أد أيه الدنيا صُغَيَّره – بقلم عبد الرسول الغريافي

أد أيه الدنيا صُغَيَّره..
هذه العبارة اللي قالتها الأستاذه نيها حته!!

قالتها في ملتقى سيوة الدولي للفنون. سيوة هي واحة جميلة يربط بينها وبين واحة محافظة القطيف بشرقية السعودية تشابهات كثيرة وقريبة جدا في الطبيعة حتى في عيون السيح وتدويراتها واحجامها وعمقها بل ونفس الأساطير التي تحاك حولها وكذلك طريقة بناء (الحظران/سياج بساتين النخيل) ونفس سدود القطيف (المصارف) والمعروفة في مصر بالترع وأشياء اخرى كثيرة لسنا في صدد الحديث عنها الآن.


كنا سبعة أشخاص من السعودية ستة منا من القطيف وآخر من المدينة المنورة. وكان الملتقى يسوده جو الحميمية الأخوية والمودة العميقة المتبادلة والاحترام الذي اتسم به الجميع، كما وقد اتخذ اللقاء صبغة عالية من روح التعاون الأخوي بين أفراده وتخللت ساعات اللقاء الكثير من الحكايات والدعابات والطرف الجميلة والقصص والمزيد من تبادل الخبرات والتعرف والتعارف وخصوصا أثناء السفر أو التنقلات في الحافلة عند زيارات المعالم أو التنزهات أو أثناء ورش العمل او الإحتفالات.
كانت الأسئلة هي مفاتيح التعرف والتعارف على مكنونات المهارات والملكات التي يمتلكها مجتمع الملتقى والتي قربتهم لبعضهم بصورة اكثر.

من بين تلك الأحداث لفت نظري شكل إحدى الزميلات عندما وقع نظري عليها لأول مرة أصبت بالذهول وكأني رأيتها من قبل وكأني أعرفها منذ زمن يرجعني إلى أيام الدراسة، وفجأة وبسرعة خاطفة كالبرق رجعت بي ذاكرتي إلى أيام الثانوية لأتصفح وجوه اساتذتي الكرام واحدا تلو الآخر إلى أن وصلت إلى مدرس التربية الرياضية فهتفت في داخلي فلان! إنها فلان.

إبنة الأستاذ عصام حته رحمه الله…

لم اتوقف عن البحث في شأنها حيث دفعني حب الفضول لأن أتحقق من مدى صحة حدسي إن كنت محقا في رؤيتي لهذا الشبه الكبير بينهما أم لا !؟
فسألتها من أي البلاد من مصر انتِ؟ فأجابت انها من الصعيد! فقلت في نفسي هل هذه أول خيوط خيبة الأمل؟ فحسب ماكنت أظن أنه من الأسكندرية ولكن تذكرت أيضا ان له جذور من الصعيد.
في إحدى جلسات ورش العمل لعبت الصدفة دورها لأن تجلس في الجهة المقابلة لي فدارت الأحاديث بيننا جميعا فسألت فجأة: (انتو من فين من السعودية؟) أجبنا اننا من الشرقية.
فأردفت قائلة: “الله؟ دنا مولوده في الشرقية في احد مستشفيات الخبر وأبويا كان يدرس في القطيف!”
فما كان مني إلا أن هتفت قائلا: أبوك الأستاذ عصام حته مدرس التربية الرياضية..

الأستاذ عصام مع تلاميذ مدرسة القطيف الثانوية

فسكتت مذهولة فاغرة فاها مشدوهة بلا حراك ولا كلام. وبعد برهة عادت إلى الكلام لتسألني: “أنت ازاي عرفت أن بابا هو هو عصام حته” فأجبتها باللهجة القطيفية: “انتينه عصام حته امقعد قدامي” يعني “انتي عصام حته بدمه ولحمه وذاته”..
كاد أن يغمى عليها من شدة الصدمة بين فرحة وذهول.
بعد برهة من الصمت تلاها نفس عميق وتابعت في الكلام وانهالت علي بأسئلتها: من إمتى الكلام ده وكم كان عمرك وازاي عرفتني اني بنته؟ وازاي مانسيته بعد العمر ده كله؟ شي غريب!

أجبتها أن الأستاذ عصام حته عزيز عند جميع طلابه فهو شخصية محبوبة لأنه دمث الأخلاق وذو روح مرحة وابتسامة طارفة بالإضافة الى أنه دربني على الكثير من المهارات في الألعاب السويدية وألعاب الجمباز فكيف ينسى شخص مثله بهذه السهولة؟
أما السؤال الذي حيرني كيف ألقيه فهو سؤال يطرح نفسه بشكل تلقائي وهو السؤال عنه شخصيا فلا اعرف إن كان لايزال على قيد الحياة أم لا؟ وبأي طريقة اسألها إياه؟ ولكن ساعدت الظروف عندما سألتني كم سنة مضت على هذا الأمر فسألتها كم عمره الآن؟ فأجابت أنه توفي في الخمسينات من عمره.. رحمه الله،
فتنهدت بعمق وأردفت قائلة “أد ايه الدنيا صُغَيَّره؟”.

الباحث في التراث الأستاذ عبد الرسول الغريافي

2 تعليقات

  1. لقد جذبتتي هذه المقالة بروعتها ، مفاجئة لاتخطر على الخيال.

  2. ميرزا العلوان

    مقال جميل وكانه لوحة من ذكريات الماضي ومفاجئات الحاضر
    ما شاء الله عليك استاذ رجعتنا الى ذكريات الماضي
    فعلا استاذ عصام كان مدرس الرياضه في مدرسة القطيف المتوسطة في السبعينات وكانت له ذكريات حلوه وجميله في تشجيعه على اقامة المباريات الرياضية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *