إدارة الحياة بين الغفلة والتحدي – د. عبدالجليل عبدالله الخليفه

الإنسان العظيم لا يغفل عن غايته السامية فهي تملأ قلبه وتملك مشاعره، ولا ينكسر أمام التحديات فهو كالجبل الأشم لا تزعزعه العواصف.

إنّ مسيرة البشرية مدينة لهؤلاء العظماء، فهم نجومٌ تهتدي بهم البشرية في إدارة الحياة.

[نظرة العظيم الى الحياة]

فُطٍرَ الإنسان على حبّ الجمال والكمال، هذا الحبّ والعشق يتجلّى على درجاتٍ مختلفةٍ حسب استعداد الفرد، فقد قال تعالى «ولكلٍ وجهةٌ هو مولّيها فاستبقوا الخيرات». وتشتدّ درجة هذا العشق، حتى لا يرى العظيم شيئًا إلّا ويرى محبوبه الكامل قبله وبعده وفيه، فلا يرى الحياة قصيرةً فانيةً في هذه الدنيا، بل هي جسرٌ يعبره الى عالم الخلود، لذا يعيش طيلة حياته كدحًا وسعيًا في العطاء والتضحية، حتى يلقى الله وهو يردّد (فزتُ وربُ الكعبة)، سعادةٌ غامرةٌ وحياةٌ خالدة، ساعة الأنس التي يفرح فيها الناجحون ويحتفل فيها الفائزون.

نظرة العظماء للحياة تتناغم مع رغبات النفس في الخلود الأبدي.

هذه النظرة تضفي طابعًا جميلًا وغايةً ساميةً لهذه الحياة، فبها تنتظم الحياة ويلقى كلّ عاملٍ جزاء ما عمل، إذ لولا ذلك لكانت الحياة عبثًا لا معنى له. هذه السعادة الأخروية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإدارة الحياة في هذه الدنيا لأنّها غايةٌ عظمى ترسم طموح الفرد وتشحنه بطاقةٍ عظيمةٍ تدفعه للتميز والإبداع والإنجاز. هذا هو سرّ الحبّ والعشق لهؤلاء البشر، إنّها مواقفهم وانجازاتهم التي قدّموها لوجه الله، عبر حياةٍ حافلةٍ بالإيثار والعطاء.  إنّها إدارة الحياة التي تميزّوا فيها بينما فشل فيها آخرون.

كيف يمكن أن نرشد أبناءنا وبناتنا ليديروا حياتهم بصبرٍ وحكمةٍ حتى يكونوا من الفائزين (إنِي جزيتهم اليوم بما صبروا أنًهم هم الفائزون)؟

[نحن والحياة]

من منّا لا يريد أن يبدع وينجز في هذه الدنيا ويسعد في الآخرة؟ من منّا لا يريد أن تكون حياته قدوةً للآخرين؟  ومع ذلك، يتميّز نفرٌ قليلٌ جدًا من البشر بإنجازاتٍ ومشاريع تعبر الزمان والمكان فتخلد عبر التاريخ، بينما ينتكس كثيرون في مهاوي الرذيلة؟

لو سألت أحدَ الأبناءِ والبناتِ في مقتبلِ العمر:

ماذا تريدُ أن تكون؟

سيجيبُ فِطريًا: أريدُ أن أكونَ عظيمًا،

ثم تسأله، ما ذا تعني؟

سيجيب: أريدُ أن أكونَ سعيدًا مطمئنًا، مكتفيًا ماليًا، مُنجزًا عالميًا، كثير النفع للبشرية، عظيم الأثر في الحضارة العالمية،

ثم تسأله، كيف ستحقّق ذلك؟

سيسكت طويلًا، ثم يسألك بذكاء، أخبرني انت بخبرتك الطويلة، كيف يمكنني أن أحقّق ذلك؟  فماذا سيكون جوابك؟

{العظيم والتميّز}

إنّ سبب التميز أمران مهمان، هما: الطموح والمثابرة لإنجاز ذلك الطموح. لذا يجب رفع سقف الطموح عاليًا، فالمرء يطير بهمته كما يطير الطير بجناحيه. هذه ثقافةٌ يجدر بنا أن نزرعها في أذهان الجيل الجديد. إنّ الطموح الذي يلامس قلب الإنسان، يستغرق نهاره وليله وصحوته ونومه وصحته ومرضه لأنه أغلى شيء يملكه الإنسان، فهو أمله وغايته التي يسعى لتحقيقها ويعيش لأجلها.

هذه هي مرحلة الانسجام والانغماس الكامل في الهدف، التي تشحذ طاقات الإنسان وتفجرها لتصبح كالنهر الجارف المنحدر من قمة الجبل لا تصدها العوائق ولا تحبسها الموانع. وهذا ما يسميه عالم النفس البروفيسور ميهالي سيكز ينتميهالي بالتدفق «flow». فكلما كان الطموح محبوبًا ومناسبًا، كلما كان أقرب الى قلب الإنسان وأعمق أثرًا في تفجير طاقاته.

إنّ الحياة طموحٌ ومثابرةٌ تقهر المصاعب وتفتح الآفاق لمستقبلٍ مشرق، فلا خير في طموحٍ بلا مثابرة. فمن أراد ان يتميز ويحقق طموحه فلتقهر عزيمته مصاعب الحياة، ولتنبه بصيرته النفس من غفلتها. الكثير من البشر قد يملك طموحًا في شبابه، لكنه يصاب بالكسل فيتهاون في تحقيق طموحه ويبقى يراوح مكانه حتى تحترق زهرة شبابه ويودّع الدنيا دون أن يحقّق مشروعه في الحياة.

الفنانة التشكيلية زهراء عبد الله آل مسلم

{العظيم والإبداع}

الإنسان العظيم لا يحبّ الرتابة ولا يقبل مستوى متدنيًا من الجمال، فهو يسعى باستمرارٍ أن يبدع طرقًا مبتكرةً يعالج بها مستجدات الحياة. فمنذ بداية البشرية، أبدع الإنسان في نواحٍ عديدةٍ، حتى غدى العالم لوحةً جميلةً أبدع رسمها الشاعر والفنّان والمخترع والمهندس والطبيب وغيرهم.

الحقيقة أنّ الإنسان يسبح في بحرٍ عميقٍ من الإبداع مما يجعله لا يشعر به فهو كالسمكة التي تسبح في الماء ولا تعرف قيمته حتى تكون في اليابسة، فكل آلةٍ او معرفةٍ يتعلمها او يستخدمها الأنسان حاليًا هي خبرةٌ جاءت عبر تراكم كمٍ هائلٍ من الابداعات على مرّ العصور التاريخية.

عشق الإِبداع ضرورةٌ حياتية تحبها نفوس العظماء، لذا يسرّها أن تسمعَ بتفوقِ الأبناء والبنات، او اكتشافِ علاجٍ جديدٍ لمرض السرطان، او هبوط البشر على سطح المريخ، او تصحيح بوصلة الحضارة لتصبح أكثرَ إنسانية. إنّ علينا أن نحافظُ على جذوةِ الإبداعِ متقدةً في قلوب أبنائنا وبناتنا، وأن تكون موضع تقديرنا الفردي والاجتماعي.

{العظيم والإنجاز}

الإنسان العظيم يهمه الإنجاز وتحقيق النتائج وليس فقط التنظير بكلامٍ لا يرقى الى التطبيق في الحياة العملية. هذا الإنجاز قد يكون اختراعًا علميًا او مشروعًا اقتصاديًا او عملًا اجتماعيًا يجلب الخير والبركة على نطاقٍ واسع. فما هي معادلة الإنجاز؟ 

لقد أعتبر سليجمان أنّ الإنجاز هو حاصل ضرب الكفاءة في المثابرة

الإنجاز  =  الكفاءة * المثابرة

فالكفاءة ضرورةٌ قصوى وكذا المثابرة والعمل بقدر هذه الكفاءة. لذا يجب رفع مستوى كفاءة الفرد في جميع جوانب حياته العلمية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.  الإنسان العظيم المنجز لابدّ ان يكون كفؤًا ومثابرًا.

وحيث أننا نؤمن بضرورة الاستقامة أي توازن الجانب الروحي والجانب المادي في الإنسان، وكذلك التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، فإننا نرى أنّ معادلة الإنجاز هي:

الإنجاز = الكفاءة * المثابرة * الاستقامة * العمل مع الآخرين

أي أنّ الإنسان العظيم كفؤٌ، مثابرٌ، مستقيمٌ أخلاقيًا، ونشيطٌ اجتماعيًا.

[إدارة الحياة بين الغفلة والتحدي]

إدارة الحياة شأنٌ عظيمٌ قد يغفل عنه البعض، فما هو سرّ الغفلة عن إدارة الحياة؟ وهي أيضا تحدي عظيم قد يفشل أمامه آخرون، فما هو التحدي أمام إدارة الحياة؟

{الغفلة}

قد تغفل النفس عن طموحها بعيد المدى شريف الغاية، فتنحرف إلى لذاتٍ قصيرة المدى تشغلها وتشتت تركيزها. خذ مثلا الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تملأ وقت الإنسان وتشتت تركيزه دون أن تحقق إنجازًا لطموحه وغايته. إن النفس ميالةٌ الى اللعب واللهو، مملوءةٌ بالغفلة والسهو، لذا فهي تحتاج إلى مراقبةٍ شديدةٍ حتى لا تضيع البوصلة وتنحرف مسيرة الإنسان عن طموحه وغايته.

هذه الغفلة قد تصيب الأب والأم عن أطفالها نتيجة انشغالهم بأمورٍ خارج المنزل، وقد تصيب الزوج فتشغله عن زوجته، وقد تصيب المدرس فتشغله عن تلاميذه، وقد تصيب المدير فتشغله عن إدارته وقد تصيب التاجر فتشغله عن تجارته. 

وقد يظن البعض أنّ الغفلة مرضٌ يصيب الأفراد فقط، لكنّ الحقيقة أنّ الغفلة تصيب المجتمعات أيضًا. فمن المجتمعات من يتميّز بالبصيرة الجمعية التي تحفظ للمجتمع كرامته وفضيلته وسموه عن الرذيلة، فتراه متميّزًا بأخلاقه الفاضلة وأمانته وعمله المخلص حتى يشتهر بأن المجتمع الفلاني يتميّز بالأمانة والإخلاص والعمل الجاد والسيرة الحسنة. ومن المجتمعات من عمت بصيرته فغفل عن معالي الأخلاق وأنشغل بسفاسف الأمور.

{التحدي}

الحياة مليئة بالمنافسة والصراع، وهذه سنّة الله في خلقه ليميز الخبيث من الطيب، «فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». وفي هذا التدافع قد تولد الكثير من الفرص وقد توجد الكثير من التحديات فتنكسر بعض الطموحات نتيجة خيبة الأمل تارةً، وعدم القدرة على التنافس والتدافع تارةً أخرى. فيختار الفرد أن يهبط بسقف طموحه الى مستوى متوسطٍ او متدنٍ جدًا ليخفف من وطأة التنافس وثقل المسؤولية.

فمثلًا، في بداية دراسته قد يكون طموحه أن يحقّق جائزة نوبل في علمٍ معين، ثم يبحر في دراسته وتكبر مسؤولياته الاجتماعية فيكتفي بإنهاء دراساته الجامعية او العليا كالدكتوراة، والبعض قد تضطره الظروف إلى أن يلتحق مبكرًا بعملٍ يدبّر به معيشته. وبينما يبقى طموح البعض مشتعلًا ونهره متدفقًا فيبدع في مجاله الجديد وتزهر له أشجارٌ أخرى في مجالات الحياة المتعددة، يصاب البعض الآخر باليأس والإحباط فيضمر طموحه وتموت طاقاته.

كذلك فإنّ الحياة في عصرنا الحاضر تعيش تحديًا عظيمًا يتمثل في محاولة الغرب هندسة الشرق ثقافيًا ليجعل منه سوقًا استهلاكيةً تتذوق الطعام واللباس والثقافة الغربية.  بدأ العقل الأوربي موضوعيًا قبل خمسة قرون فأطلق ثورةً علميةً انتجت لنا الرفاهية وبحبوحة العيش والتطور الاقتصادي والمعيشي. هذا العقل الموضوعي بعد أن حقّق التنمية والتطور والحياة الرغيدة، تغوّل تدريجيًا بتأثير أنانية الرأسمالية الجشعة ونسبية البراغماتية المصلحية ليصبح عقلًا آليًا منحازًا ولكن ليس لأوهام وطقوس الكنيسة بل لأوهام وطقوس الشهوة والأنانية والاستهلاك وعبادة الثروة.

فبدلًا من أن يسهر العقل ليحقق المزيد من السعادة للبشرية، إنحرف ليصبح آلةً تستخدم لصناعة الثروة والصراع عليها.  لقد قرّر فريق العقل الآلي الغربي أن يجرّب طريقةً أيسر وأذكى من شن الحروب للتحكم في الأمم الغير غربية، ألا وهي محاولة هندسة ثقافة الأفراد والمجتمعات لتصبح استهلاكيةً ماديةً تعيش اللذة والمتعة وبذلك تحقّق لمصانعه وشركاته أعلى العوائد والأرباح المادية. فأستخدم بخبثٍ أدوات الهندسة الثقافية كالإعلام ووسائل الاتصال الاجتماعي وصناعة التفاهة، عبر أساليبها المختلفة كالصدمة والانبهار والترغيب والترهيب والإيحاء وغيرها. 

إنّ مواكبة التغيرات السريعة في التقنية والمدنية وتأثيرها على ثقافتنا وقيمنا الاجتماعية من أعظم التحديات الواضحة في حياتنا المعاصرة.  لذا إنقسم أفراد المجتمعات الشرقية في مواجهة هذا التحديات الى:

  • قسمٌ يعيش الغفلة وعدم المبالاة،
  • قسمٌ يعيش الصدمة فيتصرف سلبيًا او ينعزل عن المجتمع،
  • قسمٌ يتميز بالحكمة فيواكب التغيرات ليستفيد من جوانبها الإيجابية ويعالج سلبياتها.

[العظيم والمجتمع]

التأثير بين أفراد المجتمع إشعاعٌ متبادلٌ بينهم أخذًا وعطاءً، فمنهم من يصل إشعاعه كلّ البشر ومنهم من يكون إشعاعه خافتًا لا يتعدّى موطأ قدميه. فمن الناس من يؤثّر فيك عبر نظرةٍ او كلمةٍ او مقالةٍ او خطابٍ او عبر مواقف بطوليةٍ او قيمٍ إنسانية، ثم تتراكم هذه التأثيرات طيلة عمرك فتصوغ شخصيتك.

إنّ العامل المشترك في نجاح الفرد والأسرة والمدرسة والمؤسسة والشركة بل كلّ شيء هو التأثير الإيجابي الذي يمارسه الإنسان العظيم على الآخرين.

وهذا التأثير المبارك يتم عبر خدمة الآخرين وتقديم العون والعطاء لوجه الله دون مقابل مادي، وينعكس هذا في الساعات الطويلة التي يقضيها العظيم في التطوع للأعمال الاجتماعية سواءً في الجمعيات الخيرية او الغير ربحية او الفعاليات الاجتماعية كالزواج الجماعي وغيره.

[الخاتمة]

هذه الحياة ماراثونٌ مفتوحٌ للبشر جميعًا يتنافس فيها المتنافسون لبلوغ الدرجات العليا والسعادة الدنيوية والأخروية. لكنّ الطريق شائكٌ وفيه الكثير من المغريات والتحديات التي تحتاج الى الكثير من فنون إدارة الحياة التي يتعلمها الإنسان العظيم من ثقافته وقيمه الأصيلة، فيشربها مع حليب أمه ويراها في جبين والده، والحمد لله ربّ العالمين.

تعليق واحد

  1. أمير الصالح

    الإنجاز = الكفاءة * المثابرة * الاستقامة * العمل مع الآخرين

    أي أنّ الإنسان العظيم كفؤٌ، مثابرٌ، مستقيمٌ أخلاقيًا، ونشيطٌ اجتماعيًا. ادراج موفق و ملفت يستحق التعمق و ادراجه كمقياس . مقال مثري و مبدع و ملهم و محفز . طابت اناملك ابا محمد .

    إنجازات تتحقق على الصعيد الشخصي وتكون سريعة الزوال
    و انجازات تتحقق على صعيد نصرة الحق و اقامة العدل و تثبيت الحقوق و حفظ الكرامة الانسانية فتكون خالدة و ملهمة لابناء البشر كافة على مر العصور .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *