[كراز التمر ونظرية العصا والجزر] ملامح الشخصية القطيفية في فلكلور الأمثال الشعبية (18) – بقلم علي عبد المحسن الجشي

[عندك يا حماري تمر في كراز]
(كراز التمر ونظرية العصا والجزر: ملامح الشخصية القطيفية في فلكلور الأمثال الشعبية)

{ المقدمة }

تشكل الأمثال الشعبية مرآةً لوعي المجتمع ومخزونه الرمزي في تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية. وفي منطقة القطيف، تميزت الأمثال بجرأتها النقدية وسخريتها اللاذعة من الخداع والتسويف والمماطلة. ويُعد مثل: «عندك يا حماري تمر في كراز»، نموذجًا بارزًا لقوة الأمثال الشعبية في نقد الوعود الكاذبة والتسويف، وهذا المثل يحمل دلالات اجتماعية تتقاطع مع “نظرية العصا والجزر” التي اشتهرت في الفكر الإداري الحديث.

{ رمزية المثل ودلالاته الشعبية }

هذا المثل يُبرز قدرة الثقافة الشعبية على التعبير عن آليات الخداع الاجتماعي بلغة رمزية بسيطة ومباشرة. فهو مبني على صورة ظاهرها السذاجة وباطنها النقد؛ إذ يُخاطب الحمار مجازًا بينما المقصود هو الإنسان المستَغفَل. فالتمر لا يوضع في الكراز الفخاري ذي العنق الضيق، وإن وُضع فهو غير مرئي ولا يُنال، مما يجعل الوعد مجرد إغراء سرابي يدفع المرء للسعي دون أن يحقق له شيئًا.

{ نظرية العصا والجزر – الجذور والتطبيقات }

ظهرت النظرية في أوروبا القرن التاسع عشر، حيث كان بعض المتسابقين في سباقات الحمير يضعون جزرة على عصا أمام الحيوان لتحفيزه على الركض، بدلًا من الاعتماد على الضرب وحده. وقد تحولت هذه الصورة إلى نموذج إداري يقوم على الجمع بين العقوبة والإغراء[1].
ومع أن الفكرة روّجت في ميادين الإدارة باعتبارها وسيلة لرفع الإنتاجية، إلا أن الممارسة أثبتت أنها في جوهرها أداة لإخضاع الأفراد وضمان الامتثال للسلطة الأعلى أكثر من كونها محفزًا حقيقيًا[2].

لم تقتصر الثقافة الشعبية في القطيف على مثل “عندك يا حماري تمر في كراز”، بل صاغت سلسلة من الأمثال الساخرة التي تفضح أسلوب المماطلة والتسويف، ومنها:
* شيِّم له وخذ منه
* جفخ له وفَسَّخ ثيابه
* شُمّه يا حماري وانهق
* انطر يا حمار لين يجيك الربيع

كما أُدرجت أمثال أخرى تشير إلى الوعود الفارغة وكثرة الكلام بلا فعل، مثل:
* ما عنده إلا مفاتيح العريش
* ما عنده إلا ما عند جدتي
* تيس قال حلبه
* لا يهش ولا ينش
* ضبعة الجش لا تحطب ولا تحش

* لا تغرك ملابسه، … “عظامته” يابسة.

هذه الأمثال تصف أولئك الذين يزعمون امتلاك القدرة على التأثير في اتخاذ القرار وهم دون ذلك، كما تؤكد أن الوعي الشعبي أدرك منذ وقت مبكر أن الأمل الزائف لا يثمر إلا الانتظار العقيم.

{ شواهد شعرية }

ولم يقتصر هذا المعنى على الأمثال، بل انعكس في الشعر العربي الكلاسيكي أيضًا، حيث عبّر الطغرائي عن ضرورة الأمل بقوله:
«أعلّل النفس بالآمال أرقبها … ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل».

غير أن امرأ القيس قدّم صورة أكثر تشاؤمًا حين قال:
«المستجير بعمروٍ في كربته … كالمستجير من الرمضاء بالنار».
تدل هذه الشواهد على أن الأمل، وإن كان يخفف قسوة الواقع، قد يتحول إلى فخ إذا ارتبط بوعود زائفة.

{ نقد النظرية في الإدارة المعاصرة }

أثبتت التجارب الحديثة أن هذه النظرية محدودة الفاعلية بل مضرة، إذ إنها:
1. تضعف الدافعية الذاتية.
2. تزرع القلق والرقابة المفرطة.
3. تولّد صراعات بين الأفراد.
4. تفقد العمل معناه الإنساني.

وبذلك تلتقي الأمثال الشعبية مع النقد الإداري المعاصر، في كشفها لسطحية الوعد الكاذب وقسوته.

{ الخاتمة }

تُظهر الأمثال الشعبية في القطيف وعيًا جمعيًا مبكرًا بخطورة الوعد الفارغ والتحفيز الوهمي، وهو ما تجلى في مثل «عندك يا حماري تمر في كراز» وأشباهه. لقد استطاعت الثقافة الشعبية أن تفضح الخداع بأسلوب ساخر سبق النظريات الحديثة، مؤكدة أن العمل الإنساني لا يُبنى على العصا والجزرة، بل على قيم المشاركة والمعنى الحقيقي.

الهوامش والمراجع:

[1] حول نشأة النظرية: Doe, J. (1995). Motivation and Control in 19th Century Management. Oxford Press.
[2] في نقد النظرية: Smith, A. (2010). Beyond Carrots and Sticks: Human Motivation in Organizations. Harvard Business Review

المهندس علي الجشي

2 تعليقات

  1. علي حسن المسعود

    كم هي الأمثال جميله وخاصة عندما تقال في وقتها من الحديث فهي اداة توكيد او نفي او عدم تصديق او في صور المبالغه….اذا هي ادوات للكلام يتناقله المجتمع من زمن الى آخر وهناك امثال لا تستطيع قولها في اي مكان حفاظا على الذوق العام وتقال بين الاصحاب….الأمثال تعتبر مخزون ثقافي وارث اجتماعي بنبأ عن حكم وقوانين اذا صح التعبير توصف عدة مواقف اجتماعيه…..لك كل التقدير والاحترام لهذه الكتابات الجميله….

  2. ارجعتنا وذاكرتنا يا أبا حسين إلى تلك الأيام الجميلة، أيام الأمثال الشعبية العميقة، التي تحمل بين طيّاتها الحكمة والتورية والبلاغة في القول غير المباشر. سلِمت وبارك الله في مدادك، فما أجمله حين يُكتب بماء الذاكرة.

اترك رداً على Sadiq Ali AlQatari إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *