حوض الخليج العربي في عصر الجليد الأخير “واحة خصبة في قلب الصحراء القاحلة” – بقلم صادق علي القطري

في أعماق التاريخ الجيولوجي للأرض، حين كان العالم يعاني من برد قارس وجفاف شديد، برز حوض الخليج العربي ” المعروف أيضًا بالخليج الفارسي” كواحة خضراء مزدهرة، ملاذًا آمنًا وسط قسوة العصر الجليدي الأخير. ذلك العصر، الذي بلغ ذروته فيما يُعرف بـ”الحد الأقصى الجليدي الأخير” (Last Glacial Maximum)، قبل نحو 24,000 إلى 18,000 سنة مضت، شهد انخفاضًا هائلًا في مستوى سطح البحر العالمي، بلغ نحو 120–130 مترًا، نتيجة احتجاز كميات هائلة من المياه في الصفائح الجليدية الضخمة التي غطت أجزاء واسعة من نصف الكرة الشمالي.

في تلك الحقبة، لم يكن الخليج بحرًا ضحلًا كما نعرفه اليوم، بل كان سهلًا فيضيًا شاسعًا، أرضًا قارية مكشوفة تمامًا، تمتد من دلتا دجلة والفرات شمالًا إلى مضيق هرمز جنوبًا. كانت الأنهار الثلاثة الكبرى “دجلة والفرات وكارون” تندمج في مجرى نهري واحد عظيم، يتدفق جنوبًا ليصب في خليج عمان والمحيط الهندي، مشكلًا سهلًا خصبًا يشبه دلتا الأنهار العملاقة، لكنه أوسع نطاقًا وأكثر خصوبة. يُقدر أن مساحة الحوض المكشوف آنذاك بلغت عشرات الآلاف من الكيلومترات المربعة، وكان يحتوي على أحواض داخلية عميقة نسبيًا، بعضها يشبه بحيرات كبيرة أو مستنقعات دائمة المياه.

كان المناخ في هذه “واحة الخليج” أكثر اعتدالًا ورطوبة مما هو عليه اليوم في المنطقة المحيطة. انخفاض درجات الحرارة العالمية، مع تغيرات في أنماط الدوران الجوي والرياح الموسمية، أدى إلى هطول أمطار أكثر وفرة، وتدفق ينابيع ماء جوفية غزيرة. فغطت المروج الخضراء والأعشاب الكثيفة ضفاف الأنهار، وامتدت غابات متفرقة من النخيل البري والشجيرات المتوسطة، محولة المنطقة إلى واحة بيئية نابضة بالحياة وسط صحاري الجزيرة العربية والمناطق المجاورة التي كانت تعاني من جفاف شديد.

أما الحياة الحيوانية، فقد ازدهرت بتنوع ملحوظ، قطعان الغزلان والوعول، والثيران البرية، والخنازير البرية، إلى جانب طيور مائية وأسماك وفيرة في الأنهار والمستنقعات. كانت هذه الواحة ملاذًا للكائنات الحية، تجمع بينها وبين المناطق المحيطة تباينًا بيئيًا حادًا.

لكن الأبرز في هذه الصورة هو الوجود البشري. جذب الخصب الطبيعي والمياه الوفيرة مجموعات بشرية من الإنسان العاقل الحديث، الذين كانوا يعيشون حياة الصيد والجمع، شبه مستقرة على ضفاف الأنهار. توجد أدلة أثرية, وإن كانت محدودة بسبب الغمر اللاحق, تشير إلى استمرارية بشرية في المنطقة المحيطة منذ أكثر من 100,000 سنة، واستمرت خلال العصر الجليدي المتأخر. مواقع مثل جبل الفاية في الإمارات تُظهر نشاطًا بشريًا مستمرًا، وكانت الواحة ممرًا حيويًا للهجرات البشرية من أفريقيا إلى آسيا، وملاذًا آمنًا عندما أصبحت المناطق المجاورة غير صالحة للسكن.

مع انحسار الجليد العالمي بدءًا من نحو 18,000 سنة مضت، بدأ مستوى البحر يرتفع تدريجيًا. بحلول 14,000 سنة مضت، فُتح مضيق هرمز كممر ضيق للمياه، ثم بدأ الغمر في الحوض المركزي حوالي 12,500 سنة مضت. استمر الغمر ببطء، فغُمر الحوض الغربي بين 11,000 و10,000 سنة مضت، حتى استقر الخليج في شكله الحالي تقريبًا قبل 6,000–8,000 سنة مضت، مع تجاوز طفيف في مستوى البحر خلال الهولوسين الوسطى.

هذه التغيرات الجيولوجية والبيئية العظيمة، التي أعادت تشكيل المناظر الطبيعية جذريًا، تُذكّرنا بقدرة الطبيعة على إعادة صياغة مسار الحياة البشرية. فقد تحولت أرض خصبة إلى بحر ضحل، ودُفعت المجتمعات البشرية إلى الارتحال نحو المناطق المرتفعة، ربما مساهمة في تشكل بعض الروايات الأسطورية عن الطوفان في التراث الإنساني.

إن حوض الخليج العربي خلال العصر الجليدي الأخير يبقى شاهدًا حيًا على تفاعل العوامل المناخية العالمية مع الجغرافيا المحلية، وعلى دور المناطق المنخفضة كملاذات حيوية في أزمنة الشدة. الدراسات المستقبلية في الجيولوجيا القديمة والآثار تحت الماء قد تكشف المزيد عن هذه الحقبة الغامضة، التي ربما كانت مهدًا لتطورات بشرية عميقة لم نكتشف أسرارها بعد.

المهندس صادق علي القطري

المصادر:
• Lambeck, K. (1996). Shoreline reconstructions for the Persian Gulf since the last glacial maximum.
• نشرت في: Earth and Planetary Science Letters, المجلد 142، الصفحات 43-57.
• هذه الدراسة الرئيسية والأكثر استشهاداً (أكثر من 480 استشهاداً) في الموضوع. تقدم نماذج لإعادة بناء الشواطئ القديمة في الخليج منذ الحد الأقصى الجليدي (حوالي 18,000 سنة مضت)، مع التركيز على التأثيرات الجيو-هيدرو-يوستاتيكية، انخفاض مستوى البحر بنحو 120-130 متراً، وتدفق الأنهار (دجلة، الفرات، كارون) نحو مضيق هرمز.
• رابط الدراسة: متاحة على ScienceDirect أو Research School of Earth Sciences (ANU).

• Shahbazi, R., et al. (2025). Paleo-shoreline changes in the northwestern Persian Gulf during the Holocene.
• نشرت في: Quaternary International.
• دراسة حديثة (2025) تركز على تغيرات الشواطئ في شمال غرب الخليج خلال الهولوسين، مع إشارات إلى فترة ما بعد LGM وتأثيرات الغمر التدريجي. تستند إلى بيانات باثيمترية وجيوكيميائية.

• دراسات أخرى ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة مذكورة في السياقات العلمية المشابهة:
• Lambeck, K. (2014). Sea level and global ice volumes from the Last Glacial Maximum to the Holocene.
• Lokier, S.W., et al. (2015). Late Quaternary sea-level changes of the Persian Gulf.
• نشرت في: Quaternary Research. تركز على الغمر في الهولوسين والارتفاع المتوسط (highstand).
• Rose, J.I. (2010). New Light on Human Prehistory in the Arabo-Persian Gulf Oasis.
• نشرت في: Current Anthropology. تناقش مفهوم “واحة الخليج” كملاذ بشري خلال LGM.

• نشرت في: Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS). توفر سياقاً عالمياً لتغيرات مستوى البحر.

ملاحظة: المقال يجمع بين هذه المصادر العلمية (خاصة Lambeck 1996 كأساس جيولوجي رئيسي) وبعض التفسيرات البيئية والأثرية المستمدة من دراسات حديثة، مثل تلك المتعلقة بموقع جبل الفاية في الإمارات (التي تشير إلى استمرارية بشرية منذ أكثر من 100,000 سنة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *