في القرى القديمة، حيث كانت البيوت الطينية تستظلّ بسقوفٍ من جريد النخل، وحيث كان النهار ينقسم بين ضجيج الصباح وصمت القيلولة، ولدت أسطورةٌ لا تشبه غيرها. أسطورةٌ لا تنتظر حلول الليل كي تظهر، ولا تتغذّى على العتمة مثل السعلوة أو أمّ الديفان، بل تخرج من قلب النهار؛ من اللحظة التي يسكن فيها كل شيء، وتخلو الأزقة من الخطى، وتتراجع الأصوات أمام زحف الشمس. هناك، في تلك الوهلة التي يلتقي فيها التعب الإنساني مع الجمود الكوني، تتجسّد حمارةُ القايلة.
وجهٌ من وهج النار
تصوّرها المخيلة الشعبية القطيفية على هيئة امرأةٍ ذات جسد مشطور بين البشرية والحيوانية؛ رأسها الآدميّ يخفي ملامح ممسوخة، وساقاها يشبهان ساقَي حمار، تخطو بهما فوق الحصى المحترق دون أن تترك أثرًا. ليست كائنًا مخيفًا لأنها تضرب أو تقتل، بل لأنها تظهر في وقتٍ لا يتوقّع فيه أحد ظهورها وهو وقت القيلولة.
ذلك الزمن الذي يتكئ فيه الرجال في ظلال بيوتهم، وتستسلم النساء لراحةٍ قصيرة، فيما يتسلّل الأطفال إلى الخارج بحثًا عن مغامرة صغيرة. عندها، يقال إنّ صوت خطواتٍ خفيفة يتردّد في الأزقة، يسبقه ظلٌّ يتطاول على الجدران الطينية، كأن حرارة الشمس تمدّه بأجنحة من وهج.
طقوس الظهيرة وميلاد الخوف
في الفولكلور القطيفي والخليجي عمومًا، ارتبطت القيلولة بفترةٍ خطرة: اشتداد الحرّ، جفاف الهواء، سكون الطبيعة، وغياب الرقابة على الأطفال. فكانت حمارة القايلة درعًا تربويًا في ثوب أسطوري. لم تُخلق لتخيف الكبار، بل لتُمسك بيد الصغار وتعيدهم إلى البيت قبل أن تفتك بهم الشمس أو تؤذيهم الحشرات أو يجذبهم اللعب نحو الأماكن البعيدة. وكانت الأمهات يقلن للصغار “ادخلوا للبيت… لا تطلعون وقت القايلة، ترا حمارة القايلة تاخذكم”. هكذا، صارت الأسطورة جزءًا من برنامج الحماية في مجتمعات لم تعرف بعدُ شوارع معبّدة ولا بيوتًا محكمة الإقفال.
امرأة ليست امرأة.. وحمار ليس حمارًا
من يمعن النظر في الأسطورة يدرك أنها ليست مجرد كائن هجين، بل رمزٌ مزدوج، امرأة ممسوخة تمثل عنصرًا بشريًا خرج عن طبيعته، كأنه فقد ظله أو هويته تحت شمس الظهيرة. وساقا الحمار تجسدان صلابةً غير بشرية، وقدرة على السير في الحرّ الذي يعجز عنه الإنسان. بهذا الدمج، منحت الذاكرة الشعبية الكائن قوةً يستطيع بها عبور “الساعة المحرّمة” التي تفقد فيها الطبيعة توازنها، ويتحوّل فيها الضوء إلى نوعٍ من الجنون الصامت.
شمسٌ ذات وجهٍ أسطوري
إذا كانت أساطير الليل ولدت من الخوف من المجهول، فإن حمارة القايلة ولدت من الخوف من المعلوم؛ من الشمس التي يعرفها الجميع، لكنهم يتهيبون جبروتها. فالأسطورة تُجسّد غضب الظهيرة، ذلك الغضب الذي يلمسه الإنسان في:
• الحجارة حين تلتهب
• النخيل حين يذبل ظله
• الجدران حين تذوب رطوبتها
• الهواء حين يصير كالسكاكين الساخنة
في ذلك الوقت، يصير النهار نفسه كائنًا متوحشًا، وتصبح حمارة القايلة وجهًا لهذا التوحش.
بين الحقيقة والتهويل
لم تكن المجتمعات القديمة ساذجة لتأخذ الأسطورة بحرفيتها، لكنها كانت تعرف أن الصورة الرمزية أقوى من النصيحة المباشرة.
فإذا قلت لطفلٍ: “لا تخرج، الحر خطير”، قد لا يقتنع. أما إذا قلت له: “حمارة القايلة برا تدور على اللي يلعبون في الشمس”، فسيدخل البيت سريعًا. إنها تجسد حكمةٌ مغلّفة بالخوف، وخوفٌ مغلّف بالخيال.
استمرار الأسطورة في الوجدان
مع التحولات العمرانية وتغيّر نمط الحياة، خفت صوت الأسطورة في الأزقة، لكنّ ظلّها بقي حيًّا في الذاكرة. فهي لا تزال حاضرة في الأحاديث، في القصص الشعبية، وفي دفاتر التراث التي تُعيد للقرى صورها القديمة وللظهيرة رهبتها. حمارة القايلة ليست كائنًا يُخشى منه، بل مرآةٌ تُذكّر الإنسان بحدود قوته، وبأن للطبيعة لحظاتٍ لا تقبل فيها العبث.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية
أسطورة من أساطير ذاك الزمان البسيط والجميل في مقالة من قلمك الجميل بعث فيها الحياة وجعلها تخرج من الذاكرة تتراء بخيالت من زمن الطفولة… أحسنتم المقالة عزيزي أبى حسام 👍🌹💞
أبو مازن العزيز،
شهادتك وسام أعتزّ به، وكلماتك أعادت للنص روحه الأولى قبل أن يُكتب. ذاك الزمن البسيط والجميل لا يبعثه قلمٌ وحده، بل ذاكرة قلوبٍ ما زالت تحفظ دفئه. شكراً لقراءتك النبيلة، ولحضورك الذي يمنح الحروف معنى أعمق. كل التقدير والامتنان