في القطيف القديمة، كان للقرآن الكريم حضور يتجاوز جدران الكتّاب، ويمتد إلى البيوت والحارات، حيث تتعالى أصوات الوليدات وهم يتهجّون آياته خلف المعلّم أو المعلّمة. وكانت رحلة التعلّم، على بساطة أدواتها، محفوفة بعادات وأهازيج ومناسبات تجعل لكل مرحلة فرحتها، حتى إذا أتمّ الطفل ختم القرآن، احتفت به أسرته ومجتمعه في مناسبة قد تبلغ ذروتها بزفّة تشبه زفّة العريس.

لم تكن الختمة مجرّد إنجاز تعليمي، بل كانت مناسبة دينية واجتماعية تعبّر عن مكانة القرآن في حياة الناس، وتكشف عن روح المشاركة التي ميّزت المجتمع القطيفي؛ فالفرحة التي تبدأ في الكتّاب سرعان ما تنتقل إلى البيت والحارة، ويتقاسمها الأهل والجيران والوليدات.
وقد حفظت لنا الذاكرة الشعبية تفاصيل من هذا العالم، تبدأ بطرائق تعليم القرآن ومراحل التدرّج في قراءته، وتمرّ بالمربعانية والتسطيع وأهازيج المناسبات التعليمية، وصولًا إلى زفّة الخاتم وأهازيجها التي تستحق أن تُدوَّن وتُصان من النسيان.
الكتّاب ومراحل تعلّم القرآن:
كان الطفل يبدأ تعلّم القرآن الكريم في سن الخامسة تقريبًا، قبل التحاقه بالمدرسة النظامية، في منزل معلّم أو معلّمة يجتمع فيه عدد من الأطفال المعروفين محليًّا باسم “الوليدات”. وكانت الأسرة تلتزم ببعض الرسوم والهدايا العينية، كالبخور والبيض، إلى جانب مبلغ دوري يُعرف باسم “المربعانية”. وقد بلغ هذا المبلغ في بعض الكتاتيب نصف ريال، ثم أصبح ريالًا لدى بعض المعلّمين والمعلّمات، بحسب الفترة الزمنية والعرف المتّبع.
يبدأ التعليم بتهجئة الحروف والمقاطع، ثم قراءة الآية كلمة كلمة، وهي الطريقة المعروفة باسم “الهجا”، قبل الانتقال إلى قراءتها متصلة، فيما يُسمّى “السريد”. ويتدرّج المتعلّم في دراسته بحسب قدرته وإتقانه، حتى يبلغ مراحل متقدمة تستدعي الاحتفاء بإنجازه.
ومن تلك المناسبات ما عُرف باسم “العدرة”، حيث يُقدَّم للمعلّم أو المعلّمة مبلغ أو هدية، وقد ينال الوليدات نصيبًا مما يُوزّع بهذه المناسبة. وهكذا ارتبط التقدّم في القراءة بعادات تشجّع الطفل وتُشعره بأن جهده موضع تقدير.
“مايدة… خبز ولبن فايدة”:
من الأهازيج التي ارتبطت بمراحل التعلّم أهزوجة “المايدة”، التي كانت تُقال عند الاستعداد لدخول سورة المائدة، بعد إتقان ما سبقها. وفي هذه المناسبة، تُعدّ أمّ المتعلّم الخبز واللبن لتقديمهما إلى الوليدات، فيجتمع الصغار حول المائدة، وتتعالى أصواتهم بالأهزوجة:
“مايدة… خبز ولبن فايدة”
تختصر هذه الكلمات القليلة مشهدًا من الحياة القطيفية القديمة؛ فاسم السورة يمتزج بالطعام، والإنجاز الفردي يتحوّل إلى فرحة جماعية. كانت الأم تشارك ابنها تقدّمه بما تستطيع، وكان زملاؤه يشاركونه الاحتفال، فتغدو المناسبة ذكرى تجمع بين التعلّم والضيافة والألفة.
وبحسب الرواية المحلية، كان يُقدَّم للمعلّمة في هذه المناسبة مبلغ قد يصل إلى خمسة عشر ريالًا، مع اختلاف القيمة بحسب الزمن وإمكانات الأسرة.
المربعانية والتسطيع نظام الكتّاب وأعرافه:
لم تقتصر حياة الكتّاب على الدروس والأهازيج، بل انتظمتها عادات يومية كان الوليدات يعرفون تفاصيلها جيدًا. ومن أبرزها “المربعانية”، وهي المبلغ الذي كان يُدفع للمعلّم أو المعلّمة كل يوم أربعاء من كل أسبوع في معظم الكتاتيب.
أما “التسطيع”، فكان طقسًا يسبق الانصراف في نهاية الدرس. تبدأ المعلّمة بنداء “چَيْسوا!”، أي أغلقوا قرائينكم وضعوها في أكياسها القماشية، ثم تقول “قوموا تسطّعوا!” حيث يتقدّم الوليد عند سماع اسمه، ويمدّ يده اليمنى مبسوطة، فتصفق المعلّمة عليها، ثم يقبّل باطن يده في موضع التسطيع، ويردّد عبارة الدعاء والشكر التي حفظتها الرواية:
“رحم الله والديش يا معلّمة… امش وابوش في الجنة”.
كان التسطيع وسيلة لتنظيم خروج الأطفال والتأكد من انصرافهم بإذن المعلّمة، كما أتاح لها متابعة انضباطهم وتشجيع المجتهد منهم وتنبيه المقصّر. وفي الوقت نفسه، حمل الطقس معنى تربويًا يتجلّى في احترام المعلّمة والدعاء لها ولأهلها.
وتكشف هذه المفردات، بما فيها من خصوصية لهجية واجتماعية، عن عالم الكتّاب بكل ما اشتمل عليه من نظام وأعراف وعلاقات إنسانية، وهي تفاصيل لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاشوا تلك المرحلة.
زفّة خاتم القرآن حين يصبح التعلّم عرسًا:
كان ختم القرآن الكريم مناسبة تتوّج رحلة المتعلّم، ويُعرف الطفل الذي يتمّ الختمة باسم “الخاتم”. وقد ارتبطت هذه المناسبة في بعض الروايات بمراسم احتفالية تشبه زفّة العريس.
وبحسب شهادة الرواة، فإن بعض المراسم القديمة كانت قد اختفت قبل أن يشهدها بنفسه، لكنه شهد لاحقًا حالتين لخاتمين أُقيمت لهما مراسم احتفالية بالنذر. وكان الخاتم يلبس الغترة والعقال والبشت، ثم يُزفّ في أزقّة البلدة، بينما يردّد الوليدات الأهازيج. وبعد انتهاء الزفّة، تُقام وليمة في بيته يُدعى إليها زملاؤه في الكتّاب.
في هذا المشهد، تتجلّى صورة من صور الفرح القطيفي القديم حيث طفل يرتدي ملابس احتفالية، ورفاق يحيطون به بالأهازيج، وأهل وجيران يتابعون الموكب، ثم مائدة تجمع الأحبة في بيت الخاتم. لقد استعارت الجماعة مظاهر من زفّة العريس لتحتفي بإنجاز ديني، في تعبير واضح عن مكانة القرآن الكريم وما يحظى به تعلّمه من تقدير.
أهزوجة زفّة خاتم القرآن:
من أبرز ما حفظته الرواية الشعبية مطلع أهزوجة كانت تُردّد أثناء زفّة الخاتم، ويتولى أحد الوليدات إنشاد أبياتها، وغالبًا ما يكون المتعلّم المرشّح لختم القرآن في الموسم المقبل.
ومن أبياتها:
“الحمد لله الذي هدانا… آمين
للدين والإسلام واجتبانا… آمين
سبحانه من خالق سبحانه… آمين
بفضله علّمنا القرآنا… آمين
نحمده وحقّه أن يُحمدا… آمين
الحمد لله الذي تحمّدا
ما طلع الزهر وما ظهر الندى… آمين
ثم الصلاة كلما الحادي حدى… آمين”
ثم يشارك الوليدات بصوت جماعي:
“خطّوا على اللوح سلاسل من ذهب
وأعطوا لمعلّم جميع أمّا طلب”.
تبدأ الأهزوجة بحمد الله على نعمة الهداية وتعلّم القرآن، وتتخللها الصلاة على النبي(اللهم صل على محمد واّله)، ثم تنتقل إلى اللوح، الذي كان من أدوات التعلّم، وإلى المعلّم وما يستحقه من تقدير. أما تكرار “آمين”، فيمنح الإنشاد إيقاعًا جماعيًا يتيح للحاضرين المشاركة، فيصبح الصوت المشترك جزءًا من مراسم الزفّة.
وتستحق هذه الأهزوجة عناية خاصة عند التوثيق، مع الحفاظ على ألفاظها كما وردت في الرواية الشفوية، ومقارنة صيغها بما قد يتوفر من شهادات أو تسجيلات؛ فاختلاف الكلمات بين الرواة قد يكشف عن تنوّع الأداء المحلي، كما أن اللهجة الأصلية جزء لا ينفصل عن قيمة النص التراثية.
ما بعد الختمة:
لم تكن الختمة نهاية التعلّم بالضرورة؛ إذ تذكر الرواية أن بعض البنات كنّ يواصلن تعلّم فنون دينية وأدبية عُرفت باسم “الفخري” و”الوفاة”، بينما يواصل بعض الأولاد دراسة “الوفاة” و”المولد” و”السيرة”. وكانت احتفالات البنات وولائمهن تُقام في أجواء خاصة يغلب عليها حضور النساء فقط، بحسب العرف وإمكانات الأسرة.
كما عرفت الكتاتيب مناسبات اجتماعية أخرى، منها “المشاركة”، التي يجتمع فيها المعلّمة والوليدات حول البطيخ أو الطروح بعد تقطيعه وإعداده. وهي عادة تكشف عن طبيعة الروابط التي نشأت بين المتعلّمين ومعلّمتهم، حيث امتزج التعليم بالصحبة والمشاركة، وأصبح الكتّاب فضاءً اجتماعيًا يتجاوز حدود الدرس.
ذاكرة تستحق أن تُروى:
إن أهازيج ختم القرآن الكريم في القطيف جزء من تاريخ التعليم الأهلي، وشاهد على الطريقة التي أحاط بها المجتمع رحلة الطفل في تعلّم كتاب الله بعادات تجمع بين التربية والفرح والتكافل. فمن أهزوجة “مايدة… خبز ولبن فايدة” إلى إنشاد زفّة الخاتم، تتجلّى ذاكرة مجتمع احتفى بالمراحل التعليمية، ومنح إتمام القرآن مكانة خاصة في حياة الأسرة والحارة.
وتبقى المربعانية والتسطيع والعدرات والولائم، إلى جانب أسماء المعلّمين والمعلّمات وألفاظ الأهازيج، تفاصيل تستحق التوثيق قبل أن تطويها السنوات. فحفظ هذا الموروث لا يتحقق بتدوين الكلمات وحدها، بل بجمع روايات من عاشوا التجربة، وتسجيل أصواتهم، وتوثيق أماكن الكتاتيب وطرائق التعليم، مع مراعاة اختلاف الروايات من جيل إلى آخر. وحين نستعيد تلك المشاهد، نكاد نسمع أصوات الوليدات في الكتّاب، ونرى الخاتم بثوبه الجميل يمضي بين أزقّة الحارة، فيما تتردّد الأهزوجة على ألسنة رفاقه، وتنتظره أسرته بفرحة لا تشبهها فرحة. تلك كانت القطيف، حين كان لختم القرآن زفّة، وللتعلّم فرح، وللأهازيج صوت يحفظ حكاية جيل.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية
شكراً لكم أخي العزيز أبا حسام على هذا المقال الرائع ، وعلى تسليط الضوء على تلك الأهازيج الجميلة التي كانت تردد عند ختم القرآن الكريم أثناء زفة خاتم القرآن وهم يدورون به في الفريق احتفالًا بإتمامه ختم القرآن الكريم في المعلم ( الكتّاب ) ، وإن توثيق مثل هذه الموروثات الجميلة يعرف هذا الجيل على جانب من حياة الآباء والأجداد ، ويعيد إلى الذاكرة ذكريات ذلك الماضي الجميل .
ودمتم ودام عطاؤكم.