قراءة في كتاب: [صالون.. ثلاثية الثقافة والحب والصداقة] للكاتبة عقيلة أل حريز – بقلم عبد الرسول الغريافي

رواية الصالون نموذج مسرحي للحياة الواقعية
للروائية والكاتبة “عقيلة آل حريز”

بطريقة عبقرية لبقة استطاعت (أغادير طالب) أن تُسخِّر الصالون لأن يكون خشبة مسرحية لسرد أحداث روايتها ليقف عليها جميع أبطالها ليؤدي كل منهم دوره على أتم مايرام..
كما وقد انخرطت الكاتبة أغادير طالب وهي الروائية الشابة لتدس شخصيتها بين بقية الشخصيات من ممثلي هذه المسرحية لتحتل من هذه الرواية أيضا زاوية اوتوبايغرافية جلية لتُعَرِّف نفسها من خلال ادوارها في هذه الرواية ولتقوم بسرد جزء من سيرتها الذاتية في تلك الآونة -تماما كما كان شكسبير يفعل في مسرحياته التي ألفها- حيث كان يختار له دورا بطوليا استرتيجيا في كل مسرحية يقوم بتأليفها وذلك عندما يتم تطبيق تمثيلها على خشبة المسرح.

لقد شكل هذا الصالون ساحة معارف موسوعية بطريقة غير مباشرة حيث تم تعريف العديد من ذوي الشأن من أهل الأدب والمعرفة والكتابة والفلاسفة حيث استغلت فيه الكاتبة استعراض مقاطع مشهورة من كتاباتهم لتستشهد بها تارة ولتوضح الموقف تارة أخرى أمثال بعض العبارات للعقاد ومي زياده ومريد البرغوثي والشاعر إليوت وجاغان جيل وغيرهم.

وبهذا نلاحظ أنها قد زينت روايتها بعباراتهم العالمية منها والمحلية والمفعمات بالحكم والنظريات الفلسفية الهادفة والتي على ضوئها سيمر مسار الجزء القادم من الرواية ومن ناحية أخرى نجدها أنها قد قامت بتنشيط ذاكرة القارئ لاسترجاع معلومة سابقة قد مرت عليه من قبل وكادت أن تندثر في طي النسيان أو أنها معلومة جديدة لقارئ آخر وقد أضيفت إلى رصيد معلوماته.

ونلاحظ أن الكاتبة أغادير (هكذا سمت نفسها الأستاذة عقيلة) قد اختارت مسرح أحداث روايتها هذه لأن تدور على أرض الصالون الذي شغل جزء من بدايات حياة الكاتبة العملية وهو أحب بيئة تناسب ميولها الثقافية لتبرز من خلال تلك الأحداث أهم مافي العلاقات الإنسانية من معارف وصداقات وزمالة ومودات ومحبة تدور بين الناس وكذلك ماينتج من مداومة الإحتكاك بين الزملاء والأصدقاء والأحبة، فتراها تارة تخترع مصطلحات أومسميات جديد للتعبير عن ذلك (كالحباقة) للتعبير عن العلاقات المدمجة بين الحب والصداقة وقد تكون هناك مشاعر تدعو القارئ للقيام بتصنيف نوعيتها وتارة -أيضا- تأخذك من خلالها الى رحلة نحو العالم الثقاقي العميق: أدب وفن وفلسفة وعلوم في ظل الخلق الحميدة والعلاقات الإنسانية الحميمة وفن التعامل مع الآخرين،،،

فها هي -مثلا- تقول في بعض نصوصها (ص٢١٤):
“حين يهديك احدهم كتابه يبدو كمن يمنحك فرصة لقراءته قراءة حميمية، قد تشعرك بإلفة ما مع الكاتب، نوع من التصافي والصداقة والصحبة، نوع من السفر المثمر، قد تجد روحك في حديثه، في تفاصيله، في مواضيعه، وقد لايعجبك مايقوله، قد ينفرك ويزعجك ويجعلك بعيدا جدا عن إطاره الذي رسمه فيه، لكنك مع هذا تمتن لأولئك الذين قرروا أن يمنحوك عصارتهم، قرروا أن تشاركهم تفاصيلهم، صغيرة كانت أو كبيرة، فتحتفي بها معهم، بخلاصة الحلم وحقيقة الفكرة ولحظة الدهشة وشجاعة الكتابة التي صنعوها فيه.”

لأول وهلة حين يبدأ القارئ المسير في دهاليز هذه الرواية قد لاتبدو له أنها ستشده للأخير لولا أن الأسلوب الفني الإستدراجي العجيب الذي اتبعته الكاتبة عقيلة آل حريز والذي يشدك من حيث لاتشعر في الإستمرار لسبر أغوار أسرار هذه الرواية و(فصفصة) أحداثها وتحليلها ثم الإنسجام تماما دون شعورك لهذا،،،

فهي رغم أن موقع أحداثها هو مكان واحد وهو خشبة هذا الصالون مايجعلها تبدو وكأنها مسرحية ذات الفصل الواحد (one act play) وذلك في عالم المسرح لا الرواية إلا أنها في حقيقة أمرها هي رواية ذات أحداث متعددة (round events novel)، فأحداثها متشعبة وشخصياتها عديدة ومتنوعة تبرز في أدوار مختلفة اظهرت من خلالها الكاتبة جانبا من واقع الحياة الإجتماعية الخاصة بيوميات المؤلفين والكتَّاب وأصحاب دور النشر وظروفهم وعلاقاتهم الشخصية ببعضهم بحيث يخرج القارئ بفكرة عامة حول عالم التأليف والطباعة وإعداد الكتاب وكيفية نشره وما تدور في كواليسه من اعدادات:

  • توضيح دور الكاتبة ودور كل زميل وزميلة في ادارة الصالون وكذلك تحديد أنواع العلاقات بينهم.
  • تحليل جميع المواقف الإيجابية منها والسلبية التي تدور بين الزملاء من محبة أو خلافها.
  • عوداً إلى تعدد شخصيات الرواية وتنوع أدوارها الذي استطاعت الكاتبة أن توضحه وبشكل دقيق وكذلك دور كل شخصية بحيث تضفي احداثا متنوعة ومتتالية ومساعدة على التنقل من حدث إلى حدث جديد تجعل فيه القارئ في حالة تأهب مستمر لتلقي تلك الأحداث بكل شغف.
  • استعراضات خاصة وتحليلات لبعض المؤلفات والاهتمام بمعارض الكتاب.
  • استعراضات لتعريفات انسانية خاصة ومشاعر نبيلة وما يقابلها من مشاعر سلبية.
  • ومن قرب الرواية للواقعية هو رصد المد والجزر في العلاقات الانسانية بدءا من الزملاء على مسرح الصالون فنتيجة الاختلاط تم بناءات رائعة من العلاقات الإنسانية وفي المقابل علاقات عكسية لها ما دفع الكاتبة إلى اتخاذ قرارا قد تم فيه إنهاء سير التواصل في هذا الصالون.

لقد كان انسحابها تماما كما كانت دائما تنصح وتقول في كثير من المناسبات بما مؤداه: “فليكن الانسحاب غير موجع وبإحسان”.

عقيلة آل حريز – كاتبة وروائية وأخصائية علاقات أسرية وإرشاد زواجي ، لها العديد من المؤلفات والمقالات…

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *