المنطقة الدماغية المسؤولة عن الفجوة بين الاعتقاد بالمبادىء الأخلاقية وبين التصرف خلافها – ترجمة عدنان آحمد الحاجي

The brain region associated with moral inconsistency
(مجلة تقارير الخلية – Journal :Cell reports)

لماذا لا يلتزم البعض بما يدْعُون إليه غيرَهم (“لما يقولون ما لا يفعلون”)؟

كشف باحثون أن منطقة في الدماغ تُسمى القشرة أمام جبهية البطنية الإنسية (vmPFC) لها دور في ذلك. نشر الباحثون دراستهم في 19 مارس، 2026 في مجلة “Cell reports” حيث استخدموا التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للتعرف على أنماط نشاط الدماغ المرتبط بالسلوك الأخلاقي والاعتقاد الأخلاقي (الحكم على سلوك بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي بناءََ على المبدأ الأخلاقي في هذه المنطقة.

ووجدوا أن الفجوة بين ما يعتقده الناس من مبادىء أخلاقية وما يمارسونه من الناحية السلوكية قد تكون له علاقة بنشاط الدماغ في هذه المنطقة بالتحديد، ووجدوا أن الذين تصرفوا بشكل غير نزيه (مارسوه بأنفسهم) رغم إدانتهم له باعتباره سلوكََا غير أخلاقي ارتكبه غيرهم، كان نشاط هذه المنطقة لديهم أضعف، وعندما حفز الباحثون هذه القشرة لدى المشاركين، أصبحوا أكثر تناقضًا من الناحية الأخلاقية بين ما يعتقدون وما يفعلون.

بعبارة أخرى، بعد تحفيز الدماغ صناعيََا، ازدادت الفجوة بين ما يعتقدون بعدم أخلاقيته وبين ما يمارسونه على أرض الواقع). فمثلََا، قبل التحفيز الصناعي لتلك المنطقة الدماغية، “يعتبر هؤلاء عدم أخلاقية الكذب” ، لكنهم يكذبون أحيانًا، لكن بعد التحفيز، ما يزالون يعتقدون بعدم أخلاقية الكذب، لكنهم أصبحوا يكذبون أكثر.

يقول المؤلف المشارك شياوتشو تشانغ (Xiaochu Zhang) من جامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية وجامعة قويتشو (Guizhou) للتربية: الاتساق الأخلاقي (تصديق الاعتقاد بالفعل أو التوافق بين المبادئ الأخلاقية الداخلية للفرد وأفعاله الخارجية) هي عملية بيولوجية نشطة. كون المرء “شخصًا أخلاقيًا (أي تصدق أفعاله معتقداته أو التطابق بين ما يعتقده المرء أنه أخلاقي وبين سلوكه الفعلي في الحياة اليومية)” يتطلب من الدماغ جهداً واعياً لتطبيق المباديء الأخلاقية في السلوك اليومي، وهي عملية قد تفشل حتى لدى الذين يتقنون المبادئ الأخلاقية تمامًا. هذا يعني، حتى لو كان الشخص يعرف بوضوح ما الصواب وما الخطأ من الناحية الأخلاقية، فقد يعجز دماغه عن ترجمة هذه المعرفة إلى فعل. بعبارة أخرى، معرفة مبدأ أخلاقي (مثل “لا تكذب” أو “لا تغش”) لا يعني امكانية تطبيقها فعلََا، لأن العملية الدماغية التي تربط المعتقد بالسلوك قد تفشل، مما يدفع المرء إلى التصرف بما يخالف معتقداته وقيمه رغم معرفته واعتقاده التامة بها.

مع أن الدراسات السابقة قد توصلت بالفعل إلى تحديد مناطق الدماغ المسؤولة عما يعتقده المرء من الناحية الأخلاقية أنه صواب أو خطأ وبين ما يفعله أو يمارسه في الواقع، إلا أنهم ما زالوا لا يعرفون تماماً كيف يحدث هذا التناقض بين المعتقد والفعل (عدم الاتساق الأخلاقي) في الدماغ. وما يزال الكثير عن كيف يدعم نشاط الدماغ عدم الاتساق الأخلاقي هذا غير معروف.

يقول تشانغ: “بصفتنا باحثين في علم الأعصاب، أردنا أن نفهم لماذا لا يتصرف الناس أحيانًا وفقًا لما يعتقدون أنه صواب من الناحية الأخلاقية”.

ولتحديد مناطق الدماغ المرتبطة بعدم الاتساق الأخلاقي، استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أثناء أداء المشاركين مهمةً كان عليهم فيها الاختيار بين الصدق أو تحقيق مكاسب شخصية عن طريق الكذب. وبمراقبة نشاط الدماغ أثناء هذه القرارات، سعى الباحثون إلى تحديد مناطق الدماغ التي تتفاعل عندما يتصرف الناس بما يتعارض مع معتقداتهم الأخلاقية. كان بإمكان المشاركين كسب المزيد من المال عن طريق الكذب، ولكن طُلب منهم أيضًا تقييم سلوكهم على مقياس من 10 نقاط، يمتد من “غير أخلاقي جدّا” إلى “أخلاقي جدََا”. كما راقب الفريق نشاط دماغ المشاركين أثناء تقييمهم لمدى أخلاقية آخرين يقومون بنفس التصرف.

لدى الذين يتسمون بالاتساق الأخلاقي – أي الذين يقيمون أنفسهم ويقيمون الآخرين وفقًا للمعايير الأخلاقية نفسها – كان نشاط منطقة القشرة أمام جبهية البطنية الإنسية (vmPFC) في كل منهما متماثلًا خلال كلٍ من المهام السلوكية (التي قاموا بها أنفسهم) والتقييمية (التي قيّموا فيها سلوك الآخرين). أما لدى المشاركين غير المتسقين أخلاقيًا – أولئك الذين قيّموا ممارسة الآخرين للغش بأنها مارسة غير أخلاقية، بينما كانوا متساهلين في تقييمهم ممارستهم الغش – فقد كان نشاط منطقة القشرة أمام جبهية البطنية الإنسية أضعف خلال نفس المهمة السلوكية، وكان مدى اتصاليتها بمناطق الدماغ الأخرى المنخرطة في اتخاذ القرارات والأخلاق أضعف.

ولدراسة ما إذا كان نشاط منطقة القشرة أمام جبهية البطنية الإنسية هي السبب الحقيقي وراء عدم الاتساق الأخلاقي، قام الباحثون بتحفيز منطقة (vmPFC) لدى بعض المشاركين باستخدام طريقة غير باضعة تُسمى التحفيز الزمني عبر الجمجمة (tTIS)(1) لتغيير نشاط قشرة منطقة القشرة أمام جبهية البطنية الإنسية قبل أداء المشاركين للمهام السلوكية والتقيمية، مما سمح لهم بمعرفة ما إذا كان تغيير هذا النشاط الدماغي سيؤثر في مدى اتساق سلوك الأفراد وفقاً لمعتقداتهم الأخلاقية. أثبتت الدراسة أن تحفيز منطقة (vmPFC) أدى إلى مستويات عالية من عدم الاتساق الأخلاقي مقارنة بالمشاركين الذين تلقوا تحفيزًا وهميًا (وهو التحفيز الزائف، وهو عبارة عن نسخة وهمية من تحفيز الدماغ، حيث خضع المشاركون إلى نفس الإجراءات، لكن بدون أي تحفيز حقيقي، حتى يعتقدوا أنهم يتعرضون إلى نفس التحفيز).

أثبتت الدراسة أن تحفيز منطقة القشرة أمام جبهية البطنية الإنسية أدى إلى مستويات عالية من عدم الاتساق الأخلاقي مقارنةً بالمشاركين الذين تلقوا تحفيزًا وهميًا.

ويفيد الباحثون إلى أن هذه النتائج توحي بأن غير المتسقين أخلاقيََا غير قادرين على استخدام منطقة القشرة أمام جبهية البطنية الإنسية لربط ما يعتقدونه من مباديء أخلاقية بما يمارسونه فعلاً. بالرغم من اعتقادهم بالقواعد الأخلاقية، إلا أن هذه المنطقة الدماغية لا تكون نشطة أو متفاعلة بشكل كامل عند اتخاذ قراراتهم الأخلاقية في الحياة الواقعية، لذا لا يتوافق سلوكهم مع معتقداتهم الأخلاقية. ولذلك، لا يربط الدماغ الاعتقادات الأخلاقية بالسلوك ويحدث ما يعرف بعدم الاتساق الأخلاقي. ويقول تشانغ: “إن الذين يُظهرون عدم اتساق أخلاقي ليسوا بالضرورة غافلين عن مبادئهم الأخلاقية، بل ببساطة تعجز أدمغتهم (وتحديدًا منطقة vmPFC) عن استخدام هذا الاعتقاد أو تطبيقه بشكل صحيح سلوكيََا”.

يقول المؤلف الرئيس للدراسة، هونغوين سونغ، من جامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين: “تشير نتائجنا إلى أنه ينبغي لنا التعامل مع الاتساق الأخلاقي (أي التصرف وفقًا للمعتقدات الأخلاقية) بصفتها مهارة، لا مجرد كونها صفة فطرية، بل هي مهارة قابلة للتطوير والتحسين. باتخاذ قرارات واعية ومدروسة، والتدرب على مطابقة الأفعال وفقََا للمعتقدات، يستطيع الناس تعزيز هذه القدرة. وتكتسب هذه النتائج أهمية بالغة ليس فقط في مجال التعليم والتربية، حيث يمكن تنمية التفكير الأخلاقي (واتخاذ القرار بشأن التصرف بناءً على تلك المعتقدات الأخلاقية)، بل أيضًا في تصميم أنظمة ذكاء اصطناعية تحتاج إلى اتخاذ قرارات تتوافق مع المبادئ الأخلاقية. ولهذه النتائج تبعات بالغة الأهمية على التعليم والذكاء الاصطناعي”.

الهوامش:
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/تحفيز_مغناطيسي_للدماغ

المصدر الرئيس:
https://www.eurekalert.org/news-releases/1119804

الأستاذ عدنان احمد الحاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *