من الاساطير الشعبية القطيفية “الخبابا” حين كان الخوف يسكن حواري القطيف القديمة – بقلم صادق علي القطري

في القطيف القديمة، حين كانت البيوت الطينية تتعانق على جانبي الحواري، وتلقي النخيل بظلالها على الدروب، كانت للحياة إيقاعاتها التي لا تُنسى. مع مغيب الشمس، حين تخفت أصوات اللعب ويحل المساء، كانت الأمهات ينادين عيالهنّ للرجوع، فيما تجلس الجدّات عند عتبات البيوت، يستعدن حكاياتٍ تناقلتها الأجيال. ومن بين الأسماء التي بقي لها صدى في الذاكرة الشعبية اسم الخَبَابا، الذي تستحضره العبارة القطيفية القديمة “انخش لا تجيك الخبابا”.

كانت الحواري في ذلك الزمن فضاءً مفتوحًا للعب، يجتمع فيه عيال الفريج من غير موعد، ويتنقلون بين البيوت والأزقة حتى يحين وقت الرجوع. لكن مع حلول الظلام، كانت الأماكن المألوفة تتبدل في عيون الصغار؛ فالزاوية المعتمة تصبح موضع ريبة، والبيت المهجور يوقظ الخيال، ويغدو الطريق الذي اعتادوا عبوره نهارًا أكثر رهبةً في الليل. في هذا العالم تشكلت حكايات التخويف، وكانت الخبابا إحدى الشخصيات التي ارتبطت بها في الذاكرة الشعبية.

“انخش لا تجيك الخبابا”؛ عبارة قصيرة تختزن مشهدًا من طفولة القطيف. قد يكون الطفل منهمكًا في اللعب، غير مكترث بنداء أمه المتكرر، فتأتيه الكلمات بنبرة تجمع الحزم والحرص “انخش”، أي اختبئ أو توارَ، “لا تجيك الخبابا!” عندها يتراجع عن مغامرته، ويسرع إلى البيت، حيث الضوء والطمأنينة وصوت الأهل.

ولا نملك، فيما هو متاح من الروايات الموثقة، تفاصيل كافية تحسم هيئة الخبابا أو أصلها أو طبيعة الكائن الذي تشير إليه. وربما اختلف تصورها بين البيوت والقرى، كما يحدث في كثير من الحكايات الشفهية التي تتبدل تفاصيلها من راوٍ إلى آخر. غير أن بقاء الاسم في العبارة يكشف عن حضوره في لغة التخويف والتوجيه التي عرفها المجتمع القديم.

ولم تكن تلك التحذيرات منفصلةً عن ظروف الحياة اليومية؛ فالآبار المكشوفة، والبيوت المتهدمة، والأزقة التي تفتقر إلى الإنارة، كانت أخطارًا حقيقية تستدعي الحذر. وفي زمن لم تكن فيه وسائل التوعية الحديثة متاحة، لجأ الأهل إلى الحكاية والرمز لتقريب الخطر إلى أذهان الأطفال. وهكذا أدت شخصيات التخويف وظيفةً تربوية، إذ جعلت النصيحة أكثر تأثيرًا في مخيلة الصغير من مجرد أمرٍ مباشر.

لكن العبارة، اليوم، تتجاوز وظيفتها القديمة. فهي تستعيد لنا ملامح مجتمعٍ كانت فيه اللهجة المحلية جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، وكانت الأمثال والعبارات المتوارثة تنتقل من جيلٍ إلى جيل من غير حاجة إلى تدوين. وفي كلماتها نسمع نبرة الأم القطيفية وهي تنادي ولدها، ونرى عيال الفريج وهم يتفرقون عند المساء، ونستحضر البيوت المتقاربة التي كانت أصوات أهلها تتداخل عبر الأبواب والنوافذ.

ومع اختفاء كثير من البيوت الطينية واتساع المدن وانتشار الإنارة، تراجعت البيئة التي منحت هذه الحكايات حضورها اليومي. وبقيت بعض عباراتها شاهدةً على زمنٍ كانت فيه الذاكرة الشفهية تحفظ تفاصيل الحياة، من طرائف الأطفال إلى مخاوفهم، ومن نصائح الأمهات إلى حكايات الجدّات.

إن “انخش لا تجيك الخبابا” ليست مجرد عبارة للتخويف، بل أثرٌ من آثار الطفولة القطيفية، يحمل في طياته شيئًا من لغة الأجداد وملامح المكان. ومن واجبنا أن نسأل كبار السن عن معناها وتفاصيلها، وأن نوثق رواياتهم كما تناقلوها، حفاظًا على أصالتها من الإضافات غير الموثقة.

وهكذا تبقى الخبابا اسمًا يطل من ذاكرة الحواري القديمة، كلما ترددت العبارة على لسان أحد أبناء القطيف، فتعود معها صورة الأم عند عتبة البيت، وصوتها وهي تستدعي طفلها قبل أن يشتد الليل؛ مشهدٌ بسيط، لكنه يحمل دفء زمنٍ لا يزال حاضرًا في وجدان المكان.

المهندس صادق علي القطري

2 تعليقات

  1. أحمد السويكت ابو مصطفى

    شكرا لكم أخي العزيز ابا حسام على هذا المقال الرائع وعلى جهودكم المميزه في توثيق تراث القطيف وحفظ ذاكرتها التاريخية للاجيال القادمه

    • أخي العزيز أبا مصطفى، شكرًا من القلب على كلماتك الطيبة ومشاعرك النبيلة، وهذا من كريم ذوقك وطيب أصلك. إن توثيق تراث القطيف وحفظ ذاكرتها التاريخية والشعبية مسؤولية نعتز بها، ووفاءٌ لهذه الأرض الطيبة وللأجيال القادمة، حتى تبقى حكايات الآباء والأجداد حيّةً في وجدان أبنائنا. ولا شك أن تشجيعكم وكلماتكم الداعمة تمنحنا دافعًا لمواصلة هذا المشوار. دمت أخًا عزيزًا، ودامت القطيف بتاريخها وتراثها وأهلها الطيبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *