في الموروث القطيفي، حيث تنبض الأرض بعيونها الطبيعية، وتتشابك البساتين كأنها عالمٌ سفليّ من الظلال والرطوبة والهمس، نشأت حكاياتٌ لا تزال تتردّد في المجالس القديمة. حكاياتٌ تبدأ بصوتٍ خافت في آخر الليل، وتكبر في الذاكرة حتى صارت أسطورة. ومن بين تلك الأساطير، لمع اسمٌ يجيء خفيفًا كالنسيم، لكنه يترك في القلب أثرًا لا يُمحى وهو اسم الندّاهة.
ليست الندّاهة في التراث القطيفي مجرد كائن خرافيّ، بل صورةٌ مركّبة من الخوف والخيال، ومن الحاجة القديمة لتفسير ما استعصى على الفهم في الأزمنة التي لم يكن فيها الليل مجرّد غيابٍ للضوء، بل حضورًا لشيءٍ آخر. شيءٍ تتسع له الحكايات وتضيق عنه الكلمات.
صوت يأتي من مكانٍ لا يُرى
في القرى القريبة من العيون، حيث ينساب الماء بين الصخور ويصنع موسيقاه الخاصة، وحيث البساتين تمتدّ كسقفٍ أخضر يحجب القمر، كانت تُروى قصصٌ عن صوتٍ غريب يسمعه العابرون في وقتٍ متأخر من الليل. صوتٌ أنثويّ، ناعم، رقيق، لكنه في الوقت نفسه قادر على زرع قشعريرة في الجسد. ينادي الشخص باسمه، أو يهمس له بعباراتٍ لا تُفهم، كأنها مقطوعة من عالمٍ آخر.
يقول الرواة إن الندّاهة لا تظهر جسدًا كاملًا، بل ظلًا قد يتبدّى بين نخلةٍ وأخرى، أو بالقرب من بركةٍ قديمة، أو على حافة نهرٍ صغير. تُرى من بعيد، ولا تُمسك، تُسمع أكثر مما تُرى، وتُشعِر السامع بأن هناك مَن يعرفه أكثر مما ينبغي.

الندّاهة كمرآة للخوف البشري
كانت هذه الحكاية في أعمق معانيها محاولةً من الإنسان القديم لفهم ما لا يُفهَم. فالليل في القطيف، قبل الكهرباء، لم يكن زمنًا ساكنًا، بل عالمًا حيًّا. صوت الماء في العيون، حركة الريح بين سعف النخيل، نقيق الضفادع، وتعليق الصمت حين يطول، كل ذلك كان يُشكّل فضاءً خصبًا للأسئلة.
ومن رحم تلك الأسئلة وُلدت الندّاهة، صوتٌ يُشبه الحقيقة لكنه ليس منها، يُشبه الإنسان لكنه ليس إنسانًا، ويُشبه الرفاق لكنه يدعو إلى طريقٍ لا يعود منه أحد. لذلك لم تكن الأسطورة مجرد ترفٍ تخيلي، بل موعظة كان الأجداد يرونها ليقولوا لأبنائهم “لا تتبعوا ما يلمع في الظلام، ولا تجيبوا صوتًا لا تعرفون مصدره”.
الندّاهة بين الأسطورة والموعظة
حضور الندّاهة في المخيلة الشعبية القطيفية يكشف جانبًا من علاقة الإنسان ببيئته, كيف يرى الليل؟, كيف يفسّر الأصوات التي لا يجد لها تفسيرًا؟, وكيف يخلق رمزًا يحميه من الانجراف خلف فضولٍ لا يعرف نتيجته؟
وهكذا صارت الندّاهة جزءًا من الذاكرة الشعبية، تحفظها القلوب قبل الألسن. ولم تكن تُروى لتخويف السامع بل لتذكيره بأن المجهول مهما بدا جذابًا يحمل في داخله احتمال الفقد.
إرثٌ يبقى وصوتٌ لا يختفي
اليوم، وقد تراجعت العيون القديمة، وتضاءلت البساتين، وابتعد الناس عن تلك الأمكنة التي كانت يومًا مسرحًا للنداءات الغامضة، بقيت الندّاهة حاضرة في القصص. تُروى لأن فيها شيئًا من الشعر، وشيئًا من الحكمة، وشيئًا من خوف الإنسان الأول حين كان الليل سيدًا على كل شيء. الندّاهة ليست كائنًا يخرج من الظلام، بل ظلّ خوفٍ يخرج من الإنسان ذاته. هي صورة لِما يمكن للصوت أن يفعله حين يخاطب وحدتنا، ولِما يمكن للخيال أن يصنعه حين يواجه المجهول بلا ضوء.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية