حوض الخليج العربي خلال العصر الجليدي الأخير “دراسة في الجيولوجيا القديمة والتغيرات البيئية” – بقلم صادق علي القطري

يُعد حوض الخليج العربي أحد أبرز المناطق في العالم التي شهدت تغيرات جذرية في جغرافيتها خلال العصر الجليدي الأخير، وتحديدًا خلال ذروته المعروفة باسم “الحد الأقصى الجليدي الأخير” (Last Glacial Maximum – LGM)، الذي حدث قبل حوالي 18,000 إلى 24,000 سنة مضت. خلال هذه الفترة، انخفض مستوى سطح البحر العالمي بشكل كبير بسبب تراكم الجليد على القارات، مما أدى إلى كشف مساحات واسعة من الأرض في الخليج، تحولت إلى وادٍ نهري خصب بدلاً من البحر الضحل الحالي. هذا المقال يستعرض التغيرات الجيولوجية، البيئية، والتأثيرات البشرية لهذه الفترة، مستندًا إلى دراسات علمية حديثة.


This was Mesopotamia 15000 years ago; where Persian Gulf did not exist yet. Around 15000-20000 years ago, Ice Age was still present, Europe was covered with snow and Arabian Peninsula was one

الخلفية الجيولوجية:

خلال (LGM)، انخفض مستوى سطح البحر بنحو 120-130 مترًا عن المستوى الحالي، بسبب التراكم الجليدي في نصف الكرة الشمالي. حوض الخليج العربي، الذي يبلغ متوسط عمقه حاليًا حوالي 35 مترًا فقط (مع أقصى عمق يصل إلى 100 متر في بعض المناطق)، كان معظم أجزائه أرضًا جافة تمامًا. وفقًا لدراسات إعادة بناء الشواطئ، كان الخليج خاليًا من التأثير البحري حتى حافة رف البيابان (Biaban Shelf) شرقًا. كانت الأنهار الرئيسية مثل دجلة والفرات وكارون تتدفق معًا في نظام نهري واحد، يصب مباشرة في مضيق هرمز نحو خليج عمان والمحيط الهندي، مما شكل سهلًا فيضيًا واسعًا يشبه دلتا الأنهار الحالية لكن على نطاق أكبر.

البيانات الباثيمترية (قياس أعماق البحار) تشير إلى وجود حوضين قديمين في الخليج، حيث كان الحوض المركزي يغطي مساحة تصل إلى 20,000 كم²، مشابهة لحجم بحيرة ملاوي في أفريقيا. هذه التغيرات لم تكن مجرد انخفاض في المياه، بل نتيجة لتفاعلات جيو-هيدروستاتيكية (glacio-hydro-isostatic effects)، حيث تأثرت المنطقة بتفريغ الجليد البعيد وتحميل المياه الذائبة في المحيطات المجاورة.

التغيرات البيئية والمناخية خلال العصر الجليدي الأخير:

كانت المنطقة أكثر رطوبة نسبيًا مقارنة بالصحراء الحالية، بفضل الأنهار والينابيع والمياه الجوفية. شكل هذا “واحة الخليج” (Persian Gulf Oasis)، التي كانت ملاذًا بيئيًا للحيوانات والنباتات خلال فترات الجفاف الشديد في المناطق المحيطة. الدراسات الجيوكيميائية في جنوب هرمزغان تشير إلى أن الخليج كان مكشوفًا تمامًا خلال (LGM)، مما سمح بتطور بيئات قارية متنوعة.

من الناحية المناخية، كانت المنطقة تتمتع بدرجات حرارة أقل وهطول أمطار أعلى، مما جعلها جذابة للحياة. إعادة بناء الشواطئ القديمة تظهر أن الخليج كان أرضًا خصبة قبل 18,000 سنة مضت، مع تغطية نباتية كثيفة في بعض المناطق.


The Middle East During the Last Ice Age (from 100,000 to 25,000 Years Ago) | Rami Kamal posted on the topic | LinkedIn

التأثير على الاستيطان البشري:

جذبت هذه الواحة الهجرات البشرية المبكرة، حيث توجد أدلة أثرية على وجود مستوطنات بشرية في المنطقة منذ أكثر من 100,000-125,000 سنة مضت، واستمرت خلال العصر الجليدي المتأخر. على سبيل المثال، موقع جبل الفاية 1 في الإمارات يشير إلى نشاط بشري مستمر. كانت المنطقة توفر موارد مائية وغذائية وفيرة، مما جعلها ممرًا هامًا للهجرات البشرية من أفريقيا إلى آسيا. بعض الباحثين يربطون بين الغمر اللاحق للخليج وبعض روايات الطوفان في التراث الإنساني، مثل تلك في التوراة والقرآن، على الرغم من أن الغمر كان تدريجيًا على مدى آلاف السنين.

التغيرات بعد انتهاء العصر الجليدي:

مع ذوبان الجليد العالمي بدءًا من حوالي 18,000 سنة مضت، بدأ ارتفاع مستوى البحر تدريجيًا. بحلول 14,000 سنة مضت، فتح مضيق هرمز كممر ضيق للمياه، وبحلول 12,500 سنة مضت، بدأ الغمر البحري في الحوض المركزي. غُمر الحوض الغربي لاحقًا، حوالي 11,000-10,000 سنة مضت، ووصل مستوى البحر إلى شكله الحالي تقريبًا قبل 6,000-8,000 سنة مضت، مع تجاوز طفيف (1-2 متر فوق المستوى الحالي) في فترات الهولوسين الوسطى، مما أغرق أجزاء من جنوب العراق.

دراسات الهولوسين تشير إلى تقلبات في مستوى البحر، مع مراحل ارتفاع وانخفاض مصاحبة لتغيرات مناخية من رطب إلى جاف. هذه التغيرات كانت متزامنة مع تقلبات في المحيط الهندي والدوران الجوي في شمال الأطلسي.

الاستنتاج:

يُظهر حوض الخليج العربي خلال العصر الجليدي الأخير كيف يمكن للتغيرات المناخية العالمية أن تعيد تشكيل المناظر الطبيعية المحلية بشكل جذري. من أرض خصبة إلى بحر ضحل، كان الخليج شاهدًا على تطورات جيولوجية وبشرية هامة. الدراسات المستقبلية، خاصة في الجيوكيمياء والآثار، قد تكشف المزيد عن هذه الفترة. على الرغم من النشاط التكتوني الإقليمي، يبدو أن التغيرات الرئيسية كانت مدفوعة بالعوامل اليوستاتيكية (eustatic) العالمية.

المهندس صادق علي القطري

المصادر:
• Lambeck, K. (1996). Shoreline reconstructions for the Persian Gulf since the last glacial maximum. Earth and Planetary Science Letters.
• Shahbazi, R., et al. (2025). Paleo-shoreline changes in the northwestern Persian Gulf during the Holocene. Quaternary International

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *