من الامثال الشعبية القطيفية “إحميدوه ما نحبه، بس نقضي به الحوايج” – بقلم صادق علي القطري

ليست الأمثال الشعبية مجرد عباراتٍ تتناقلها الألسن، ولا ألفاظًا تُقال في المواقف العابرة، وإنما هي خلاصة تجارب إنسانية طويلة، صاغها المجتمع عبر الأجيال، فاختزل بها خبراته، وسجل بها ملاحظاته على طبائع الناس وسلوكهم، حتى غدت جزءًا من الذاكرة الشعبية، ومرجعًا اجتماعيًا وأخلاقيًا يعكس ثقافة المجتمع وحكمته. ومن الأمثال التي تكشف بوضوح عن دقة الملاحظة الشعبية في فهم طبيعة العلاقات بين الناس، المثل القطيفي”إحميدوه ما نحبه، بس نقضي به الحوايج”.

والمثل، في معناه المباشر، يحمل مفارقة طريفة، فهناك شخص لا يحظى بالمحبة، ولا يكون مرغوبًا في مجالس الناس أو علاقاتهم الخاصة، وربما تكون بينه وبين الآخرين خصومة أو نفور أو اختلاف في الطباع، ومع ذلك، حين تأتي حاجة لا يستطيعون قضاءها بأنفسهم، يجدون أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إليه. فالمثل يقول، بلسان شعبي صريح اننا لا نحبه، ولكننا نحتاجه.

وهنا تكمن براعة المثل؛ فهو لا يتحدث عن الصداقة ولا عن المودة، وإنما عن الحاجة والمنفعة والاضطرار. فقد يكون الإنسان ثقيلًا على النفس، أو صعب المعشر، أو كثير الخصومة، لكن لديه مهارة أو معرفة أو قدرة أو علاقة تمكّنه من إنجاز أمر يعجز عنه الآخرون. وعندها تتراجع المشاعر جانبًا، وتظهر الحاجة في المقدمة.

وفي القطيف القديمة، حيث كانت الحياة الاجتماعية تقوم على معرفة الناس بعضهم ببعض، كان أهل الفريج يعرفون أحوال بعضهم، ويعرفون أيضًا من يصلح لكل أمر. هذا يعرف البحر ومواعيده، وذاك يعرف الزراعة والنخيل، وثالث له خبرة في إصلاح الأدوات، ورابع يعرف أصحاب الدكاكين والتجار، وآخر له معرفة بأهل السوق أو بأصحاب المراكب.

وقد يكون أحد هؤلاء غير محبوب عند بعض الناس، فلا يجلسون معه طويلًا في المجلس، ولا يأنسون كثيرًا بحديثه، ولكن إذا وقعت حاجة لا يعرفون لها طريقًا، قيل بينهم “إحميدوه ما نحبه، بس نقضي به الحوايج”. وكأن المجتمع يقول: لكل إنسان بابٌ قد يُفتح من خلاله، حتى وإن لم يكن هذا الإنسان ممن نختار صحبتهم.

وتظهر في المثل أيضًا نظرة واقعية إلى الحياة؛ فالناس لا يعيشون دائمًا وفق ما يحبون، وإنما وفق ما تفرضه الظروف. فقد تضطر إلى الاستعانة بمن لا ترتاح إليه، أو تطلب خدمة ممن لا تجمعك به مودة، لأن الحاجة أحيانًا تجعل الإنسان يتجاوز مشاعره الشخصية، ولو إلى حين.

وهذا لا يعني بالضرورة النفاق أو التملق، وإنما هو اعتراف بأن الحياة أوسع من مشاعرنا تجاه الأشخاص. فقد نختلف مع إنسان في طبعه أو رأيه، لكننا لا نستطيع إنكار قدرته أو خبرته أو فائدته في مجال معين.

وفي زماننا الحاضر، لم يفقد المثل معناه، بل ربما أصبح أكثر حضورًا في بعض صور الحياة. فقد يعمل الإنسان مع شخص لا ينسجم معه، أو يستعين بخبير لا يرتاح إلى أسلوبه، أو يلجأ إلى صاحب خبرة لا تجمعه به علاقة ودية، لكنه يعرف أن هذا الشخص قادر على إنجاز ما يحتاج إليه. وهنا تبرز حكمة المثل ان ليس كل من نحتاج إليه محبوبًا، وليس كل من نحبّه قادرًا على قضاء حوائجنا.

ولعل الأجمل في هذا المثل أنه لا يجمّل الواقع ولا يخفي تناقضاته؛ فهو يقولها كما كان أهل القطيف يقولون الأشياء قديمًا، ببساطة ووضوح، ومن غير تكلف: ما نحبه… بس نقضي به الحوايج.

وهكذا يبقى المثل القطيفي “إحميدوه ما نحبه، بس نقضي به الحوايج” شاهدًا على واقعية الذاكرة الشعبية، وعلى قدرة أهل القطيف على اختزال مواقف اجتماعية كاملة في كلمات قليلة، تحمل شيئًا من الطرافة وشيئًا من الصراحة، وكثيرًا من فهم النفس البشرية. ففي الحياة أشخاص قد لا نختارهم لصحبتنا، لكننا نعرف قيمتهم حين تدعو الحاجة؛ فالقلوب لها اختياراتها، والحوايج لها أصحابها.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *