذه الأراضي لتحويلها إلى منطقة زراعية وقد امتلكوها كأراض زراعية منتجة ويرجح البعض أن من جملة من امتلك أكبر الأراضي الزراعية فيها ومنذ زمن قديم شخص يدعى عبدالرحيم ولكن البعض ينفي وجود من امتلك اراض زراعية في رحيمه بهذا الإسم وبالرغم من ذلك وبشكل عام فقد فتح لنا باباً من أبواب التساؤلات حول تسمية هذه المنطقة بإسم رحيمة.

وأما عن آخر من تربع على عرش امتلاك أرض رحيمة الزراعية فهو شخص من صفوى يدعى الحاج محمد تقي اليوسف رحمه الله ويكنى بأبي علي ويكنى أيضاً بأبي سعيد.
هذا الشخص غادر بلده صفوى ومعه أحد أصدقائه متوجها شطر رحيمة في الشمال وقد اصطحب معه -فيما بعد- زوجَيّْ ابنتيه (صهريه) ليعيشا معه في رحيمه ليجعل منها بستاناً أو مزرعة كبيرة ومستقر له فيها.


في هذا الصدد كان لي لقاء قريب مع الباحث القدير الأستاذ احمد بن مكي الغانم من أهالي صفوى في الأصل والذي التقى بهذا الرجل -الحاج محمد تقي- منذ أكثر من خمسة وستين عاما وقد تجاوز عمر ذلك الرجل آنذاك التسعين عاماً إذ أنه قضى نحبه في منتصف ستينات قرن العشرين، وهذا يعني أنه قد وُلِدَ في الربع الأخير من القرن التاسع عشر (عام ١٢٩٤ هجري الموافق ١٨٧٥ ميلادي) على وجه التقريب.

ينقل الأستاذ أحمد الغانم ماقد تحدَّث به المرحوم الحاج محمد تقي اليوسف حين قرر ذات مرة أن يستصلح بستان رحيمه فقد باع بيته الكائن في الركن الشمالي الشرقي من مسورة صفوى على شخص يدعى الحاج محمد علي عبدالله آل حبيل وهو تاروتي الأصل.

هذا القرار الذي اتخذه الحاج محمد تقي جعل الكثير من أهالي صفوى يتساءلون بتعجب عما حمله على بيع بيته من أجل التوجه إلى رحيمه ليمتلك مزرعتها، لدرجة أنهم كانوا يرون أنه قد اتخذ بذلك قراراً تعسفياً غير حكيم وقد أصبح ذلك الموقف بينهم مضرباً للمثل الغير حصيف! فكيف يُرتجى من تلك الأراضي أي أمل بعد أن بارت وقد تركها أهل بلده من قبله وهم الأكثر خبرة بذلك؟

أما مادفع الحاج محمد تقي وبكل عزيمة وثابة في إعادة استصلاح مزرعة رحيمه بعد انقطاع أهالي صفوى عنها لفترة من الزمن فهو كثرة تردده عليها بشكل متكرر -كما كان يفعل الكثير من أهالي صفوى- وقد كان معه في صحبته أحد اصدقائه المدعو علي سعيد حين كانا يعبران الخريص البحري وهو مستنقع بحري مقفل لا تجري مياهه فيبدو وكأنه بحيرة مقفلة من جميع الجهات وكان موقعه عند مدخل رحيمه من جهة صفوى حيث تتكاثر الطيور حوله وخصوصاً الطيور الموسمية فكانا هو وصديقه يقضيان بعض من أوقاتهما هناك ليصطادا منها ماطاب لهما من تلك الطيور ثم يتابعان المسير نحو رحيمه وبعد اجتيازهما لذلك الخريص كانا يمران أيضاً على غدير ماء عذب جاري ولكنه يتأثر بالمد والجزر وذلك من حيث قوة تدفقه وجريانه رغم أن (هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ).

لقد وجد الحاج محمد تقي ضالته في هذه الأرض حيث لا منافس له فيها بعد أن هجرها الصفوانيون منذ زمن بعيد وذلك بعد أن غطت بعض مناطقها الرمال وشكلت حواجز تمنع العبور من وإلى صفوى ومن قبل قد كانت أرض زراعية متواصلة والطريق اليها سهل مهيع. لقد دفعه طموحه لأن يستغل أرض رحيمة ويعود لزراعتها تارة أخرى كما فعل آباؤه وأجداده، ثم أخذ بعدها يعد عدته لامتلاكها من بعض أصحابها ليستقر فيها وجلب معداته الزراعية وبدأ بنصب الخيام فيها ويبني الأكواخ السعفية بجانب نبع الماء وقد اصطحب معه زوجي ابنتيه وهما سيد حسين الساده أبو سيد عمران وسيد أحمد أبو سيد أسعد ليساعداه ويعملا معه في حقل مجهول العطاء.

كانت أول بقعة توجه إليها هي تلك الشريعة التي كان ينبع منها الماء العذب الرقراق فحفروا لها قنوات بالصخين (المسحاة) فزاد تدفقها عبر تلك الجداول منتشراً في أرجاء تلك المنطقة دون أن يعلم عن حقيقة أمر هذه الشريعة -كما كان يظن- إذ كان المنبع مغطى بصخور تبدو وكأنها آثار جدار تهالك فسقط في وسط النبع، فما كان من الحاج محمد تقي إلا أن أحضر عموداً من حديد وبعد ضربات خفيفة معدودة ازداد تدفق الماء في جريانه ثم بعد عناء طويل من تنظيف مصدر نبع الماء أدرك الحاج محمد تقي أن ذلك النبع ما هو إلا عين ماء سيح قديمة كما وقد اتضح له فيما بعد أنها هي العين المعروفة بعين رحيمه والتي كانت تسقي بستان رحيمه التي دفنتها الأسوار المحاطة بها من أجل حمايتها بعد أن هُجِرت رحيمه ولم يعد هناك من يعتني بها أو يقوم بصيانة جدران تلك العين المبنية من الجص وأحجار فروش البحر.

فيما يبدو انه قد نجح في زراعتها وسعد بما تنتجه من محاصيل وقد استمتع بجني ثمارها ومضت على ذلك سنين عديده وهو على هذا الحال تغمره السعادة لما يجنيه منها من أرباح وهو مطمئن لما يحمله من مستندات وأوراق رسمية تثبت ملكيته لها.

ويضيف الحاج محمد تقي رحمه الله وهو يحدث الأستاذ أحمد بأنه كان بنفسه من جملة من تقدموا للملك عبدالعزيز رحمه الله عند أول قدومه لمنطقة البذراني بالقطيف وقد حصلوا جميعاً على أوراق رسمية مختومة تثبت تملكهم لأراضي رحيمه سواءًا الزراعية منها أم أراضي الحظور المغمورة بمياه ساحل البحر ما أتاح الفرصة للكثير منهم في تأجير هذه الأراضي على شركة أرامكو لمدد تصل إلى خمسين عام منذ بداية قدومها واستقرارها في هذه المنطقة، أما الحاج تقي فإنه افتقد تلك المستندات الثبوتية لتملكة لها بشكل مفاجئ وبهذا قد خسر فرصة التأجير وخسر مادفعه من أجل شرائها فرجع إلى صفوى مسقط رأسه خالي الوفاض فاستقر في صفوى حتى وفاته في منتصف ستينات قرن العشرين رحمه الله.

لقد شكلت بدايات اكتشاف النفط حاجزاً زمنياً وفاصلاً نهائياً لوقف ممارسة أعمال الزراعة والصيد بأنواعه في رحيمة ورأس تنوره وانسحاب من تبقى من المزارعين منها والفلاحين وكذلك انسحاب صيادي الأسماك وبالأخص (بوَّارة الحظور) المتخصصون في صيد الأسماك بواسطة الحظور وذلك بعد اتخاذ القرار في اختيار هذه المنطقة كأحد المقرات الرئيسية لشركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) بدءًا من عام ١٩٥١م.


ومن جانب آخر قد سبق هذا الإنسحاب أيضاً تداعيات نحو الأفول متملثة في ظاهرة كساد تجارة اللؤلؤ التي ضربت أسواق العالم بما فيها دول الخليج ومناطقها كافة بعد أن ضعف الإقبال عليها وذلك في أربعينيات قرن العشرين بسبب إحلال اللؤلؤ المزروع وكذلك الصناعي منه بدلاً من لآلئ البحر، عندها تحولت أسواق لؤلؤ الخليج من العالمية إلى أسواق محلية مقتصر بيعها على الإستعمال المحلي وهذ يعني ضعف عمل صيد اللؤلؤ شيئا فشئ حتى وصل مرحلة التوقف النهائي وبهذا لم تعد لمغاصات اللؤلؤ أو أهيرتها أي أهمية إذ لم يعد الطوَّاش (وهو تاجر اللؤلؤ) يلاحق النوخذه وغواصيه طلبا في المزيد من اللؤلؤ فنسي هؤلاء الغواصون مغاصاتهم ودروبها حتى هجروها وتوقفت سفنهم عن الإبحار شطرها وانقطعت جميع مراسيم انطلاقاتها ولم يعد احد يسمع بمراسيم دشات الغوص ولا بمواسم القُفَّال ومهرجاناتها وإنما كما يقال: “كسروا الغوص بالسندانه”.

وبهذا فقد نُسِيت جميع المغاصات ولم يعد محترفي صيد اللؤلؤ يترددون عليها من أجل الحصول على تلك اللآلئ حتى توقفت جميع أعمال الغوص من أجل اللؤلؤ في أنحاء الخليج بما فيها هذه المنطقة التي شملت مغاصات رأس تنوره ورحيمه، فمن هذه الناحية جاء الأمر وكأنه بتنسيق مدبر حكيم ومتناغماً كما ينبغي، فمرحلة الإنقطاع عن التردد على هذه المنطقة من أجل صيد اللؤلؤ وتوقفه جاء قبل أن تصبح منطقة عمل لتكرير الزيت وشحنه فلا حاجة للتفاهم مع من كانوا يصطادون اللؤلؤ حولها.

أما من استصلحوا الأراضي الزراعية فيها وكذلك من حازوا على الأراضي المغمورة في مياه البحر من أجل الصيد بالحظرات ثم تركوها للتأجير فقد مرت الأيام وانطوت السنين فانتقلت ملكيتها من الجيل المالك إلى جيل الأبناء بالوراثة، وبعد تَجَاوزْ مدة عقود التأجير الطويلة الأمد بين طرف المالكين وطرف المستأجر فقد انتهت مدة عقود التأجيرات بتملك الطرف الآخر لها.

لقد تغير مشهد الصورة تماماً من منظر يظهر منطقة بسيطة طبيعية تسودها العناصر الطبيعية من ينابيع ومسطحات مائية تسقي بعض البقاع الزراعية التي تحيطها من بعض جهاتها كثبان الرمال ومن جهات أخرى شواطئ البحار التي يعمل فيها الصيادون فإذا بها تتحول إلى مشهد آخر بشكل مفاجيء يظهر لنا منطقة من كبار مناطق الأعمال المنتجة لأهم الصناعات العصرية العالمية التابعة للدولة والتي تشكل عصب مهم للدخل بعد أن اُنْشِئت عليها مصانع ومعامل التكرير وقد احتاج العاملون فيها إلى الإستقرار قرب مناطق أعمالهم فمن الطبيعي أن تتحول هذه المنطقة إلى مدينة زاهرة متكاملة الخدمات وفيها تُؤَمَن جميع احتياجات العمل كمنطقة صناعية ، كما وتؤمن أسباب رغد العيش لسد احتياجات ذلك المجتمع الجديد العامل في حقول نفطها.

الأستاذ عبد الرسول الغريافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *