أسطورة “أمّ الخَضر والليف” حين تتجسّد ذاكرة النخلة في هيئة الخوف – بقلم صادق علي القطري

إلى كل من ظنّ أن الأسطورة محضُ خرافةٍ تُروى للأطفال قبل النوم،
اعلم أن في بعض الحكايات نبضَ أرضٍ خافت، وصوتَ ذاكرةٍ تخشى النسيان.

من قلب الواحة خرجت الحكاية:
في الليالي القطيفيه القديمة، حين كانت النخيل تُظلل القرى وتغمرها رائحةُ الطين والماء، كانت الجدّات يجلسن عند عتبات البيوت الطينية، يُسردن القصص في ضوء القمر، ويتهامسن عن كائنٍ غامضٍ يخرج من بين الجذوع والظلال: “أمّ الخضر والليف”. لم تكن هذه التسمية وليدة الخيال وحدها، بل نابعة من روح البيئة نفسها؛ فالخَضر  والليف هما مادتا النخلة وعصب حياة أهل الواحة، وذاكرة يومهم وليلهم. مع مرور الزمن، تحوّل ما هو مألوف وحيّ إلى ما هو غامض ومخيف، حتى صار للليف والظلّ كيانٌ آخر يطوف في الذاكرة الشعبية كطيفٍ مؤنثٍ بين الحضور والغياب.

هيئة الكائن الذي لا يُرى كاملًا:
تصف الروايات القديمة “أمّ الخضر والليف” بأنها امرأة من نخيل, جسدها مؤلَّف من الخضر اليابس والليف المتدلّي، كأنها خُلقت من بقايا الأرض بعد أن نُزعت عنها الحياة. وجهها لا يُرى بوضوح، كأنّ الظلال تتواطأ على إخفائه. حين تمشي، تُصدر خشخشةً تشبه احتكاك الرياح بجريد النخل، وحين تتنفس، تشتمّ رائحة الماء الآسن والعيون المهجورة. يُقال إنها تظهر عند منتصف الليل في البساتين التي خلت من أصحابها، أو عند العيون التي فقدت ماءها، كأنها تعود لتبكي ما انقطع من حبلٍ بين الإنسان والنخلة، بين الواحة والنبع.

بين الخرافة والتحذير:
كان الناس في القطيف، كما في القرى المجاورة، يروون الحكاية لأبنائهم لا لتغذية الخوف، بل لإيقاظ الحذر. كانت أمّ الخضر والليف رمزًا تربويًا مقنّعًا: تحذيرٌ من الذهاب إلى العيون ليلاً، من الضياع في المزارع، من التهوّر في الطرق المعتمة. حيث وراء هذا القناع التربوي، كانت تختبئ أسئلةٌ عن علاقة الإنسان بأرضه: ماذا يحدث حين يهجرها؟ حين يُهمل نخيلها ويفقد ماءها؟ حيث تولد من رحم الإهمال أرواحٌ غاضبةٌ تستعيد حقّ الطبيعة في الخوف؟

البعد الرمزي عن النخلة حين تغضب:
تبدو “أمّ الخضر والليف” في المخيلة الشعبية تجسيدًا أنثويًا لروح النخلة نفسها. والنخلة في الثقافة القطيفيه أمٌّ كبرى، تُطعم وتظلّل وتُدفئ وحين يُهملها الناس، تتحول إلى أنثى غاضبةٍ منسية، تنهض من رمادها في هيئةٍ مظلمةٍ لتذكّرهم بأنها كانت أصل الحياة. هي ليست شبحًا بقدر ما هي ضمير الأرض حين يعلو صوته في هيئةٍ خرافية. تمامًا كما تتحول المياه الراكدة إلى مرآةٍ للماضي، تتحول الأسطورة إلى مرآةٍ للوجدان الجمعي، تُظهر ما لا يُقال صراحةً: “أن الأرض إن تُركت وحدها، تصنع لنفسها أشباحًا تحرسها”.

حضورها في الذاكرة الشفوية:
لا يكاد يخلو بيتٌ قطيفيّ قديم من ذكرٍ لـ”أمّ الخضر والليف”. بعضهم يروي أنه رآها عند إحدى العيون، وبعضهم يحلف أنه سمع صوتها في ليلٍ قائظٍ تمرّ فيه الريح بين السعف اليابس. لم تكن الرؤية هنا مادية، بل رؤية وجدانية، لقاء بين الوعي الجمعي والبيئة التي شكّلته. في تلك القصص، تختلط الواقعية بالرمزية، ويصير الخوف طقسًا من طقوس الحنين، فمن خلال هذه الحكايات، ظلّت الأجيال تتذكّر أن النخيل ليست جمادًا، بل كائنٌ حيٌّ ذو ذاكرةٍ وحسٍّ ووجع.

قراءة ثقافية للأسطورة:
من منظورٍ أنثروبولوجي، يمكن القول إن “أمّ الخضر والليف” تمثل تجسيدًا نسويًا للطبيعة الأمّ، وهي الطبيعة التي تعطي وتحمي، لكنها إن أُهملت، تنتقم على طريقتها. إنها الوجه الليلي للخصب، والظلّ الغامض لروح الواحة. فيها يلتقي الرعب بالجمال، كما يلتقي الموت بالحياة في دورةٍ لا تنتهي. من هذا التداخل العميق بين البيئة والأسطورة، وُلدت الشخصية الشعبية التي لا تزال تُذكر في الذاكرة القطيفيه حتى اليوم، لا باعتبارها خرافةً منسية، بل رمزًا لوفاء الأرض وإصرارها على أن تُرى وتُسمَع.

وفي الختام حين يتكلّم الخوف لغة الحنين:
ليست “أمّ الخضر والليف” كائنًا خارقًا، بل صوت الأرض حين تهجرها القلوب. هي وجدان المكان وقد لبس ثوب الخرافة كي لا يُنسى. حين نسير في بساتين القطيف القديمة، ونسمع حفيف السعف في ليلٍ رطب، قد نظنّ أننا نسمع الريح، لكنّ القدماء كانوا يؤمنون أن ما نسمعه ليس الريح، بل أنين “أمّ الخضر والليف”، تُذكّرنا، بصوتٍ من نخيلٍ مبلّلٍ بالذاكرة، وأن لا خلاص لنا من خوفنا إلا بالعودة إلى جذورنا.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *