الإنسان أوّلًا: نظرية في الإنسان والمجتمع والحضارة – بقلم د. عبد الجليل عبد الله الخليفه

البحث عن الحقيقة مسؤولية يتحملها كلّ انسانٍ مهما كانت نفسه مطمئنة بأفكاره وقيمه، فمزيدٌ من البحث يدعو الى مزيدٍ من الثقة خاصةً إذا كان الموضوع يتعلق بحياة الإنسان وسعادته ويمتد الى علاقته بالمجتمع وبنائه للحضارة. هذا ما تسلط هذه الورقة الضوء عليه بدءًا من الإنسان ثم المجتمع والحضارة، مستفيدة من التغير الذي قد يكون ايجابيًا نحو التكامل او سلبيًا نحو التراجع؟

لقد شغل وجود الإنسان وحقيقته وغاياته المفكرين، فالمتدينون اعتقدوا أن الله جعله خليفته في الأرض، وبعث الأنبياء والرسل لهدايته، بينما درس علماء النفس والاجتماع والأدب والفنون مختلف جوانب حياته وعلاقاته مع محيطه. وخلال العقود الثلاثة الماضية، كان محور اهتمامي في إدارة الشركات هو دراسة تمكين الإنسان من تحقيق غاياته التكاملية، وفي نفس الوقت الاستفادة من قدراته وإبداعه. لذلك اخترت (الإنسان أوّلًا) موضوعًا لسلسلة من المحاضرات والمقالات ثم تطور هذا الاهتمام في هذه الورقة إلى محاولة بناء تصور أوسع.
(عبدالجليل عبدالله الخليفه، يوميات الرئيس، صفحة 175-209)،
(AbdulJaleel Al Khalifah, “Petroleum Industry 2020 – People First”, Journal of Petroleum Technology, October, 2006 to February 2007)

ملخص الورقة
نظرية الإنسان أوّلًا تصور فلسفي اجتماعي يرى الإنسان موجودًا متعينًا كحقيقة خارجية في تحقق وتغير مستمر، يتحرك بدوافع وحاجات ورغبات، من أهمها حب الذات، يمر بين خياراته بتدافع داخلي توجهه المرجعية الفكرية والأخلاقية والقدرات والظروف، فيتحول اختياره إلى أفعال تؤدي إلى تأثير متبادل وتراكم يتشكل في الإنسان والمجتمع والمؤسسة، ويكون لهذا التغير اتجاه يمكن أن يقود إلى التكامل أو الى التراجع، مع إمكان المراجعة والتصحيح والقياس. وتجيب هذه النظرية على عدة أسئلة، منها:
• ما طبيعة وجود الإنسان؟ أصل تحقق الإنسان وهو ايجاده وعلاقته بالغني المطلق، وتغيره المستمر أي انتقاله من حالة الى أخرى، والتحقق هو الحالة التي يكون عليها،
• لماذا وكيف يتحرك الإنسان؟ حب الذات والتدافع الداخلي وأفعاله واتجاه التغير
• كيف يتحول الفعل الفردي إلى أثر اجتماعي؟ التأثير المتبادل وعمل المؤسسة
• كيف يتحول التحقق والتغير الى نقلة حضارية؟ أثر التراكم في المجتمع والمؤسسة
• إلى أين ينبغي أن يتجه هذا التغير؟ التكامل ومعالجة الانحرافات والمنطقة الرمادية

فهي باختصار:
الإنسان + المرجعية الفكرية والأخلاقية + الدوافع والحاجات + المعرفة والوعي + القدرات والظروف تعطي خيارات وتدافع داخلي – اختيار وفعل – تأثير متبادل – تراكم ومؤسسات – تغير في الإنسان والبيئة ثم حركة جديدة عبر الزمن
وتقترح الورقة إطارًا لقياس مؤشر التكامل الذي يشتمل على عتبة النجاح واتجاه التغير في خمسة أبعاد رئيسية هي الروحي، والمادي، والاجتماعي، والصحي، والفكري، بالإضافة الى ابداعه في مجاله الحيوي الذي يعبر عن طموحه. كما تقترح الورقة تطبيق المنهج نفسه على مستوى الأسرة والمؤسسة والمجتمع والحضارة.
أخيرًا، لا تدّعي الورقة إثبات النظرية، وإنما تقدمها بوصفها إطارًا نظريًا فلسفيًا-اجتماعيًا مقترحًا قابلًا للاختبار والتفنيد والمقارنة.

ماذا يعني (الإنسان أوّلًا)؟
الإنسان أوّلًا لا يعني الأنانية الفردية، ولا يعني تقديم مصلحة الفرد على المجتمع، وإنما يعني أن الإنسان هو نقطة البداية ومركز التحليل الاجتماعي وهو يملك مرجعية فكرية تحدد له معنى الخير والشر ومنها يستمد قيمه الأخلاقية والمعنوي وغايته في الحياة. فالإنسان أوّلًا لا تعني الفرد أوّلًا، فليست النظرية لتعظيم المصلحة الفردية على حساب الآخرين، بل تعني أنه المحور الرئيسي لفهم بناء المجتمع والحضارة. والإنسان أوّلًا لأنّ تكامله او تراجعه يؤثر على الأسرة وعلى المجتمع وعلى المؤسسة وعلى الحضارة، فهو اللبنة التي تدخل في كل البنيات الأخرى.

منهج البحث في نظرية الإنسان أوّلًا
منهج البحث في نظرية الإنسان أوّلًا يجمع أربع مستويات:
المستوى الأوّل: قاعدة فلسفية تعتمد على البديهيات العقلية تحدد وجود الإنسان ومرجعيته،
المستوى الثاني: التأملات النفسية الذاتية لفهم دوافع الإنسان وميوله وضوابطه،
المستوى الثالث: البناء الفكري للنظرية الذي يناقش أنظمة التغير والتحقق وأثرها على الفرد والمجتمع والحضارة وتطبيقاتها العملية في الواقع ومنها المنطقة الرمادية،
المستوى الرابع: القياسات الموضوعية والاختبارات التجريبية التي تؤيد او تفند المستوى الثاني والثالث.
وتناقش هذه الورقة المستويات الثلاثة الأولى بينما تقترح على المتخصصين اكمال المستوى الرابع.

المستوى الأوّل: القاعدة الفلسفية (من هو الإنسان وما علاقته بموجده؟)
أصالة المتعين المتحقق:
عرف الإنسان حاجته؛ فهو يبدأ طفلًا محتاجًا إلى غيره، وينتهي شيخًا محتاجًا إلى العون، وبينهما يواجه تحديات تكشف حاجته المستمرة إلى من يعينه على البقاء. لذلك حاول منذ فجر التاريخ أن يفهم علاقته بالكون وبالآخرين، وكأنه يبحث باستمرار عن إجابة أسئلة مهمة، منها:
كيف جاء إلى الوجود؟ من أوجده؟ ما علاقته بموجده؟ هل هو قائم مستقل بذاته، أم أن حاجته إلى موجده مستمرة في كل مراحل حياته؟
كان هذا ميدان نقاش فكري عبر التاريخ حتى يومنا هذا (محمد تقي مصباح اليزدي، المنهج الجديد في علم الفلسفة – الجزء الأول صفحة 293-373). ونستعرض هنا بعض الآراء المختلفة ثم نذكر رأينا:
ميز العلماء بين مفهومين هما الوجود والماهية.، فالعقل حين يفكر في أي شيء، يمكنه أن يسأل عنه سؤالين مختلفين:
هل هذا الشيء موجود؟ وهذا سؤال عن تحققه ووجوده في الواقع الخارجي (الوجود)
وما هو هذا الشيء؟ وهذا سؤال عن ماهيته (الماهية).
من هنا نشأ التحليل الفلسفي الذي يميز بين الوجود من جهة، والماهية من جهة أخرى.
ثم تطور البحث إلى السؤال الأعمق:
ما الذي له الأصالة (الذي له أثر واقعي) في الخارج، وما الذي هو مجرد مفهوم ينتزعه العقل؟
وهنا ظهر الخلاف المعروف حول أصالة الوجود وأصالة الماهية، فرأى بعضهم أصالة الوجود واعتبارية الماهية، بينما رأى آخرون أصالة الماهية واعتبارية الوجود. (الاعتباري هو مفهوم ينتزعه العقل من أمور خارجية لكن ليس لهذا المفهوم حقيقة خارجية مستقلة في الخارج). الخلاف إذن هو هل الوجود هو الواقع الحقيقي الموجود الذي له أثر في الخارج و ينتزع منه مفهوم الماهية اوهي الماهية؟

نظرية الإنسان أوّلًا لا ترى ضرورةً لاختيار الأصالة للوجود او للماهية، بل تكتفي بأن ترى الأصالة للمتعين المتحقق في الواقع الخارجي بعينه. هذا المتعين المتحقق ليس أمرًا ثالثًا يضاف الى الوجود والماهية، بل هو الأساس الحقيقي الذي ينتزع منه الذهن مفهومي الوجود والماهية. فما نراه في الخارج ليس «وجودًا» قائمًا بذاته منفصلًا عن شيء آخر اسمه «الماهية»، كما أنه ليس «ماهية» قائمة بذاتها ثم يلحق بها الوجود؛ وإنما الذي نراه هو شيء متحقق ومتعيّن ومشخّص فهو إنسان، او شجرة، او حجر، او كوكب، وغير ذلك. أما الوجود والماهية فكلاهما مفهومان اعتباريان ينتزعهما العقل من الموجود المتحقق؛ فينتزع مفهوم الوجود حين ينظر إلى الشيء من جهة تحققه، وينتزع مفهوم الماهية حين يسأل عن حقيقته وما هو عليه. هذا لا يعني أنّ مفهومي الوجود والماهية بلا أساس واقعي، بل يعني أنّ الحقيقة الخارجية لا تختزل في أي من المفهومين المجردين عنها.
وهنا يطرح السؤال: إذا كان المتعين المتحقق هو الحقيقة الخارجية، فهل هو قائم بذاته، أم أنه محتاج في أصل تحققه واستمرار تحققه إلى غيره؟

الحقيقة المطلقة القائمة بذاتها هي الغنى المطلق
الموجودات التي نعرفها في العالم من الجماد والنبات والحيوان والإنسان متعينة ومحدودة ومفتقرة؛ أي لا تملك في ذاتها ما يجعل تحققها ضروريًا، فهي ممكنة (يمكن من ذاتها أن تتحقق، ويمكن ألا تتحقق). وإذا كانت هذه الموجودات ممكنة مفتقرةً في أصل تحققها إلى غيرها، فلا يمكن أن تمتد سلسلة الحقائق الممكنة الى مالانهاية، لأن كل حلقة فيها تظل مفتقرة إلى غيرها، ولا يتحول الفقر إلى غنى بمجرد تكراره. وحيث أننا نرى هذه الأشياء متحققة في الواقع، فهذا يعني أن هذه السلسلة تنتهي إلى حقيقة ضرورية قائمة بذاتها، لا تستمد تحققها من غيرها، بل كل ما عداها ممكن ومفتقر إليها فهي الغني المطلق القائم بذاته ومستقل عن غيره وكل ما عداه يقوم به.

ويمكن شرح ذلك بطريقة أخرى وهي أن جميع الموجودات تقع في سلسلة المعلولات ماعدا الغني المطلق الذي هو يتصف بالعلية فهو موجد وعلة الجميع، (محمد تقي مصباح اليزدي، المنهج الجديد في علم الفلسفة – الجزء الأول صفحة 370). وحيث أن الوجود العيني للمعلول لا يستقل عن وجود علته، أي انّ المعلول يوجد بوجود علته (كما في علاقة الإرادة بالنفس)، لذا فكل الموجودات معلولة وهي لا تستقل عن الغني المطلق الذي أفاض عليها الوجود، (هذا في رأي النظرية، لا يستدعي ضرورة القول بأصالة الوجود، ولا أنّ الوجود يختلف شدةً وضعفًا بين الموجودات).

وإذا كان الموجود الممكن مفتقرًا إلى الغني المطلق في أصل تحققه ووجوده، فهل تنتهي حاجته بمجرد أن يتحقق ويوجد؟ إن القول بانتهاء الحاجة يعني أن الموجود الممكن أصبح بعد تحققه قائمًا بذاته، وهذا يناقض كونه ممكنًا؛ لأن الإمكان لا يزول بمجرد التحقق والوجود وهذا ما نعرفه في الواقع فالإنسان عين الفقر والحاجة في جميع أحواله وشؤونه. لذلك ينبغي التمييز بين الإيجاد الأول وهو انتقال الممكن من عدم التحقق إلى التحقق، والتحقق المستمر وهو حركة الموجود الممكن وتغيره المستمر من حالة الى أخرى بخصائصها وآثارها وعلاقاتها وقدراتها. هذا التحقق المستمر والتغير من حالة الى أخرى يتم بفيض وعطاء مستمر من الغني المطلق.

وحدة الحقيقة المطلقة القائمة بذاتها
يبقى السؤال: هل هناك حقيقة مطلقة واحدة غنية قائمة بذاتها او متعددة؟ إن التعدد يقتضي التمييز؛ إذ لا معنى لتعدد حقيقتين من كل وجه من دون أي فرق بينهما، وإذا كان بينهما تمييز، فلا بد أن يكون لهذا التمييز منشأ. فإن كان منشأ التمييز أمرًا يقتضي الكمال والغنى، فلا يمكن أن يكون خاصًا بإحداهما دون الأخرى، وإن كان منشأ التمييز خصوصية تحدد إحداهما عن الأخرى، فقد دخل الحد والتقييد، وهو ما يتعارض مع الغنى المطلق غير المحدود. ومن ثم فإن تعدد الحقائق الغنية غنىً مطلقًا يؤدي إلى التقييد أو الافتقار، وهما نقيضان للغنى المطلق الذي لا يحده حد. لذلك فالحقيقة القائمة بذاتها والغنية مطلقًا حقيقة واحدة لا تتعدد.

صفات الحقيقة المطلقة الغنية القائمة بذاتها
تتنزه هذه الحقيقة المطلقة عن الماديات والحدود والجسمية فهي حقيقة بسيطة غير مركبة قائمة بذاتها غنية عن غيرها لا يحدها حد ولا يشار اليها في جهة ومنزهة من كل نقص. ذلك هو الله الحق (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد) (القرآن الكريم)، (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر، آية 23)، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى، آية 11). وورد أيضًا في دعاء الصباح للإمام علي بن ابي طالب: (يا مَنْ دَلَّ عَلَى ذاتِهِ بِذاتِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجانَسَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وَجَلَّ عَنْ مُلائمَةِ كَيْفِيَّاتِهِ، يا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَطَراتِ الظُّنُونِ، وَبَعُدَ عَنْ لَحَظاتِ الْعُيُونِ، وَعَلِمَ بِما كانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ) (عباس القمي، مفاتيح الجنان، صفحة 118).

المرجعية الإلهية:
هذه الحقيقة المطلقة بسيطة لها أسماء وصفات الجمال والكمال مثل العلم والحياة والقدرة والرحمة والعدل والحكمة، وهي عين ذاتها فهي غير مركبة، وهذه الأسماء والصفات يجمعها لفظ الجلالة وهو اسم الله. فمن آثار الرحمة العامة والحب للخلق أنّه يسّر لهم أسباب السعادة كما سيلي ذكره، ومن حكمته وعلمه أنه يسّر للإنسان سبيل السعادة، فمنحه العقل والفطرة والغرائز وهي أدوات تحفظ حياته وتساعده على فهم واقعه وتوجيه سلوكه، وبعث الأنبياء والرسل وأنزل الشرائع لتبين له طريق الهداية في العبادة والمعاملة. ومن عدله أن جعل حياة الإنسان لا تنتهي بالموت، وإنما تمتد إلى الدار الآخرة، حيث يجازى كل إنسان بعمله، (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) (الزلزلة، آية 8). وبذلك أصبح معيار الخير ليس محصورًا في اللذة والمنفعة العاجلة في الدنيا؛ بل يمتد للحياة الآخرة حيث الخلود والسعادة الحقيقية (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص، آية 77). هذه المرجعية الإلهية من شأنها إذا أرتبط بها الإنسان أن توجه حركته وتغيره، وليست فقط إطار نظري خارجي.

درجات التعلق بالغني المطلق
الموجود الممكن مفتقر باستمرار إلى الغني المطلق، لكنّ وعيه بهذا الفقر وتعلقه بالغني المطلق لا يكونان بدرجة واحدة لدى جميع الناس، بل يمكن تصور تعلق البشر بالغني المطلق على نطاق لا متناهٍ من الدرجات. ففي أعلى درجاته يبلغ الإنسان من شدة الحضور الإلهي في وعيه ألا يرى شيئًا إلا ويرى الله معه وقبله وبعده وفيه؛ فتغدو محبته والقرب منه الغاية التي تنتظم حولها سائر رغباته ودوافعه. فهو يرى نفسه في غاية الفقر وعدم الاستقلال، فكل ما لديه هو من الله. هذا لا يعني عدم الأخذ بالأسباب المادية، بل هو شدة الأخذ بالأسباب لكن مع اليقين بأن مسبب الأسباب الحقيقي هو الله تعالى. وفي الدرجات الأدنى قد يغتر فيها الإنسان بذاته ويحس بالغنى ويشعر باستقلاله عن الله تعالى، فيضعف حضور الله لديه في الوعي والإرادة، وتزداد قدرة الدوافع الأخرى، وقد يصل التراجع إلى الغفلة والجحود والاستكبار، بل إلى العناد، كما حدث في موقف إبليس عند امتناعه من السجود لآدم عليه السلام.

هذا التفاوت في درجة التعلق يمثل عاملًا أساسيًا في تفسير اختلاف الاختيارات الإنسانية؛ لأن الإنسان لا يختار فقط بحسب ما يدركه من المنافع والمضار المباشرة، وإنما بحسب الغاية التي تحتل المرتبة الأعلى في سلم دوافعه. فكلما ارتفعت درجة التعلق بالغني المطلق، ازدادت قدرة الإنسان على ترجيح ما يقربه منه تعالى على الدوافع المناقضة، وكلما ضعفت هذه العلاقة مع الله ازداد استيلاء الدوافع المادية القريبة والعاجلة عليها. ومن هنا يمكن النظر إلى أحد أبعاد التغير الإنساني بوصفه تغيرًا في علاقة الإنسان بالغني المطلق، قربًا أو بعدًا، تعلقًا أو غفلة، محبة أو استكبارًا، طاعة أو معاندة.

هذا التعلق بالله تعالى هو حقيقة العبودية والطاعة التي تربط الفقير الممكن بالغني المطلق، وهي ما تعبر عنه الآية الكريمة (اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة، آية 7) . وقد ورد في المناجاة الشعبانية للإمام علي بن ابي طالب عليه السلام (إلهي هَب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حُجُب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا مُعلقة بعزّ قدسك) (ابن طاووس، اقبال الأعمال، صفحة 200). وينسب في دعاء الإمام الحسين يوم عرفة: (إلهي حقِقني بحقائق اهل القرب، واسلك بي مسلك اهل الجذب) (ابن طاووس، اقبال الأعمال، صفحة 696).

المستوى الثاني: التأملات النفسية الذاتية لفهم دوافع الإنسان وميوله وضوابطه
التغير الاختياري وليس القسري:
يوجد تغير بيولوجي يحدث دون اختيار الإنسان فهو يتغير من نطفة الى جنين ثم طفل ثم شاب ثم شيخ كبير وتتغير البذرة الى شجرة وهكذا، و هذه الهداية العامة اودعها الله في المخلوقات فهي تحقق كمالها المكتوب لها حسب خلقتها، وقد ورد في دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة (ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً، وَخَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ آمِناً لِرَيْبِ الْمُنُونِ وَاخْتِلَافِ الدُّهُورِ، فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ) (ابن طاووس، اقبال العمال، صفحة 685).

أما البعض الآخر فهو تغير اختياري يكون القرار فيه للإنسان لكن بمشيئة الله وقدرته التي وهبها للإنسان (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) (الأنفال، آية 17)، وهذا ما نناقشه في هذه الورقة كما يلي:
• التغير هو العملية التي ينتقل الإنسان بها نتيجة أفعاله الاختيارية من حالةٍ إلى أخرى سواءً كان اختياره نتيجة مرجعيته الفكرية او الظروف والقوانين المحيطة به، ولا تتطرق هذه الورقة الى التغير الجبري الذي يحدث نتيجة ظروفٍ قاهرة لا يملك الفرد أي مسؤولية في حدوثها.
• التحقق هو الحالة الجديدة الناتجة عن التغير سواءً كان التغير تكامليًا او تراجعيًا.
هذا التحقق المستمر الاختياري هو نتيجة تدافع وتزاحم ظروف وميول ودوافع وامكانات:
• العقل والحرية والاختيار التي فطر الله الممكنات عليها،
• الميول الفطرية ومنها حب الانسان لذاته الذي يحفظ بقاءه وقد يحقق تكامله،
• الهداية الخاصة للإنسان عبر ارسال الرسل وتشريع الأحكام لتنظيم الحياة،
• الظروف المحيطة والميول الغريزية والأهواء المادية.

التغير الاختياري:
الإنسان في تغيرٍ دائم، وهو غالبًا يعيش في غفلةٍ من هذا التغير، بينما تنعكس آثار التغير على حياته ومجتمعه ايجابًا او سلبًا، لذلك قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد’، آية 11)، وروي: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل حسنا استزاد الله وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه) (محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، الجزء الثاني، حديث رقم 2، صفحة 426). فهو يتغير من حالة تحقق إلى حالة تحقق أخرى. هذا التغير قد يكون تكامليًا، من نقص إلى كمال ومن جهل إلى علم ومن ضعف إلى قوة، وقد يكون تراجعيًا من كمال إلى نقص ومن علم إلى جهل ومن قوة إلى ضعف. لذلك فالتغير في ذاته ليس خيرًا ولا شرًا، ولا تكاملًا بالضرورة؛ وإنما تتحدد قيمته واتجاهه بالغاية والمعيار الذي نقيس عليه. والإنسان المتغير ليس مجرد متلقٍ للمؤثرات، بل يمتلك العقل والفطرة والإرادة والاختيار والقدرة على التعلم والعمل والإبداع؛ ولذلك يستطيع أن يكون فاعلًا في تغيره وفي تغير بيئته، كما يتأثر بها في الوقت نفسه. فالعوامل تؤثر فيه، لكنها لا تجبره على خيار معين، فالإنسان صاحب الاختيار والمسؤولية عن قراره.

دافع التغير (حب الذات):
يدرك الإنسان نفسه فهي حاضرة لديه، يعلم مشاعرها واحساسها، فهي أقرب الأشياء اليه وأعزها عليه؛ ولذلك يميل فطريًا إلى المحافظة عليها، وإبعاد الضرر عنها، وتحقيق اللذة والسعادة لها، (محمد تقي مصباح اليزدي، نحو بناء الذات، صفحة 116). هذا هو حب الذات والذي يعتبر أحد أهم دوافع الحركة الإنسانية، لكنه ليس الدافع الوحيد ولا يلزم أن يكون الدافع المباشر لكل فعل، ويترجم حب الذات عمليًا كما يلي:
• الأول: حفظ النفس من الهلاك، كالأكل والشرب والتكاثر والهرب من الأخطار،
• الثاني: تحصيل اللذة ودفع الألم،
• الثالث: طلب القدرة والكمال؛ فيسعى لتحصيل العلم والمال والقوة والجمال والمكانة.
• الرابع: التعلق والقرب من الغني المطلق.
ويمكن تصنيف حب الذات الى قبيح وحسن حسب الصور التي يتم عبرها:

حب الذات القبيح:
صورة منحرفة من حب الذات تقتصر على الأفعال التي تحقق له الصورتين الأولى والثانية، فهو يهتم بلذاته المادية الدنيوية والأنانية على حساب الآخرين.

حب الذات الحسن:
إذا هُذّب حب الذات بالعقل والفطرة والمرجعية الفكرية والأخلاقية، فهو يترجم نفسه في الأربع صور، بل قد يتحول حب الذات إلى التعلق الكامل بالغني المطلق حين يدرك الإنسان أنه فقير محتاج الى مصدر الكمال، وأن ما لديه من حياة وقدرة وعلم وجمال هو فيض وعطاء منه تعالى، فيتحول اتجاه الحب من الفقر والحاجة الذاتية إلى الكمال المطلق في الله. وقد يصل حب الذات إلى مستوى أعمق حين يصبح حب الذات طريقا معبدَا لحب الله تعالى. فيأكل الإنسان، ويطلب المال، والعلم، والمنصب، والقوة، والجمال والعلاقات، لكنه لا يجعل شيئًا من ذلك غايته النهائية، بل هي وسائل في طريق حبه الأسمى وغايته المثلى وهي القرب من الله والوصال معه.

من ناحيةٍ أخرى، يمكن أن نعتبر الدافع المباشر للفعل هو سعي الإنسان للحصول على اللذة والتخلص من الألم (محمد تقي مصباح اليزدي، نحو بناء الذات، صفحة 103-121). فحبه لذاته يعني تحقيق اللذة لها وانقاذها من الألم، وتتحقق اللذة عند حصول النفس على ما يلائمها ويحقق رغباتها، وهي على أنواع، منها:
• اللذة الحسية: كالأكل والشرب والجنس والراحة،
• اللذة العقلية: كاكتساب المعرفة وفهم الحقيقة وحل المشكلات،
• اللذة النفسية والاجتماعية: كالحب والتقدير والانتماء والقبول والإنجاز،
• اللذة الروحية والمعنوية: كالإيمان والطمأنينة والقرب من الله وفعل الخير.
من المهم التركيز على أنّ الحياة الدنيا مليئة بالمصاعب والألآم فليس هناك لذات متواصلة بل إنّ أغلب الأهداف والطموحات الكبيرة لا تتحقق إلا عبر مخاضٍ وألمٍ وعملٍ وكدح، لكنّ ذلك ينتهي بتحقق الآمال والشعور بلذة الإنجاز.

تزاحم الدوافع والميول:
لا يتحرك الإنسان نحو الفعل عادة بصورة مباشرة، وإنما تسبقه عملية إدراكية ونفسية. فحين يشعر الإنسان بالجوع مثلًا، يدرك حاجته إلى الطعام، ويتصور لذة الأكل والشبع، فينشأ لديه ميل نحو الطعام، وإذا اشتد هذا الميل وتوجه إليه الاختيار، تحول إلى إرادة وعزم ثم قرار وفعل. وهكذا حين يوجد إدراك وشعور وإحساس بالحاجة او الرغبة الشديدة لأمر ما يتصور الإنسان اللذة المتوقعة ثم تظهر لديه حسب قدرته وإمكاناته وظروفه خيارات متعددة لأفعال ثم تتدافع هذه الخيارات حتى يميل ويرغب لفعل معين مناسب فيشحذ إرادته ثم يقرر ثم ينفذ الفعل وبعدها يتذوق اللذة الناتجة عن الفعل.

والإنسان لا يعيش بدافع واحد، بل تتعدد حاجاته ورغباته ولذاته، وتتزاحم فيما بينها، فقد تتعارض لذة حسية مع لذة عقلية، أو لذة عاجلة مع مصلحة مستقبلية، أو رغبة شخصية مع واجب أخلاقي، أو لذة الغريزة مع لذة الروح، لذلك قد لا تخلو لذة من ألم، وقد تتزاحم اللذة السريعة الفانية مع اللذة الحقيقة الخالدة، فقد ورد عن الامام علي(تَرْكُ الْخَطِيئَةِ أَيْسَرُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ ، وَ كَمْ مِنْ شَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْناً طَوِيلًا)، (محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، الجزء الثاني، باب 387، صفحة 423).

لكن هل يكفي العقل وما يحققه من معرفة وإدراك لضمان حسن اختيار الفعل المناسب؟ الجواب بالنفي؛ فقد يعلم الإنسان الخير ثم لا يفعله، وقد يعلم ضرر فعل معين ثم يقدم عليه. والسبب أن العلم يتزاحم مع بقية الدوافع والرغبات والقيم والتعلقات، ثم يترجح بعضها على بعض، فيختار أحد المسارات الممكنة ثم يتحول الاختيار الى إرادة وعزم ثم قرار ثم فعل، (عبدالجليل عبدالله الخليفه، يوميات الرئيس، صفحة 194).

الضوابط التشريعية والقانونية:
ماهي آلية الاختيار بين الأهداف والطموحات والأفعال الممكنة التي تحقق سعادة الفرد وخيره دون التعدي على حقوق الآخرين وسعادتهم؟ هذا هو محور الخير والشر الذي تبحث عنه البشرية منذ نعومة أظفارها، وانقسمت فيه الى متدينين يعتقدون بوجود الخالق المشرع (مرجعية إلهية) وبين العلمانيين الذين اعتمدوا سن الأنظمة والتشريعات الوضعية بأنفسهم (مرجعية وضعية). فمن يتعلق بالغني المطلق، يلتزم بهديه وتشريعاته التي جاءت بها رسله وأنبياءه، إضافة الى نظرته الأخلاقية في التعامل مع الآخرين. ولن نتحدث عن التشريعات الدينية في هذه الورقة، بل ندع ذلك لأهل التخصص، لكن من الضروري التنويه باعتقاد المتدينين أنّ هذه التشريعات هي الصراط المستقيم الذي يمثل أقرب الطرق وأصوبها، فهي تشمل جانب العبادات التي تهذب نفس الإنسان وتدفعه للعمل الصالح والإحسان الى الآخرين وكذلك جانب المعاملات الذي يضمن سلامة التعامل دون الاضرار بمصالح الآخرين والمجتمع. سنشير الى هذا في هذه الورقة بالمرجعية الفكرية دون العودة الى تعريف القسمين. وكلا القسمين لهما نظريات أخلاقية مختلفة، لذا فإن أي فعل يقوم به الفرد يمكن أن يتم حسب مرجعيته الفكرية والأخلاقية او قد يتم نتيجة دوافع أخرى تتعارض مع ضوابطه المذكورة.

لذلك فإن تنظيم الحياة الإنسانية يقوم على مستويين متكاملين:
المستوى الأول: التشريعات التي تنظم حياة المجتمع وتحفظ حقوق الأفراد والمؤسسات وأساسها المرجعية الفكرية (إلهية او وضعية) والنظرية الأخلاقية التي يؤمن بها.
المستوى الثاني: القوانين والأنظمة داخل المؤسسات المختلفة وتشمل تحديد الأدوار، المكانات والصلاحيات، والالتزامات، والمسؤوليات، وتنسيق الموارد ومتابعة الأداء وقياس النتائج وضبط سير العمل.

نظرية (الإنسان اوّلًا) الأخلاقية
تعتمد التشريعات بصورة عامة على المرجعية الفكرية التي تميز الحق من الباطل، أي الخير من الشر والحسن من القبح وتحدد غاية الإنسان وهدفه الأعلى. والى جانب هذه التشريعات، تطرح نظرية الإنسان اوّلًا نظرتها الى الفعل الأخلاقي، كما يلي:
التقييم الأخلاقي للفعل = حسن نية الفاعل + مشروعية الوسيلة + حسن غاية الفعل (حسن نتيجة الفعل المتوقعة او نتيجته الحقيقية يتم حسب زمن التقييم هل هو قبل حدوث الفعل او بعده) مع مراعاة الظروف والقدرة والامكانات وتزاحم الأولويات.
حسن النتيجة لا يعني بالضرورة نجاحها المادي الدنيوي فقد ترى المرجعية الفكرية العطاء والإيثار والتضحية من أعظم الأفعال لأن لها وزنًا معنويًا عظيمًا. لذا ترى المرجعية الإلهية أن الشريعة وأحكامها تضمن حسن النتيجة المادية والمعنوية، الفردية والجماعية. لكن ما تتفق عليه النظريات الأخلاقية والإلهية ضرورة حسن النية ومشروعية الوسيلة وحسن النتيجة المتوقعة كما يراه الفاعل بناء على مرجعيته. بعض المرجعيات الوضعية ترى النفعية وبعضها الآخر يرى حسن النية والدافع.

المستوى الثالث: الأنظمة المقترحة لنظرية (الإنسان أوّلًا)
الإنسان يتحرك، مدفوعًا بحاجاته ورغباته وطموحاته وواجباته ومسؤولياته ودوافعه، ومن أهمها حب الذات، ومتفاعلًا مع مرجعيته ومعرفته ووعيه وقدراته وظروفه، وفي الوقت نفسه داخل مجتمع وبيئة وثقافة ومؤسسات تؤثر فيه ويؤثر فيها بصورة مستمرة. وتضبط هذه الحركة ضوابط إن التزم بها الإنسان اختار الأفعال التي توجه حركته نحو التكامل وان لم يلتزم بها اختار الأفعال التي تؤدي بحركته نحو التراجع. وقد ناقشت نظرية (الإنسان أوّلًا) التغير والتحقق على مستويات الفرد والمجتمع والزمن، محاولةً البحث عن أنظمة مفترضة تصف علاقات متكررة بين مجموعة متغيرات، وتقدم هذه الأنظمة هنا بوصفها فرضيات قابلة للاختبار والتفنيد وليس بوصفها نتيجة تجريبيةً مثبتةً.

مستوى الفرد:
• التدافع الداخلي – الامكان الى الفعل – اتجاه التغير
مستوى المجتمع:
• نظام التأثير المتبادل
• نظام المؤسسة
مستوى الزمن:
• من الفعل الى الإنجاز – نظام أثر التراكم.

مستوى الفرد:
التدافع الداخلي:
يحب الإنسان نفسه فيسعى الى تلبية حاجاته البيولوجية والنفسية والغايات التي حددتها مرجعيته الفكرية والأخلاقية ضمن الإمكانات والظروف والبيئة المحيطة به فتقفز الى ذهنه بعض الأفعال كخيارات، فتتفاعل عواطفه رغبة في الحصول على اللذة والراحة والسعادة المتوقعة من هذه الأفعال، ثم يحدث التدافع الداخلي بين هذه الخيارات الممكنة، حيث تتفاعل العواطف والصور الجميلة، وهنا قد تتدخل ضوابط المرجعية الفكرية والقانون او الدوافع السلبية كالإكراه والضغط والنزوة، فيتم اختيار الفعل (الاختيار) ويعقد النية على الفعل فيشحذ الإرادة، ثم يصنع القرار ثم ينفذ الفعل:

فعل ينطلق من حب الذات القبيح او      فعل ينطلق من حب الذات الحسن او دوافع
دوافع او ظروف سلبية أخرى نحو الشر وظروف إيجابية أخرى نحو الخير
(مثل النزوة والأنانية) (ضوابط التغير)
 ↘         ↙
تغير سلبي نحو التراجع          تغير ايجابي نحو التكامل تكاملي
↓             ↓     
الانحراف والتراجع  (مرجعية أخلاقية او فكرية او ظرفية)
يمكنه تصحيح اتجاه التغير حب الذات الحسن  
↓
    العمل الأخلاقي 
↓
             التغير الإيجابي نحو التكامل
↓
التراكم
تغير الإنسان يؤثر في الأسرة وفي المجتمع ومؤسساته
↓
إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية
↓
الإنسان يتأثر بالآخرين وبالمؤسسات المتغيرة

من الإمكان الى الفعل:
التحقق هو الانتقال من القوة (أي الإمكان) الى الفعل، فينتقل الإنسان نتيجة الفعل من حالته السابقة بآثارها الى حالته الجديدة بآثارها المختلفة، وهكذا يستمر التغير والتحقق.

حب الذات + حاجات + رغبات + طموحات + واجبات ومسؤوليات + دوافع + قدرات + ظروف + مرجعية
↓
المعرفة والتصور
↓
ظهور خيارات الأفعال الممكنة
↓
التدافع الداخلي بين الخيارات داخل النفس
↓
الاختيار (عقد النية)
↓
شحذ الإرادة والعزيمة
↓
القرار
↓
الفعل
لا تفترض النظرية أن الاختيار والنية والإرادة والقرار مراحل زمنية منفصلة، وإنما تميز بينها تحليليًا بوصفها وظائف مختلفة قد تتداخل أو تتزامن في الواقع.

اتجاه التغير
يحدث التغير ضمن ضوابط وظروف ودوافع تؤثر في الإنسان وتوجه اختياره نحو الأفعال، فقد توجهه هذه الضوابط نحو الخير والتكامل، وتحد من الأفعال التي تسبب الإضرار بالذات أو بالآخرين، وتقي الحركة من الانحراف والتراجع، وقد توجه اختياره نحو الأفعال التي تؤدي به الى النكوص والتراجع. الأفعال التكاملية واضحة المعالم والدوافع والأفعال التراجعية كذلك واضحة المعالم والدوافع، لذلك يمكن تصنيف أي فعل أنه تكاملي او تراجعي، لكن حتى يتم تشخيص التغير في مدة زمنية معينة، يمكن تحديد أهداف وسلوكيات يمكن قياسها ومقارنتها مع بداية المدة الزمنية ليمكن تحديد اتجاه التغير في هذا الجانب او ذاك من حياة الإنسان.
وحتى يضمن الفرد أن تغيره ايجابيًا وفعله تكامليًا، يمكنه أن يضبط أفعاله حسب مرجعيته الفكرية وتشريعاتها ومعها قيمه الأخلاقية. فتحدد التشريعات والقيم الأخلاقية ما يراه الإنسان خيرًا وصوابًا، ويسهم الضمير الفردي والجمعي في توجيه السلوك ومراقبته، بينما يضع القانون قواعد ملزمة لتنظيم السلوك وحماية الحقوق والمصالح ومنع الاعتداء والإضرار بالآخرين.
ولا يعني وقوع الإنسان في فعل تراجعي انغلاق مساره؛ إذ تظل حركة التغير والتحقق قابلة للمراجعة والتصحيح وإعادة التوجيه نحو التكامل. كما أنه من الجدير ذكره أنّ الضوابط توجه الاختيار، لكنها لا تختار بدل الإنسان.
• تأثير المرجعية الفكرية والأخلاقية (معيار الخير والصواب)
• تأثير الظروف المحيطة والاستعدادات النفسية (نوع حب الذات حسن او قبيح)
• نوع الاختيارات والأفعال يؤثر في اتجاه التغير تكاملي او تراجعي

ديناميكية التغير والتحقق:
حركة التغير والتحقق عملية ديناميكية تبدأ في الإنسان وتحدث داخل المجتمع والمؤسسات ثم تنتج أفعالًا وآثارًا وتراكمات قد تمتد إلى المستوى الحضاري، ثم تعود آثارها فتؤثر في الإنسان.
فالإنسان كائن متحرك، لا يكتمل بالسكون، ولا تتحقق إنسانيته بمجرد امتلاك الإمكانات، بل من خلال تغيره المستمر من النقص إلى الكمال، ومن القوة إلى الفعل، ومن الإمكان إلى الإنجاز. إن مرجعيته الفكرية هي التي تحدد له صفة الكمال والغاية من الفعل ومعنى الخير والشر. وهذه الحركة ليست حركة مادية أو اقتصادية فقط، بل تشمل جميع جوانب الإنسان مثل البعد الجسدي، البعد الروحي، البعد الفكري، البعد النفسي، البعد الأخلاقي، البعد الاجتماعي، والبعد الدنيوي والأخروي. فلا يتحقق التكامل الإنساني بإشباع جانب وإهمال الجوانب الأخرى، بل إنّ غاية الإنسان هي التكامل في كل الأبعاد.

يمكن تلخيص حركة التغير والتحقق في المسار الآتي:
يفكر الإنسان فيكتشف نقصًا في حاجةٍ ماديةٍ او معنويةٍ مرغوبة او رغبةً في زيادة أمرٍ محبب ونتيجة حبه الفطري لذاته ودوافعه الأخرى ومرجعيته الفكرية وقدراته وظروفه يقفز الى ذهنه عدة خيارات متاحة ومعها تصورات وأفكار وصور جميلة عن نتائجها المتوقعة. فيحدث تدافع داخلي في نفسه حين يريد أن يقرر ما هو الفعلٍ الذي يختاره بين هذه الخيارات المتاحة. عندها تتدخل دوافع إيجابية مثل نظامه الأخلاقي ومرجعيته الفكرية او دوافع سلبية كاللذة السريعة او الإكراه والضغط الاجتماعي لتضبط خياراته وتوجهه نحو الفعل المعين. فيعقد النية على هذا الفعل وتتولد في نفسه الإرادة ثم يقرر ويقوم بتنفيذ الفعل. فإن كان الفعل نتيجة دوافع إيجابية أحدث تغيرًا إيجابيا نحو التكامل، وخلق حماسًا في نفسه لتكرار الدورة الى مالا نهاية، وهكذا يرتقي الإنسان. وان حدث الفعل نتيجة دوافع غير أخلاقية، أحدث تغيرًا سلبيًا وجعل اتجاه تغيره تنازليًا نحو التراجع. المتغير المركزي هو اتجاه التغير للإنسان والذي يعتمد على نوع الفعل الذي اختاره نتيجة التدافع الداخلي. هذا التدافع هو قلب حركة التغير والتحقق حيث يتم من خلاله توجيه دفة الحركة نحو أفعال تؤدي التكامل او أفعال تؤدي الى التراجع.

مستوى المجتمع:
نظام التأثير المتبادل (كيف يؤثر الإنسان في الآخرين وكيف يتأثر بهم)
الإنسان كائن اجتماعي، يؤثر في الآخرين ويتأثر بهم وبالبيئة الاجتماعية المحيطة به بصورة مستمرة، ويمتد التأثير إلى المؤسسة والمجتمع والحضارة. فالتأثير الإيجابي يعزز القيم والأفعال التكاملية في الآخرين والمجتمع ويدعم تغيرهم نحو التكامل، بينما يؤدي التأثير السلبي إلى ترسيخ السلوكيات والأفعال التي تدفع تغيرهم نحو التراجع.
ويختلف نطاق التأثير وعمقه وقوته واستمراريته بحسب خصائص المؤثر والمتأثر وطبيعة العلاقة بينهما، وما يمتلكه المؤثر من معرفة وعلاقات وموارد ومكانة وقدرة على الإقناع أو سلطة أو قدرة على تشجيع أفعال تؤدي إلى تغير إيجابي نحو التكامل او تغير سلبي نحو التراجع. ولا يعني اتساع نطاق التأثير بالضرورة أنه تأثير إيجابي؛ إذ يتحدد أثره النهائي باتجاهه ومضمونه ونتائجه. وبذلك لا يكون الإنسان مجرد متلقٍ للتأثير، بل فاعلًا ومؤثرًا في الوقت نفسه؛ فالفرد يؤثر في اتجاه تغير الأسرة والمؤسسة والمجتمع، وهي بدورها تؤثر في اتجاه تغيره ومعرفته واختياراته وسلوكه.

مثال على التأثير المتبادل: الصراع والتغيير التاريخي
حركة التغير والتحقق تحدث على مستوى الفرد والمجتمع، فقد يغير الفرد او المجتمع اتجاه حركته التكاملية وينتكس ويدخل في مرحلة التراجع ثم يتفاقم الاختلاف بين فرد او مجتمع متكامل وآخر متراجع ويصل الى مرحلة الصراع، فالصراع حالةً متوقعةً بين جهة التكامل وجهة التراجع بل هو مثال خارجي للتدافع الداخلي الذي يحدث في نفس الإنسان وللتأثير المتبادل بين الأفراد والمجتمعات المختلفة.

نظام المؤسسة (المؤسسة الاجتماعية مثل مؤسسات الأسرة والتعليم والصحة والاقتصاد)
تتحول القيم والأفكار والممارسات والخبرات والإنجازات المتكررة، متى استقرت وتراكمت ووجدت لها آليات تنظيمية وتصميم هادف ومقصود، إلى نظم وقواعد وأدوار وهياكل ومؤسسات أكثر استقرارًا واستمرارية. ولا تتأسس المؤسسة دون رغبة او قصد، بل يتم تأسيسها لحفظ ما تراكم من معرفة وخبرة وقيم وممارسات وإنجازات، وتنظيمها ونقلها إلى الأفراد والأجيال، بما يزيد من قدرتها على الاستمرار والتوسع والتأثير (، أ. د. طاهر حسو الزيباري، النظرية السوسيولوجية المعاصرة، صفحة 101).
ولا تظل المؤسسة مجرد نتاج لأفعال الأفراد، بل تصبح بعد نشأتها عاملًا مؤثرًا فيهم؛ فتؤثر قواعدها ونظمها وثقافتها وحوافزها وعلاقاتها في قيم الأفراد واتجاهاتهم واختياراتهم وسلوكهم. وبذلك تنشأ علاقة تبادلية بين الإنسان والمؤسسة؛ فالإنسان ينشئ المؤسسات ويديرها ويطورها، والمؤسسات تعيد تشكيل البيئة التي يتحرك فيها الإنسان، فتدعم مساره نحو التكامل أو قد تعزز مساره نحو التراجع.

وظيفة القيادة في المؤسسة: تتميز عادة بالكاريزما والرؤية المستقبلية وتحديد الاتجاه والغاية. وتحفز القيادة الأفراد وتوجه جهودهم نحو تحقيقها، ويتسع تأثيرها بحسب مكانتها، وإمكاناتها، وقدرتها على حشد الموارد. وقد يمتد تأثير بعض الأفراد إلى نطاقات اجتماعية واسعة، فيسهمون في تغيير القيم والممارسات والمؤسسات عبر الزمان والمكان.

وظيفة الإدارة في المؤسسة: تنظيم الموارد والجهود والأدوار ومتابعة المسؤوليات ورسم الخطط وتنفيذها لتحقيق الأهداف، وتهيئة البيئة التنظيمية التي توجه حركة التغير والتحقق للأفراد نحو الخير والتكامل، وتمكنهم من أداء أدوارهم وتنمية قدراتهم وتحقيق إمكاناتهم، مع احترام حريتهم ومسؤوليتهم عن اختياراتهم مما يسهم في انسجامهم في العمل وزيادة انتاجيتهم.

(عبدالجليل عبدالله الخليفه، يوميات الرئيس، صفحة 203).

مستوى الزمن:
من الفعل الى الإنجاز:
ينتقل الإنسان نتيجة الفعل من الإمكان إلى الإنجاز، ومن الإنجاز إلى الأثر، ومن الأثر إلى المسؤولية والمآل. فالإنجاز ليس نقطة نهاية، إذ يفتح كل إنجاز إمكانات جديدة، ويكشف حاجات جديدة، ويحمّل الإنسان مسؤوليات جديدة وينقل النفس الإنسانية الى مستويات أعلى. ثم تتراكم إنجازات الافراد لتصبح إنجاز جماعيًا في مؤسسات المجتمع وقد تصبح بعد تراكمها نقلة حضارية. ولا يقوم الإنجاز الحقيقي على القدرة وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من القيم والمهارات، في مقدمتها:
• الكفاءة: إتقان العمل وحسن استخدام الوسائل والموارد،
• المثابرة: مواجهة الصعوبات والاستمرار حتى تحقيق الهدف،
• الاستقامة: سلامة النية والوسيلة والغاية، ومنع تحول الإنجاز إلى أداة للظلم أو الفساد،
• العمل الجماعي: جمع قدرات الأفراد وتحويلها إلى قدرةٍ اجتماعيةٍ وحضاريةٍ أكبر.

الإنجاز = الكفاءة * والمثابرة * والاستقامة * العمل الجماعي
بيئة الإنجاز = المعرفة + الحاجات + الموارد + العلاقات + المؤسسات

فلا تقيس النظرية الإنجاز بحجمه المادي فقط، بل تنظر كذلك إلى طريقة تحقيقه وآثاره في الإنسان والمجتمع والطبيعة والمستقبل والمآل الأخروي. فالإنجاز الذي يتحقق بالكفاءة لكنه يقوم على الظلم ليس إنجازًا متكاملًا، والإنجاز الذي يتحقق بسرعة لكنه يفسد المستقبل ليس تقدمًا حقيقيًا، كما أن الإنجاز الفردي الذي لا يتحول إلى معرفةٍ أو مؤسسةٍ أو أثرٍ اجتماعي يظل محدود القدرة على صناعة التحول الحضاري.
وتتجسد العلاقة بين الإنجاز والتراكم في المسار الآتي:
قدرة فردية تصبح فعلًا نافعًا ثم يصبح إنجازًا ثم يصبح مؤسسةً أو معرفةً جديدة ثم يحدث تراكم حضاري فتتكون قدرة جديدة على الإنجاز وهكذا تتراكم حتى تحدث النقلة الحضارية.

أثر التراكم (الزمن والحضارة)
تتراكم آثار أفعال الإنسان وأفكاره وقيمه ومواقفه وتفاعلاته الاجتماعية مع الزمن، كما تتراكم المعرفة والخبرات والمهارات والقدرات والموارد والإنجازات. وحين يكون اتجاه هذا التراكم تكامليًا، فإنه يعزز القيم والسلوكيات والقدرات والإنجازات التكاملية لدى الفرد، فينمي إمكاناته ويزيد قدرته على تحقيق إنجازات جديدة. وحين تتراكم هذه الآثار لدى عدد كبير من أفراد المجتمع، تتطور معارف المجتمع وخبراته وقدراته وموارده ونظمه ومؤسساته، وتزداد قدرته على الإنتاج والإنجاز. ومع استمرار التراكم التكاملي، قد تبلغ القدرات والإنجازات المتراكمة مستوى نوعيًا ينتقل معه المجتمع إلى مرحلة جديدة من المعرفة والتنظيم والإنتاج والتكامل، وترى الورقة ان هذا قد يحدث نقلة حضارية. وبالمقابل، قد يؤدي تراكم الآثار السلبية على مستوى الفرد والمجتمع إلى ترسيخ الاختلال والانحراف والتراجع، وقد يفضي استمرار هذا التراكم إلى إضعاف المجتمع وتراجع قدرته الحضارية أو اندثار بعض منجزاته.
وبذلك لا يُقاس اتجاه التغير بما يحدثه في لحظته فقط، وإنما بما يضيفه إلى ما سبقه وما يؤسسه لما بعده؛ فالتراكم قد يحول الأفعال المتكررة ذات التغير الايجابي إلى عادات، والخبرات إلى قدرات، والقدرات إلى إنجازات.
وهكذا تتشكل منظومة ديناميكية مفتوحة:

المرجعية الفكرية والأخلاقية – الإنسان ↔ المجتمع والبيئة والمؤسسات ↔ التغير ↔ الفعل والتفاعل ↔ التراكم ↔ التحول النوعي والنقلة الحضارية ↔ إعادة تشكيل الإنسان والبيئة والمؤسسات

ديناميكية التراكم (الإنسان -المجتمع -المؤسسات -الحضارة)
تنظر النظرية إلى الإنسان بوصفه محور التغير والتحقق، وإلى المجتمع والبيئة والمؤسسات بوصفها المجال الذي تتم داخله هذه الحركة، وإلى التراكم بوصفه الآلية الزمنية التي يمكن من خلالها أن تنتقل آثار الحركة الفردية والاجتماعية من المستوى الجزئي إلى المستوى المؤسسي والحضاري. ولا تعمل مراحل حركة التغير والتحقق في صورة مراحل خطية منفصلة، وإنما تعمل ضمن منظومة ديناميكية متداخلة ومستمرة.
وتظهر آثار الأفعال والتفاعلات من تغير إيجابي او سلبي عندما تتكرر وتستمر وتتوافر لها شروط الاستقرار والبناء، فتدخل في أثر التراكم. وقد يكون هذا التراكم إيجابيًا أو سلبيًا، فرديًا أو اجتماعيًا أو مؤسسيًا، ماديًا أو معرفيًا أو قيميًا. وقد يسهم التراكم، عندما يبلغ مستوى مناسبًا من الكم والكيف والترابط والاستدامة، في إحداث تحول نوعي في قدرات الإنسان أو المجتمع أو المؤسسة.
ولا يعني هذا التسلسل أن جميع عناصر الحركة تقع زمنيًا في ترتيب واحد ثابت، فالتأثير المتبادل والمؤسسة يعملان خلال الحركة كلها، بينما يمثل التراكم البعد الزمني الذي يسمح للآثار المتكررة والمستقرة بأن تتحول إلى قدرات أو أنماط أو إنجازات أو ترتيبات أكثر دوامًا.

الإنسان ↔ المرجعية الفكرية والأخلاقية ↔ الدوافع والحاجات والرغبات والطموحات والواجبات ↔ المعرفة والوعي والقدرات والظروف – التصور – الخيارات – التدافع الداخلي – الاختيار – النية والقصد (الإرادة والعزيمة) – القرار – الفعل – التأثير المتبادل – التراكم والمؤسسة – إعادة تشكيل الإنسان والبيئة – حركة تغير مستمرة—

البيئة الطبيعية
لا يتحرك الإنسان داخل البيئة الاجتماعية فقط. بل يتحرك أيضًا داخل البيئة الطبيعية التي تمثل مصدرًا للموارد فهي الأرض والماء والغذاء والطاقة والمعادن والكائنات الحية، حيث يستخدمها الإنسان لتلبية حاجاته وتحقيق أهدافه. لكن استخدام هذه الموارد قد يكون مستدامًا أو استنزافيًا، ومن هنا، فإنّ المحافظة على البيئة ليست خارج نظرية الإنسان أولًا؛ بل جزء من حماية شروط الحياة الإنسانية الحالية والمستقبلية. فلا تعني أولوية الإنسان أن الإنسان يستهلك الطبيعة بلا حدود، بل تعني أن البيئة جزء من منظومة حياة الإنسان. ومن ثم فإن استنزاف الموارد وتلويث البيئة وإضرار الأجيال القادمة يمثل إخلالًا بمسؤولية الإنسان.

الانحراف والتصحيح:
الانحراف يعني ان يقوم الفرد او المجتمع او المؤسسة بأفعال تؤدي الى التراجع والنكوص فيكون اتجاه التغير سلبيًا. ويحدث هذا عندما يمارس الإنسان او المجتمع حب ذاته بصورة قبيحة فيفقد توازنه الداخلي بين مصلحته الفردية ومصلحة الآخرين او بين لذته السريعة وسعادته البعيدة، وتتضاعف سرعة التغير السلبي ويزداد الانحراف تسارعًا إذا لم يتم تدارك الأمور في بدايتها ومعالجة أسباب الانحراف منذ بدايتها، حتى يبلغ مرحلة الانتكاس الكامل فيصبح الشر خيرًا في نظر البعض. لذلك تقترح نظرية الإنسان أوّلًا مفهوم المنطقة الرمادية في محاولة لاكتشاف الجذور الأولى للانحراف، ومحاولة علاجها والوقاية منها. لذلك يمكن اعتبار نظرية (الإنسان أوّلًا) نظريةً وقائيةً عن الانحراف، فهي لا تنتظر حدوث الانحراف، بل تحاول منعه من الحدوث ما أمكن.

المنطقة الرمادية:
مواقف الناس وعلاقاتهم تشمل ثلاث حالات:
• مواقف وعلاقات تتسم بالقبول القطعي من المجتمع،
• مواقف وعلاقات تتسم بالرفض القطعي من المجتمع،
• مواقف وعلاقات تقع في المنطقة الرمادية: هي تلك الأفعال الغير محسومة والغير واضحة المعنى او الهدف من الناحية الأخلاقية والاجتماعية للفاعل و للآخرين، مما يسمح بالتبرير التدريجي والانحراف. فهي ليست مقبولة قطعًا ولا مرفوضة قطعًا، وانما تعتمد على الفهم والسياق والظروف الأخرى المصاحبة لها. فالفعل الواحد قد يحمل معاني مختلفة، فيفهمه المشاهد بمعنى يختلف تمامًا عن نية الفاعل. في المنطقة الرمادية، لا يكون معنى العلاقة أو حدودها واضحاً تماماً، فقد يعطي أحد الطرفين معنًى معيناً للسلوك، بينما يعطي الطرف الآخر معنًى مختلفاً. وعادةً يبدأ الانحراف في هذه المنطقة الرمادية نتيجة الغموض والفهم المختلف للمواقف في العلاقات العاطفية، او في قطاع المال والأعمال، او في الأهداف ووسائل تحقيقها، وفي كل جوانب الحياة المختلفة. الانحراف لا يبدأ دائمًا من فعل واضح الشر، بل قد يبدأ من:
استثناء صغير قد يؤدي الى تساهل ثم تبرير ثم عادة ثم تطبيع ثم تحول إلى قاعدة ثم انحراف.

الوقاية على مستوى الفرد:
الإنسان فاعل في المجتمع ومنفعلٌ بالمجتمع:
عالم الاجتماع جورج هربرت ميد (Mead, 1934)، (أ. د. طاهر حسو الزيباري، النظرية السوسيولوجية المعاصرة، صفحة 304) يرى بعدين لذات الفرد (ذات فاعلة وذات منفعلة). فهو يرى أن الإنسان لا يكتشف ذاته بمعزل عن الآخرين، بل يطور ذاته من خلال التفاعل الاجتماعي معهم. فالذات في حالة تغيرٍ مستمرٍ نتيجة الحوار المتواصل بين الذات الفاعلة ( I ) التي تمثل الجانب الفردي الفاعل والمبدع في ذات الفرد؛ والـذات المنفعلة (Me) التي تمثل الجانب الجمعي في ذات الفرد الذي يهتم بنظرة المجتمع له. الجانب الفردي يدفع الفرد للإبداع، ولكنه قد يدفع الفرد لتكوين علاقة منحرفة وهذا هو أحد أسباب الوقوع في المنطقة الرمادية. لذلك ترى النظرية أنّه من الضروري أن يضاف الى ما ناقشه جورج هربرت ميد الإطار العام الذي يحكم شخصية الإنسان وهو إطار المرجعية الفكرية والأخلاقية. فليس المهم رضا المجتمع إن كان المجتمع منحرفًا، فالحاكم هو هذا الإطار الفكري الأخلاقي العام الذي يرجع اليه.

تصحيح الانحراف:

المرجعية الفكرية والأخلاقية + المعرفة والوعي + التربية والخبرة + البيئة + ضبط النفس
↓
إعادة توجيه حب الذات
↓
حب الذات الحسن
↓
اختيارات تراعي المصلحة الحقيقية للذات والآخرين
↓
أفعال أكثر توافقًا مع التكامل

المجتمع والمنطقة الرمادية:
من الضروري أن يدير أفراد المجتمع علاقاتهم في المنطقة الرمادية عبر مراعاة المؤشرات التالية:
• القيم الأخلاقية والفكرية: يستمدها من مرجعيته الأخلاقية و الفكرية.
• الوعي: أن يدرك الإنسان أن سلوكه قد يحمل معنًى مختلفًا عند الآخرين.
• الوضوح: على الفرد أن يوضح للآخرين هدفه من الفعل ليزيل الغموض،
• الحذر: يجب توخي الحذر في مواطن الشك والريبة خاصةً عبر وسائل التواصل،
• القانون: أن يعرف الجميع ويطبق قواعد تمنع تضارب المصالح وتردع المخالفات.

تطبيقات نظرية (الإنسان أوّلًا)
إدارة حياة الأفراد:
يمكن النظر إلى إدارة الحياة بوصفها التطبيق العملي لنظرية (الإنسان أوّلًا)، فالحياة سبيل للتكامل والرتقاء لا للنكوص والتراجع. وتشمل:

تحديد الغاية
↓
تقييم الذات والموارد
↓
معرفة القدرات والقيود
↓
تحديد الأولويات
↓
الاختيار
↓
القرار
↓
التنفيذ
↓
التقييم والتصحيح
↓
حركة جديدة.
وهذا لا يعني قدرة الإنسان على التحكم في كل نتائج الحياة، وإنما قدرته على إدارة استجابته واختياراته ومساره ضمن ما يملك من قدرة وحرية

هل النجاح مسؤولية الفرد ام الشركة؟
نظرية (الإنسان أوّلًا) تختلف عن نظرية البنائية الوظيفية الغربية ونظرية الصراع في وزنها النسبي للفاعلية الفردية، والتفاعل المتبادل بين الفاعل والبنية، ودور المرجعية الفكرية والأخلاقية والاختيار (أ. د. طاهر حسو الزيباري، النظرية السوسيولوجية المعاصرة، صفحة 95-232). وكمثال لتوضيح ذلك، تناقش النظرية التأثير المتبادل بين الموظف والشركة؟ وكيف يعمل الفرد الصالح المبدع في الشركة الفاشلة، وهل يستطيع تغييرها لتصبح شركة ناجحة؟ وكيف يعمل الفرد الفاشل في الشركة الناجحة، وهل تستطيع الشركة الناجحة تغييره ليصبح ناجحًا؟ وما يتم نقاشه عن علاقة الفرد مع الشركة، ينطبق على مستوى مجتمع الأسرة الصغير، وينطبق أيضًا على مستوى المجتمع البشري الكبير، فما ينطبق على المستوى الصغير ينطبق في أغلب الأحيان على المستوى الكبير.

ترى النظرية كما هو موضح في نظام التأثير المتبادل و نظام المؤسسة وجود تأثيرٍ بين الفرد والمجتمع (او الشركة) يختلف قوةً وضعفًا حسب طاقة وإمكانية كلّ منهما بالنسبة للآخر، ويمكن اختصاره في أربع مربعات:
1. مربع الهدم والفشل:
حين يعمل موظف فاشل في شركة فاشلة، يتواصل فيها الهدم والتدمير حتى تضمحل وتتلاشى، ومن سماتها عدم تقدير الكفاءات وتعيين المناصب بالمحسوبيات والصراع الداخلي والخسارة المادية.
2. مربع البناء والإبداع:
حين يعمل موظف مبدع ناجح في شركة مبدعة ناجحة: قمة الإبداع والتركيز والمنافسة والإنتاجية وتحقيق الأرباح، فالشركة توفر فرصًا إبداعية وتطويرية للفرد والفرد المبدع ينتج أفكارًا وابداعات متميزة تحقق أرباحًا طائلةً للشركة.
3. مربع صراع الإرادات (1)
حين يعمل موظف فاشل في شركة ناجحة: سيؤثر سلبًا على إنتاجية الشركة وعلى زملائه وعلى روح الفريق، وهنا هل تضعف إرادة الشركة الناجحة فتترك له المجال ليزيد في تأثيره السلبي او قد تمنحه منصبًا رفيعًا في سلمها الإداري، او تصمد الشركة الناجحة في إرادتها فتحاول تطويره وتغييره ايجابيًا ليكون صالحًا منتجًا؟
4. مربع صراع الإرادات (2)
حين يعمل موظف ناجح في شركة فاشلة: فهنا تتصارع إرادة الموظف المبدع الصالح مع إرادة الشركة الفاشلة، فهل تضعف إرادة الموظف المبدع، مما قد يؤدي الى فقدانه الحماس والدافعية فيفشل تدريجيًا ليكون مثل غيره في هذه الشركة الفاشلة، او يصمد في إرادته فيحاول التأثير على بيئته ايجابيًا ليبث فيها روح الحماس والتغيير الإيجابي رغم صعوبة هذا الخيار، (عبدالجليل عبدالله الخليفه، إدارة الحياة).

(الأرباح أوّلاً) او (الإنسان أوّلاً)؟
تهتم الشركات بتحقيق الربح السريع وتقليل التكاليف بجميع الوسائل الممكنة، وهذا قد يؤدي الى تسريح الموظفين في حالة الدورات الاقتصادية، فيفقد الموظفون انسجامهم وشعورهم بالاستقرار والأمان الوظيفي. لذلك تتعارض حوافز المؤسسة قصيرة الأجل مع حاجتها الماسة الى رأس المال البشري المدرب والمستدام. لحل هذه المعضلة، توصي النظرية إدارة الشركة بالانتقال من الربحية قصيرة المدى الى الربحية طويلة المدى تحت مفهوم (الإنسان أوّلاً):
الحوافز المؤسسية – سلوك الأفراد الإيجابي – التراكم – القدرة المؤسسية – نتائج طويلة المدى

نظام المؤسسة في نظرية الإنسان أوّلًا يقترح على إدارة الشركة تهيئة الظروف لتكامل الأفراد ضمن موازنة مصالح الأفراد والشركة دون الاخلال بحقوق الطرفين. هذا لا يعني خفض الأرباح بل ديمومتها وزيادة العطاء والإنتاجية، فثقافة (الإنسان أوّلاً) قد تنقل الإنتاجية الى منحنى جديد يضمن مستقبلاً باهرًا على عكس (الأرباح أوّلًا) والذي استنفذ أهدافه على حساب الأفراد. (عبدالجليل عبدالله الخليفه، يوميات الرئيس، صفحة 204)، (محاضرة الإنسان أولًا):

حركة التغير والتحقق على المستويات الفردية والاجتماعية والحضارية
هذه النظرية تضيء طريق التكامل الممكن على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع والمؤسسة.
ويجدر الذكر أنّ الأفعال التكاملية واضحة المعالم والدوافع وكذلك الأفعال التراجعية واضحة المعالم والدوافع، لذلك يمكن تصنيف أي فعل أنه تكاملي او تراجعي، لكن حتى يتم تشخيص التغير في مدة زمنية معينة، يمكن تحديد أهداف وسلوكيات يمكن قياسها ومقارنتها مع بداية المدة الزمنية ليمكن تحديد اتجاه التغير في هذا الجانب او ذاك من حياة الإنسان. فاتجاه التغير حين يكون إيجابيا في الجانب المعين خلال الفترة الزمنية المحددة دليلٌ على حركة تكاملية نحو الأفضل.

يمكن تحليل النظرية في مستويات متداخلة:
المستوى الأول: الفرد
الحاجات والدوافع والمعرفة والمرجعية الفكرية ثم الاختيار ثم الفعل ثم التغير الفردي.
المستوى الثاني: الأسرة والجماعة
الأفعال – التفاعل – العلاقات – الأنماط
المستوى الثالث: المؤسسة
الأنماط + القواعد + الأدوار + الموارد + الإدارة = مؤسسات
المستوى الرابع: المجتمع
تكامل المؤسسات + العلاقات + التراكم = قدرات اجتماعية
المستوى الخامس: الحضارة
التراكم طويل المدى للمعرفة والقدرات والإنجازات والمؤسسات – تحول نوعي ثم نقلة حضارية عند توافر الشروط.

مؤشرات التكامل
التكامل ليس حالة نهائية ثابتة يمكن قياسها قياسًا مطلقًا، وإنما يُنظر إليه باعتباره حركة مستمرة، لذا يمكن قياس بعض مظاهره من خلال مدى تحقق الحدود الأساسية، واتجاه التغير في الأبعاد المختلفة بطريقة تقريبية وليست دقيقة. وتختلف مؤشرات التكامل حسب اختلاف الموضوع الذي يتم دراسته، فهناك عدة مستويات يمكن تصميم مؤشر تكامل تقريبي لكل منها على حدة، رغم تداخلها وتأثيرها على بعضها البعض.

إن الهدف من حركة الإنسان هو التغير الايجابي نحو التكامل في جوانب النفس المختلفة. وحيث أن هذه أمور معنوية غالبا وهي ذاتية يجدها الإنسان في نفسه، لذلك لا يمكن لتقييم الآخرين الخارجي ان يكشف الخبرة الداخلية للفرد نفسه، بل لابد ان يتم تقييم هذا المؤشر كما يلي:
• التقييم الذاتي: لفهم الخبرة الداخلية كما يدركها الإنسان، بما فيها دوافعه ومشاعره وتقديره لقراراته.
• التقييم الخارجي: لتقييم السلوك والنتائج القابلة للملاحظة وفق معايير محددة.
• المقارنة بينهما: لفهم أوجه الاتفاق والاختلاف، بدل افتراض أن أحدهما يكشف الحقيقة كاملة.

مؤشر التكامل الفردي:
التكامل مفهوم كلي متعدد الأبعاد ينطبق على أغلب الأفعال الاختيارية التي يقوم به الإنسان، بينما مؤشر التكامل أداة قياس تقريبية لبعض مظاهره واتجاهاته، وليس ممثلًا كاملًا لحقيقة التكامل الإنساني. وتبرز أهمية الطموح التي تنعكس في الأهداف التي ينوي الفرد تحقيقها في حياته في جوانب خمسة رئيسية وهي الروحية والمادية والاجتماعية والصحية والفكرية، بالإضافة الى المجال الحيوي الذي يمكن للفرد ان يتميز ويبدع فيه.

• التكامل في المجال الحيوي يمثل محور اهتمام الفرد او المجتمع او الشركة. فقد يكون يتكامل شخص معين ويبدع في علوم الفلك مثلًا بينما يتفوق شخص آخر ويبدع في الخدمة الاجتماعية وآخر في تنمية الثروة المالية.
• الأهداف التي يجب قياسها في جوانب الإنسان الخمسة تختلف من شخص الى آخر ومن مؤسسة الى أخرى. وتحدد عتبة النجاح في جميع الجوانب وفق معايير قياسية قابلة للتعريف، مع مراعاة القدرة والظروف والمسؤولية وطبيعة المرحلة العمرية والاجتماعية، ويُستعان بالتقييم الذاتي والتقييم الخارجي والأدلة السلوكية عند الحاجة.
• مؤشر التكامل يمكن قياسه عبر تحقيق:

o عتبة النجاح في الجوانب الخمسة،
o اتجاه التغير الإيجابي في جميع الجوانب او بعضها على الأقل،
o المجال الحيوي ومستوى الابداع فيه من ناحية الإنجاز الذي يراد تحقيقه؟ وكيف سيُقاس الإنجاز؟ ومتى سيُقيّم تحقق الهدف؟

• بعد التأكد من اجتياز عتبة النجاح في الأبعاد الخمسة، يتم التقييم عن اتجاه التغير: (ان كان تكاملا في الجانب المعين يكون التقييم موجبًا 1 وان كان جمودًا يكون التقييم صفرًا وان كان تراجعًا يكون التقييم سالب 1)، لذلك تتراوح النتيجة +1 او صفر او -1 في كل من الجوانب الروحية والاجتماعية والفكرية والمادية والصحية، ويتم أيضا دراسة التغير في المجال الحيوي الذي يمثل طموح الفرد وتميزه وابداعه وهي مهمة جدًا فهذا الجانب هومن يحقق التميز الاجتماعي والحضاري.

• المرجعية الإلهية تعتبر الجانب الروحي من أهم الجوانب مع الأخذ بالأسباب المادية لتحقيق التغير الإيجابي في كل الجوانب. فالجانب الروحي هو محور التركيز في التكامل، وهو أيضًا ملتقى نتائج الجوانب الأخرى فالتغير الإيجابي الصحي او المادي او الفكري او الاجتماعي قد يصب في خدمة الجانب الروحي ويزيد في تغيره الايجابي بصورة غير مباشرة. لذلك فإن عتبة النجاح في الجانب الروحي تعتبر في المرجعية الإلهية البوابة الأولى للتكامل، وبعدها تأتي عتبة النجاح في الجوانب الأخرى ثم يأتي اتجاه التغير الإيجابي في الروحي وبعده الجوانب الأخرى.
• ترى المرجعية الإلهية أنّ التغير الايجابي عطاء وفيض وتوفيق من الله تعالى، فكل تحقق وتغير إيجابي يستوجب مزيدًا من الشكر لله على توفيقه ودفعًا للتقرب منه ويقينًا بأن هذه الحياة الدنيا عمل ولا حساب واليوم الآخر حساب ولا عمل. وإن حصل لا قدّر الله تغير سلبي في بعض الجوانب فهذا لا يعني الفشل، بل هو انذار بضرورة العمل على رأب الصدع وتصحيح المسار.
• مؤشر التكامل في المرجعية الإلهية قد يكون:

• عتبة النجاح في الجانب الروحي (البوابة الأولى)، عدم تحققها يعني تراجع وانتكاس أساسي يجب علاجه حالًا،
• عتبة النجاح في الجوانب الأخرى (البوابة الثانية)، عدم تحققها يعني تراجع مهم يجب دراسته وفهم أسبابه وتصحيحه حالًا،
• اتجاه التغير في كل جانب على حدة (البوابة الثالثة)، الجمود او التراجع في أي منها يحتاج الى دراسة وتصحيح للمستقبل،

• مدى الابداع في المجال الحيوي ومقدار التغير الإيجابي فيه.
اما المؤشر لدى غير الإلهيين فيمكن تقرير مستويات النجاح فيه اعتمادًا على أهمية كل جانب من الجوانب الخمسة.

أمثلة على مؤشرات قياس التكامل واتجاه التغير لدى الفرد:
يمكن قياس التكامل من خلال تحديد مستوى الإنسان في بداية فترة زمنية معينة، ووضع أهداف محددة وقابلة للقياس في الجوانب الخمسة، ثم إعادة تقييمها في نهاية الفترة لتحديد اتجاه التغير ومدى بلوغ عتبة النجاح المحددة مسبقًا ومدى ابداعه في المجال الحيوي. وسنطرح أمثلة على ذلك فقط لتقريب الفكرة، فقد لا تتناسب هذه الأهداف مع الكثير من الناس:

الجانب الصحي:
عتبة النجاح قد تكون: اجراء فحص سنوي والحمية اللازمة عن الأطعمة والمشروبات الضارة او ما يحقق صحة أفضل للفرد بقدر الإمكان،
هدف يمكن قياس اتجاه التغير فيه: المشي مدة ساعة يوميًا خمسة أيام في الأسبوع، او رياضة مناسبة يمكن قياسها حسب استطاعة الفرد.

الجانب المادي:
عتبة النجاح: العمل في وظيفة او اكتساب حرفة او عمل حر يحقق وسيلة عيش كريمة،
هدف يمكن قياسه: سداد دين او تنمية الثروة بمعدل يتجاوز التضخم بنسبة محددة، أو اكتساب مهارة مهنية جديدة.

الجانب الاجتماعي:
عتبة النجاح: بر الوالدين وتربية الأبناء والبنات بما يتناسب مع امكانات الفرد وظروفه،
هدف يمكن قياسه: تخصيص وقت منتظم للأسرة وصلة الرحم، أو تحقيق هدف محدد في تحسين علاقة اجتماعية.

الجانب الفكري:
عتبة النجاح: قراءة 100 صفحة أسبوعيا او ما يعادلها من سماع او مشاهدة مادة فكرية،
هدف يمكن قياسه: إتمام مقرر علمي، أو اكتساب معرفة جديدة يمكن التحقق من فهمها وتطبيقها.

الجانب الروحي:
عتبة النجاح: الالتزام بالواجبات الشرعية وترك المحرمات،
هدف يمكن قياسه: الانتظام في ممارسات روحية معينة مثل قراءة القران، أو تعزيز سلوك أخلاقي محدد ومراجعة مدى الالتزام به.

المجال الحيوي: أمثلة:
• تأسيس جمعية خيرية تهتم بشؤون المرضى والعجزة خلال عام واحد وتقديم أفضل الخدمات لعدد يفوق المائة فرد،
• تأسيس شركة تجارية خلال هذا العام وتحقيق عوائد مالية صافية بما يعادل ….. ريال سنويًا،
• انهاء ثلاثة بحوث علمية ونشرها في مجلات علمية خلال هذا العام.

ولا يقتصر القياس على هذه الجوانب منفردة، بل يمكن أن يشمل مؤشرات عابرة لها، مثل القدرة على تنظيم الوقت والأولويات، والاستمرار في تحقيق الأهداف، وتصحيح المسار عند التعثر، وتحقيق التوازن بين المجالات المختلفة، ومدى تأثير التحسن في أحدها في بقية المجالات.
وبناءً على ذلك، يمكن التمييز بين مستوى التكامل في بداية الفترة ونهايتها، واتجاه التغير الذي طرأ عليه، ومدى تحقق الأهداف وتجاوز عتبة النجاح. وتظل هذه المؤشرات أمثلة إجرائية قابلة للتطوير والاختبار، وليست مقاييس نهائية أو معايير موحدة لجميع الأفراد؛ إذ تختلف الأهداف باختلاف حاجات الإنسان وإمكاناته وظروفه ومرجعيته.

مؤشر التكامل العام
من المهم التركيز على أن تكامل الفرد هو اللبنة الرئيسية لتكامل الأسرة والمؤسسة والمجتمع وبناء الحضارة. لذلك هناك الكثير من تداخل الأهداف المشتركة بين المؤشرات المختلفة.
يمكن استخدام نفس المنهج والطريقة وتصميم مؤشر تقريبي لقياس التكامل على مستوى الأسرة، والمؤسسة والمجتمع والتكامل الحضاري وهي مستويات متداخلة في تكاملها.
• مؤشر تكامل الأسرة
• مؤشر تكامل المؤسسة
• مؤشر تكامل المجتمع
• مؤشر التكامل الحضاري

الاختبارات التجريبية الأساسية
هذه النظرية مقدمة لأصحاب التخصص في مراحل الدراسات العليا لاختبار انظمتها تجريبيًا وقياسيًا ومقارنتها بالبدائل المتاحة ومحاولة تفنيد او تصحيح أنظمتها المقترحة ونتائجها. وذلك قد يستدعي دراسات طولية تجرى على شرائح واسعة ولمدة سنة او سنتين يتم فيها تقرير ذاتي وسلوك قابل للملاحظة، وتقييم خارجي، ومقارنة بين التقييمين، وبيانات موضوعية عندما تكون متاحة، وقياسات زمنية وليست لحظية، لملاحظة التغير وتثبيت النتائج عبر التكرار او تفنيدها.

ماذا تضيف نظرية (الإنسان أوّلًا) الى النظريات الاجتماعية الأخرى:
(النظرية السوسيولوجية المعاصرة، أ. د. طاهر حسو الزيباري، صفحة 95-401) ، The Seven Habits of Highly effective People< Stephen R. Covey,2020, 448 pages

نظرية (الإنسان أوّلًا) تضيف إلى النظريات الاجتماعية التي سبقتها ما يلي:
1. الإنسان كنقطة بداية تحليلية.
2. حركة التغير والتحقق كإطار ديناميكي مستمر.
3. حب الذات القبيح كدافع للتراجع وحب الذات الحسن كدافع للارتقاء.
4. المرجعية الفكرية والأخلاقية كآلية لتحديد الخير والغاية والأولوية.
5. التدافع الداخلي كآلية اختيار بين الخيارات المتاحة.
6. التمييز بين الاختيار والنية والإرادة والقرار والفعل.
7. التأثير المتبادل بين الفرد والمؤسسة كآلية تعمل الحركة في أجوائها،
8. المؤسسة كبيئة تؤثر في الإنسان وليست مجرد نتيجة له.
9. التراكم كجسر الى النقلة الحضارية،
10. المنطقة الرمادية كآلية محتملة لاكتشاف أسباب الانحراف وكيفية معالجتها،
11. التكامل كمعيار نهائي لاتجاه التغير.
12. عتبة النجاح + اتجاه التغير كإطار للقياس+ المجال الحيوي للإبداع

البرنامج العلمي لقياس النظرية
ينبغي أن تمر النظرية بمراحل:

بناء أدوات القياس
↓
مقابلات معرفية
↓
دراسة استطلاعية
↓
اختبار الثبات والصدق والبنية
↓
دراسة طولية
↓
اختبار الآليات
↓
اختبار أثر البيئة والمؤسسات
↓
اختبار التراكم
↓
التكرار المستقل

حدود النظرية
تلاحظ الورقة الحدود التالية:
• تعقيد الدوافع حيث يصعب مثلًا عزل حب الذات عن المحبة والواجب والانتماء وغيرها،
• صعوبة قياس التدافع الداخلي فهو عملية داخلية لا يمكن ملاحظتها بصورة مباشرة،
• صعوبة قياس النية فقد لا يكون التصريح اللفظي بالنية يساوي حقيقة الدافع الداخلي،
• تعقيد التكامل فهو مفهوم مركب متعدد الأبعاد،
• اختلاف المعايير فعتبة النجاح تختلف بحسب: المسؤولية + القدرة + الظروف،
• تعقيد التراكم فلا يؤدي كل تراكم إلى تحول نوعي.

الاستنتاج
تقدم الورقة نظرية الإنسان أوّلًا للباحثين من أجل الاختبار والقياسات التجريبية أملًا في اثباتها او تصحيحها او تفنيدها. فهي إطار مقترح لفهم حركة الإنسان وتغيره المستمر ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية والمؤسساتية والبيئية. وتضع النظرية الإنسان في نقطة البداية دون أن تعزله عن المجتمع، وتضع المرجعية الفكرية في موقع يؤثر في تصوره للخير والغاية والواجب، وتتعامل مع حب الذات بوصفه دافعًا أساسيًا للتغير قابلًا للتهذيب والارتقاء ضمن دوافع أخرى كثيرة.
وتقترح النظرية أنّ المرجعية الفكرية والحاجات والرغبات والظروف والامكانات والدوافع ومنها حب الذات تطرح عدة خيارات لأفعال متاحة، حيث يحدث التدافع الداخلي في نفس الإنسان حيث يتم اختيار الفعل وهو إما أن يكون تكامليًا او تراجعيًا.
ويعمل التأثير المتبادل بين الفرد والمؤسسة خلال الحركة كلها، ويتراكم الإنجاز عبر البنى والمؤسسات وقد يتطور ليحدث النقلة الحضارية، وهذه السلسلة ليست حتمية.
وقد تتعرض الحركة في أي مستوى من مستوياتها للانحراف، كما يمكن الوقاية منه واكتشافه وتصحيحه وإعادة توجيه المسار.
ويشكل مفهوم التكامل النتيجة الاتجاهية النهائية للتغير، ولا يعني حالة نهائية ثابتة، بل مسارًا مستمرًا يمكن رصده عبر: عتبة النجاح + اتجاه التغير عبر الزمن+ الإبداع في المجال الحيوي.

الخاتمة
تقترح هذه الورقة نظريةً عامةً لفهم حركة الإنسان والمجتمع والحضارة، تتجاوز النظر إلى الإنسان بوصفه حالة ثابتة أو متغيرًا منفردًا، وتنظر إليه بوصفه متغيرًا عبر الزمن، فهو لا يتحرك تحت تأثير عامل واحد، بل يتحرك داخل شبكة من المرجعية الفكرية والأخلاقية والدوافع والمعرفة والوعي والقدرات والظروف والبيئة والمؤسسات. والمؤسسات بما لها من قواعد وأدوار وموارد وإدارة واستمرارية نسبية، ليست مجرد نتيجة متأخرة، وإنما جزء من البيئة التي يبدأ الإنسان حياته داخلها وتراكم إنجازاته ومعارفه وخبراته.
ولا تتجاهل النظرية إمكانية الانحراف؛ بل تعتبره مسارًا ممكنًا للتغير، وتحاول الوصول إلى جذوره المبكرة في الغموض والتبرير والتساهل والتكرار والحوافز والبيئة، وتضع الوقاية وإعادة التوجيه ضمن آليات التعامل معه.
ولا تزعم هذه الورقة أنها أثبتت صحة النظرية، وإنما تقدم بناءً نظريًا قابلًا للاختبار ليتم اكتشاف أي من عناصرها يصمد أمام الواقع، وأيها يحتاج إلى تعديل، وأيها ينبغي التخلي عنه إذا لم تدعمه الأدلة.

المراجع:
• القرآن الكريم
• أ. د. طاهر حسو الزيباري (2016م)، (النظرية السوسيولوجية المعاصرة)، دار البيروني للنشر والتوزيع، 572 صفحة.
• عباس بن محمد رضا القمي (1428 ه، 2007م)، (مفاتيح الجنان والباقيات الصالحات)، مؤسسة انصاريان للطباعة والنشر، 876 صفحة.
• محمد تقي مصباح اليزدي، (1445ه، 2025م)، (نحو بناء الذات)، دار المعارف الحكمية، 428 صفحة.
• علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس (1429 ه، 2008م)، (اقبال الأعمال)، دار المرتضى للطباعة والنشر والتوزيع، 919 صفحة.
• محمد بن يعقوب الكليني، (1411ه، 1990م)، (أصول الكافي، الجزء الثاني)، دار التعارف للمطبوعات، 654 صفحة.
• محمد تقي مصباح اليزدي، (1436ه، 2015م) (المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، الجزء الأول)، دار التعارف للمطبوعات، 383 صفحة.
• عبدالجليل عبدالله الخليفه، (1440هـ/2018م)، (يوميات الرئيس)، الدار العربية للعلوم ناشرون، بالتعاون مع أطياف للنشر والتوزيع، 231 صفحة.
• عبدالجليل عبدالله الخليفه، (1448هـ/2027م)، (إدارة الحياة)، يصدر قريبًا.

• Mead, G. H. (1934): Mind, Self, and Society: From the Standpoint of a Social Behaviorist. University of Chicago Press.
• Stephen R. Covey (2020): The Seven Habits of Highly effective People:, Simon & Schuster, 448 pages.
• AbdulJaleel Al Khalifah, “Petroleum Industry 2020 – People First”, Journal of Petroleum Technology, October, 2006 to February 2007).
• محاضرة الإنسان أولًا Human First, Abduljaleel AlKhalifahو TEDxJuatha, January 2019, https://youtu.be/3OiBFB3KcpM?si=2D4oP87tPjWEX_5n

د. عبد الجليل الخليفه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *