الأقمار الصناعية الخشبية [فكرة مستقبلية لمعالجة التلوث الفضائي] – حسن الخاطر*

تشكّل النفايات الفضائية تلوثاً فضائياً، وخطراً جسيماً على كوكب الأرض، وهناك قلق عالمي من تزايد وتيرة الحطام الفضائي العائم في الفضاء؛ بسبب تزايد الأقمار الصناعية التي تدور حول كوكب الأرض. الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث سلسلة من المشاكل المستقبلية. وهذا يعني أننا بحاجة إلى تطوير تقنيات جديدة للتقليل من الحطام الفضائي. إحدى هذه التقنيات الواعدة هي تطوير أقمار صناعية مصنوعة من الخشب.

الخردة الفضائية – المصدر: رقم 2 من قائمة المصادر أدناه.

الأقمار الصناعية

في عام 1957م، أطلقت روسيا سبوتنيك وهو أول قمر صناعي يدور حول الأرض، وتدريجياً أخذت الأقمار الصناعية تملأ الفضاء، وقد بلغت حتى الآن نحو ستة آلاف قمر صناعي، منها حوالي 60% أقمار صناعية بائدة تمثل خردة فضائية([i]). تستخدم الأقمار الصناعية في وظائف متعددة منها: الاتصالات السلكية واللاسلكية، وتوقعات الطقس، وتتبع الأعاصير، ورصد حرائق الغابات، ومراقبة الأرض، والتجسس، والبحث العلمي، واستكشاف الفضاء، وأنظمة الملاحة مثل نظام التموضع العالمي (GPS).

والأقمار الصناعية تكون غير مأهولة بالبشر، باستثناء محطة الفضاء الدولية (ISS)، فهي أكبر قمر صناعي في مدار الأرض المنخفض (LEO)، على ارتفاع 400كم من سطح الأرض، وقد تم تجهيزها بشكل كامل لتكون مناسبة إلى حياة رواد الفضاء.

كيفية عملها

يتم إطلاق الأقمار الصناعية بواسطة صواريخ إلى مدارات حول الأرض، وتقع المدارات على ارتفاعات مختلفة من سطح الأرض. ويعتمد اختيار المدار على نوع المهمة التي من أجلها تم تصميم القمر الصناعي. ومن أشهر أنواع هذه المدارات، المدار الجغرافي الثابت للأرض (GEO)، الذي يتزامن في دورانه مع الأرض، بمعنى أن الأقمار الصناعية في هذا المدار تظل ثابتة بالنسبة إلى الأرض، مثل أقمار الاتصالات، ويقع هذا المدار على ارتفاع 36 ألف كم تقريباً.

وتحكم الأقمار الصناعية قوانين فيزيائية محددة بحيث تحافظ على توازنها ولا تغادر المدار المخصص لها. يدور القمر الصناعي حول الأرض بسرعات كبيرة تصل إلى ثمانية كيلومترات في الثانية، أثناء وجوده في المدار الأرضي المنخفض، فعندما تكون الأقمار الصناعية قريبة من الأرض تزداد قوة الجاذبية ويتحرك القمر الصناعي بسرعة أكبر.  على سبيل المثال، يتطلب القمر الصناعي أكوا (Aqua) التابع لناسا 99 دقيقة للدوران حول الأرض على ارتفاع 705كم، بينما يستغرق القمر الصناعي في المدار الجغرافي الثابت للأرض (GEO)، على بعد حوالي 36 ألف كم، 24 ساعة تقريباً لإكمال مداره([ii]).

المصدر: رقم 3 من قائمة المصادر أدناه.

حماية القمر الصناعي

بيئة الفضاء قاسية جداً، ويواجه القمر الصناعي ظروفاً جوية متطرفة وتقلبات كبيرة في درجات الحرارة، سواء من حيث الحرارة أو البرودة؛ لذلك يتم اختيار مواد مناسبة قادرة على تحمل هذه الظروف، وحماية الأجزاء الداخلية التي يحتويها القمر الصناعي. ومن أشهر المواد الشائعة في عزل الأقمار الصناعية من الظروف الخارجية، هي سبائك الألومنيوم. ويتميز الألومنيوم بخفة وزنه وتوفره بشكل كبير وفعاليته وغير مكلف اقتصادياً.

والألومنيوم بمفرده ليس قوياً بما فيه الكفاية لكن عند دمجه مع معادن أخرى لتشكيل سبائك الألومنيوم يصبح قوياً بدرجة كبيرة. وتكون سبائك الألومنيوم قوية جداً وخفيفة الوزن بما يكفي لتكون في الهياكل الفضائية والأقمار الصناعية. وتستخدم سبائك الألومنيوم على نوافذ محطة الفضاء الدولية من أجل حماية النوافذ من الصدمات([iii]).

وإضافة إلى الألومنيوم، يستخدم المصممون معادن أخرى مثل الذهب والفضة والنحاس لتعزيز الحماية الداخلية بشكل أكبر، إضافة إلى استخدامها في التطبيقات الإلكترونية مثل لوحات الدوائر. والعزل الخارجي يكون غالباً متعدد الطبقات، حيث يعمل على عكس الحرارة والإشعاعات الكونية والضوء المرئي، ويشكل درع حماية من الغبار والحطام الفضائي، الذي يتمثل بشكل أساس في الأقمار الصناعية القديمة والبائدة، التي تدور حول الأرض، حيث بإمكان هذه الشظايا تمزيق الأقمار الصناعية الحديثة إذا لم تكن قوية بما فيه الكفاية([iv]).

المصدر: رقم 10 من قائمة المصادر أدناه.

التلوث الفضائي بالألومنيوم

الأقمار الصناعية لا تدوم إلى الأبد مهما كانت وظيفتها، ولها عمر افتراضي، فبعد أن تنتهي مهمة القمر الصناعي يواجه غالباً أحد الخيارين التاليين: يتم تركه في المدار إضافة إلى آلاف القطع من النفايات الفضائية حول الأرض، وهذا يشكّل خطراً على الأقمار الصناعية التي ما زالت تعمل والصواريخ التي يتم إطلاقها من الأرض. أما الخيار الثاني هو اخراج القمر الصناعي من مداره عن طريق إبطاء سرعته، ويسقط في الغلاف الجوي ويحترق نتيجة احتكاكه بالهواء.

لكن ليست هذه النهاية، فالألومنيوم يشكل نسبة كبيرة من الأقمار الصناعية، وهو المكون الرئيس إلى الأقمار الصناعية، فعندما يدخل إلى الغلاف الجوي يتفكك ويشكل آلاف الجسيمات الدقيقة من أكسيد الألومنيوم في الغلاف الجوي ([v]). وسوف تبقى هذه الجزيئات الصغيرة في الغلاف الجوي لسنوات عديدة، مما يؤثر سلباً على بيئة الأرض. ويعتقد الباحثون أن تراكم هذه الجسيمات يستنفذ ويدمّر طبقة الأوزون المحيطة بكوكبنا، والتي تعكس الأشعة فوق البنفسجية بعيداً عن الأرض. وهذا يتطلب البحث عن مادة بديلة محل الألومنيوم تكون نظيفة وصديقة للبيئة دون إطلاق جزيئات ضارة في الغلاف الجوي([vi]).

الخشب مادة المستقبل

هناك تحديات فضائية كثيرة، نظراً للبيئة الفضائية القاسية، وهذا يتطلب أن تكون المادة البديلة قوية وقادرة على تحمل درجة الحرارة، إضافة إلى كونها خفيفة الوزن؛ ذلك أن الزيادة في الكتلة ولو بمقدار قليل يؤدي إلى زيادة التكلفة المالية بشكل كبير جداً، من أجل الإرسال إلى الفضاء.

يشكّل الخشب مادة واعدة في المستقبل، فالخشب مادة متجددة ومتوفرة ورخيصة الثمن، وكثافتها قليلة، فهي أقل من كثافة الألومنيوم بنسبة كبيرة. كما أن التقنيات الحالية بإمكانها تحويل الخشب الليّن إلى مادة أقوى وأكثر صلابة من الفولاذ بأكثر من عشرة أضعاف([vii]).

المصدر: رقم 12 من قائمة المصادر أدناه.

جهود يابانية واعدة

ظهرت الأقمار الصناعية الخشبية في الخيال العلمي، ففي النَص غير المستخدم للكاتب النيوزلندي فنسنت وارد (Vincent Ward) لفلم الخيال العلمي (Alien3)، الذي صدر في عام 1992م، فإن أحداثه التخيلية تدور في قمر صناعي اسمه (Arceon) كان مصنوعاً من الخشب([viii]). أما حالياً، فيعمل باحثون من جامعة كيوتو بالتعاون مع الشركة اليابانية الرائدة في مجال الغابات وقطع الأشجار ومعالجتها سوميتومو فورستري (Sumimoto Forestry) على تطوير قمر صناعي مصنوع من الخشب، يحترق تماماً في نهاية حياته، لتقليل كمية النفايات الفضائية.

ومن المقرر إطلاق القمر الصناعي (LignoSat) في العام الجاري 2023م. وسوف يكون له غلافاً مصنوعاً من الخشب، مما يسمح له بالاحتراق تماماً أثناء دخوله إلى الغلاف الجوي للأرض. وما زال الفريق يبحث في كيفية معالجة الخشب لتحمل التغيرات في درجات الحرارة والاشعاعات، ومقاومته إلى بيئة الفضاء المعادية.

وعلى عكس غلاف الألومنيوم فإن النسخة الخشبية لن تحجب الموجات الإلكترونية أو المجال المغناطيسي للأرض، مما يعني أنه يمكن تخزين أي هوائيات أو أجهزة أخرى داخل (LignoSat) بدلا من خارجها؛ ذلك أن الموجات الكهرومغناطيسية تمر بسهولة أكبر عبر الخشب([ix]). وبالإضافة إلى الهيكل الخارجي فهناك مشكلة أخرى، وهي كيف سيتم التعامل مع المعدات التقنية الموجودة في القمر الصناعي الخشبي بمجرد أن يحترق الجزء الخارجي منه؟ وهذه المشكلة لم يتم تقديم معلومات حولها من قبل الفريق([x]).

وسيشمل التعاون بحثاً أوسع حول تطبيقات الخشب كمورد متجدد في الفضاء، على سبيل المثال: إنشاء هياكل خشبية صالحة للسكن. ووفقاً لفريق العمل فإن هذه الرؤية سوف تنعكس إيجاباً على كوكب الأرض، من خلال إنشاء مبانٍ خشبية فائقة القوة ومقاومة للطقس على الأرض. وعلى مدى السنوات الأخيرة، تم استخدام الخشب كمادة مستدامة في البناء، حيث إنها تملك بصمة كربونية أقل من الخرسانة والفولاذ، وتلتقط بالفعل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي أثناء نموه([xi]).

وهكذا سوف يولد جيل جديد من الأقمار الصناعية بتصميمات جديدة مصنوعة من الخشب، وسوف يتوسع استخدام الهياكل الخشبية في المركبات الفضائية المستقبلية، ولن يقتصر الأمر على الفضاء فحسب، سيمتد تأثيره على كوكب الأرض من خلال بناء كبائن قوية من الخشب تستخدم إلى الحماية، وربما نقود في المستقبل السيارات الخشبية، ونحلّق بالطائرات الخشبية! ([xii]).

*الأستاذ حسن الخاطر كاتب في الشؤون العلمية.

المصادر:

[i] https://www.weforum.org/agenda/2020/10/visualizing-easrth-satellites-sapce-spacex/

[ii] https://earthobservatory.nasa.gov/features/OrbitsCatalog

[iii] https://www.azom.com/article.aspx?ArticleID=12034

[iv] https://matmatch.com/blog/how-aluminium-and-gold-are-used-in-aerospace-industry/

[v] https://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-9095635/Space-Japan-launch-WOODEN-satellite-2023-burn-completely-entry.html

[vi] https://www.dezeen.com/2021/01/05/wooden-satellite-lignosat-kyoto-university-sumitomo-forestry/

[vii] https://www.nature.com/articles/nature25476

[viii] https://belgianboolean.artstation.com/projects/XBJmAy

[ix] https://www.dezeen.com/2021/01/05/wooden-satellite-lignosat-kyoto-university-sumitomo-forestry/

[x] https://www.dezeen.com/2021/01/05/wooden-satellite-lignosat-kyoto-university-sumitomo-forestry/

[xi] https://www.dezeen.com/2021/01/05/wooden-satellite-lignosat-kyoto-university-sumitomo-forestry/

[xii] https://hypeandhyper.com/en/japanese-satellite-made-of-wood/

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *