هل نحتاج الى استشاري لإدارة الحياة؟ – د. عبدالجليل عبدالله الخليفه

هذه المقالة تهدف الى استثارة الوعي لدى الفرد والمجتمع بأهمية الاستشارة لإدارة الحياة، فكم من كارثةٍ ماليةٍ وأسريةٍ واجتماعية كان بالإمكان تفاديها، لو تمت استشارة أهل الخبرة والحكمة.

وكم من نجاحٍ كان بالإمكان تطويره والاستفادة منه على نطاقٍ أوسع بفضل خبرة الاستشاريين. إنّ تجنب الفشل وتحفيز النجاح يحقق مستوى أفضل من سعادة الفرد والمجتمع.

فلماذا يحجم الأفراد والمجتمع عن هذه الفوائد العظيمة؟ 

مصدر الصورة: verywellmind – (Tim Robberts / Getty Images)

أمثلة:

  • أحد المبدعين يسأل عن أفضل تخصصٍ يؤهله لمواصلة ابداعه وتألقه في المستقبل، فما هو؟
  • أحد خريجي الجامعة، لديه خيارٌ أن يكمل دراساته العليا او أن يلتحق بالوظيفة، فما هو الأفضل؟
  • أحد الموظفين طلب منه مديره أن يعمل في منطقةٍ نائيةٍ، فما الحل؟
  • أرهقت الديون أحد الأفراد نتيجة مشاريع فاشلة استهلكت كلّ مدخراته، فما الحل؟
  • طلبت زوجةٌ الانفصال عن زوجها بعد أن رزقت منه ثلاثة أطفال، فما الحل؟
  • أحد الشباب تأخّر في الزواج، وما زال يبحث عن زوجةٍ مناسبةٍ منذ عشر سنوات، فما الحل؟
  • تعثّر أحد الطلاب في دراسته الجامعية نتيجة اهماله، فتم طرده من الجامعة، فما الحل؟
  • يرغب شخصٌ ان يشتري منزلًا، وقد لا يملك القيمة الكاملة، فهل توجد حلول مبتكرة للاقتراض؟
  • يرغب أحد الأفراد أن يبدأ عملً حرًا في مجال كذا، فمن يستشير في دراسة الجدوى الاقتصادية؟

أحيانًا يكون الوالدان وبعض الأقارب أفضل من يقدّم الاستشارة المناسبة فهما الأقرب والأكثر إخلاصًا والأعرف بالظروف الخاصة، لكنهم قد لا يمتلكون الخبرة في المجال المعين، وقد لا يكون الجو الأسري والعائلي منفتحًا في نقاشاتٍ شفافةٍ تسمح بمثل هذه الاستشارات. لذا قد تحتاج هذه الحالات وغيرها الى استشاري عاش تجارب متنوعة ولديه الإخلاص والشغف لتوجيه الآخرين في حياتهم الخاصة.

ماهي أهمية الاستشارات لإدارة الحياة؟

هناك قوانين عامة تضبط حركة الكون والحياة، لا تتخلف ولا تتبدل، منها:

  • فطر الخالق البشر على حب السعادة،
  • لا تتحقق الأمور إلا بأسبابها، فلا بد من العلم والعمل والكدح حتى تتحقق السعادة،
  • هناك تغيرٌ مستمرٌ يشمل البشر والبيئة والظروف الاقتصادية،
  • التدافع والتنافس من طبيعة البشر،
  • هناك طريقٌ أفضل من غيره لتحقيق السعادة يستطيع الإنسان أن يختاره،
  • لدى الإنسان حرية الاختيار وعليه كامل المسؤولية نتيجة اختياره،
  • الإنسان مجهز بوسائل التكيف لملاءمة الظروف المتغيرة،
  • العقول البشرية تتكامل حين تستشير بعضها.

هذه القوانين الكونية تستدعي أن يكون الإنسان في وعي دائمٍ بالظروف المحيطة التي تتغير باستمرار حتى يختار أيسر السبل لتحقيق سعادته (الصراط المستقيم)، ومن هذه التغيرات:

  • ينتقل الإنسان عبر مراحل متعددة من الطفولة الى المراهقة والبلوغ ومن الدراسة الى العمل، فيحتاج في هذه المراحل الى استشاراتٍ مهمةٍ عن كيفية التعامل مع الوالدين او الأصدقاء او اختيار التخصص الدراسي المناسب او الوظيفة المناسبة،
  • تنتقل المجتمعات عبر مراحل تاريخية من طور التأسيس والنمو السريع الى أطوارٍ أخرى، وتبعًا لذلك تتغير الحياة التعليمية والاقتصادية والاجتماعية فتنعكس على الخيارات المتاحة. فحينما تتوفر خياراتٌ عديدةٌ في الدراسة والعمل مثلًا، يستطيع الفرد أن يدير حياته بيسرٍ وسهولة، فمجالات الدراسة والعمل كثيرةٌ ومتوفرة ولا تكون الحاجة ماسةً للاستشارات، لأنّ أغلب الخيارات يمكن أن تلبي حاجات الحياة بنسبٍ متفاوتة. لكن حينما تنتقل المجتمعات الى أطوارٍ أخرى، قد يصبح التنافس الشديد والضغط النفسي سمةً عامةً ونتيجة لذلك تصبح الحاجة ماسةً لاستشارة أهل الرأي والخبرة لتدبير شؤون الحياة والتعامل مع ظروف العمل والدراسة والشؤون العائلية والاجتماعية،
  • علاقة الزوجة العاطفية والحياتية مع زوجها قد تختلف من طورٍ الى آخر نتيجة تغير الظروف كعمل المرأة وغيره، وقد تتطور لتصبح سببًا لخلافات أسرية تعصف بالحياة الزوجية. هذه الحالات تحتاج الى استشاري حياة خبير في الشؤون العائلية،
  • تحدث أحيانًا بعض التقلبات والدورات الاقتصادية التي تعصف بالأسواق وقد تسبب بعض الخسائر المالية وما يصاحبها من تقلباتٍ نفسيةٍ وآثارٍ عائلية، ففي هذه الظروف، يحتاج الأفراد الى استشاري حياة يقدم لهم أفضل التوجيهات التي تخفف عنهم أعباء الخسائر وتفتح لهم آفاقًا جديدةً تتناسب مع الظروف المتغيرة.
    مصدر الصورة: mercermedicine.com/mental-health

من هو الاستشاري المناسب لإدارة الحياة؟

من الضروري أن يكون هذا الاستشاري ابن المجتمع الذي تربّى فيه وآمن بأفكاره وقيمه حتى يفكّر بنفس عقلية ودوافع الأفراد الذين يحتاجون الى استشارته.

لذا لن يستطيع من عاش في بيئةٍ غربيةٍ تؤمن بالبراغماتية والمصلحة المادية البحتة أن يقدّم استشارات حياتية الى بيئةٍ تؤمن بالدوافع الروحية والايمانية جنبًا الى جنب مع الدوافع المادية.

ولن يتمكن الغربي الذي عاش في أسرةٍ غربية لها علاقاتٌ زوجيةٌ وروابط قد تفتقر الى العلاقات المتينة والثابتة بين الزوجين، أن يقدّم استشارات أسرية ناجحة الى مجتمعاتنا التي تحتكم الى العقود الشرعية والروابط الايمانية.

كذلك، من أفدح الأخطاء أن يستشير الفرد اشخاصًا عديمي الخبرة والحنكة والحكمة، لأنَ النتيجة قد تكون كارثيةً. أبسط مثالً على ذلك أن تشتكي البنت المتزوجة مشاكلها الأسرية الى صديقتها الغير متزوجة، أو أن يستشير أحد الموظفين زميله المحبط في العمل عن كيفية التعامل مع مديره، او أن يستشير رئيس الشركة مدير الشؤون البشرية عن مشاكله المالية والبنكية، بدلًا من أن يستشير رئيس الشؤون المالية.

هذه الاستشارات الغير مناسبة قد تسبب كوارث مالية وأسرية واجتماعية لا تحمد عقباها. بينما توفر الاستشارات المناسبة والمفيدة الكثير من الجهود وتفتح للفرد آفاقا واسعةً من الدعم النفسي والأمل العظيم والخبرة الواسعة التي تجنبه الكثير من المشاكل والصراعات الجانبية التي قد تحطم مستقبله.

إنّ نجاح الاستشاري في حياته السابقة دليلٌ على قدرته وكفاءته في إدارة الحياة مما قد يمكنه من تقديم استشارات في تخصصه المعين كالشؤون الأسرية او المالية او الوظيفية او الاجتماعية.  هكذا يتبين مما سبق أن الاستشاري الناجح لإدارة الحياة يمتلك:

  • فهمًا عميقًا لأفكار الفرد المتقدم للاستشارة وحالته النفسية وهدفه في الحياة، حتى تتناسب الاستشارات المقدمة له مع مبادئه وقيمه التي يؤمن بها،
  • انصاتًا وصبرًا جميلًا حتى يسمع بكلّ اهتمام ويفهم حالة الفرد المعينة بكلّ تفاصيلها وتقييم الإمكانات المتاحة قبل أن يدلو برأيه،
  • حكمةً في معالجة الأمور تعكس خبرته وتجاربه السابقة،
  • اخلاصًا وشغفًا لتوجيه الآخرين وفتح آفاقٍ واسعةٍ من الأمل والدعم النفسي والمعنوي،
  • سريةً تامةً فلا يكشف أسرار الفرد الى الآخرين،
  • متابعةً للنتائج، فقد يتم توجيه نصائح مختلفة حسب تغير الظروف.

كيف تتم الإستشارات؟

  • المستشار المناسب: بعض الاستشاريين، لديهم رؤيةٌ ثاقبةٌ وبصيرةٌ رائعةٌ وتوفيقٌ وتسديدٌ من الله لإرشاد الآخرين نتيجة إخلاصهم وخبرتهم وحكمتهم، فعلى الفرد أن يتوخّى الدقة في اختيار الاستشاري المناسب الذي يحفظ أسرار الآخرين ويستر عليهم،
  • الزمان والمكان المناسب: ليس من الضروري اجراء الاستشارة بصورة رسمية، بل كلّما كانت الاستشارة طبيعية وبعيدةً عن الحرج والتكاليف كانت أكثر توفيقًا شريطة أن تتوفر الشروط المناسبة من الانصات والتركيز والوقت الكافي لسماع التفاصيل والسرية التامة خاصة في الأمور العائلية والشخصية التي ينبغي سترها،
  • الوعي الكافي بأهمية الاستشارة: يوجد في المجتمع ثروةٌ هائلةٌ من الخبرات والحكمة والاستعداد لخدمة الآخرين، لكن مع الأسف، لا يوجد الوعي الكافي للاستفادة منها لعدة أسباب منها مثلًا:
    • يظن البعض خطأً أنّ طلب الاستشارة يعكس ضعفه وحاجته للآخرين، والحقيقة أن طلب الاستشارة يدل على حصافة وفطنة المستشير لذا نجد أغلب رؤساء الشركات يطلبون استشارة دائمة من مكاتب وخبراء متخصصين. فمن المتيقن أنّ من يصيبه الغرور فيتكبر ولا يستشير الآخرين لا يمكن الوثوق برأيه والركون اليه،
    • يستهين البعض من الخبراء بحكمتهم التي تراكمت عبر السنين، لذا لا يرون قيمةً وفائدةً لتقديم الاستشارات في تخصصاتهم،
    • يستعجل المستشير مع الأسف ويقفز الى صناعة القرار، ربما بسبب انشغال صاحب الخبرة وتأجيله المستمر لجلسة الاستشارة المطلوبة،
مصدر الصورة: موقع مسار الإجادة

أخيرًا، ليس الهدف من هذه المقالة توهينًا بالاستشاريين الرسميين أصحاب المكاتب الخاصة، ولا دعايةً لهم لتقديم استشاراتٍ مدفوعة الثمن، فالقرار يرجع للاستشاري ولطالب الاستشارة حسب الظروف المعينة. المهم، أن يرتقي وعي الأفراد والمجتمع بأهمية هذه الاستشارات لدفع الأضرار والكوارث وجلب المنافع والمصالح، وأن يستفيد الأفراد من خبرة الوالدين والأقربين في نقاشٍ عائلي شفافٍ ومتميزٍ لتحقيق أكبر قدرٍ ممكنٍ من سعادة الأفراد والمجتمع، والحمد لله ربّ العالمين.

 

 

3 تعليقات

  1. احسنت دكتورنا ابا محمد على هذة المقالة الرائعة كما عهدناك و الافكار النيرة التي تدعم شبابنا لتفادي مطبات الحياة و تنير لهم سبل الخير والفلاح. سلمت اناملك و افكارك و دمت بخير. تحياتي

  2. رضا أحمد المازني

    أحسنت رحم الله والديك بارك الله فيك على هذه المقاله وهي حقيقه مشروع توعوي للمجتمع اسأل الله ان يجعل هذ العمل صدقه جاريه لك وإذ بالإمكان فتح مركز لك يادكتور لنشر ثقافة هذ العمل ليرتقي المجتمع بفكرك النير سلمت وسلمت نفسا تحمل الخير نفسك الطيبه

    • عبدالجليل الخليفه

      الشكر لكما اعزائي صادق و رضا، يوجد الان استشاريين اسرة و لهم دور فاعل في توثيق العلاقات الأسرية و ترميم ما ضعف منها. لكن كما تفضلتم، هناك حاجة ماسة لدعم هذا النوع من الاستشارات ليشمل جوانب الحياة المتنوعة. لكما مني كل شكر و تقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *