في السادس عشر من أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للغذاء، وهي مناسبة تتجاوز الحديث عن أهمية توفير الطعام إلى طرح سؤال أكثر عمقاً: هل يكفي أن نأكل لنعيش، أم ينبغي أن نتعلم كيف نأكل لنحيا بصحة أفضل؟
لقد شهد علم التغذية العلاجية خلال السنوات الأخيرة تحولاً مهماً في فهم العلاقة بين الغذاء وصحة الإنسان. فلم تعد النظرة العلمية مقتصرة على حساب السعرات الحرارية أو قياس الوزن، بل أصبحت تشمل جودة الغذاء، وتأثيره في العمليات الأيضية، وصحة الأمعاء، والكتلة العضلية، والوقاية من الأمراض المزمنة.
ومن هنا تبرز حقيقة علمية مهمة: ليست كل الأطعمة المتساوية في السعرات متساوية في قيمتها الصحية وتأثيراتها الفسيولوجية.

من حساب السعرات إلى فهم جودة الغذاء
لسنوات طويلة، ارتبط مفهوم التغذية الصحية لدى كثيرين بمعادلة بسيطة: تناول سعرات أقل لتفقد وزناً أكبر. ورغم أن توازن الطاقة يظل عاملاً أساسياً في تنظيم الوزن، فإن الأبحاث الحديثة تؤكد أن جودة الغذاء وتركيبته الغذائية تؤثران أيضاً في الشبع، وتنظيم سكر الدم، وصحة القلب، وكفاية العناصر الغذائية.
فوجبة تحتوي على الحبوب الكاملة والبروتين والخضراوات والدهون غير المشبعة تختلف غذائياً عن وجبة غنية بالسكريات المضافة والدهون المشبعة، حتى لو تساوتا في السعرات الحرارية.
ولهذا تدعم التوصيات العلمية أنماطاً غذائية متوازنة، مثل النظام الغذائي المتوسطي، الذي يرتبط بتحسين عوامل الخطورة القلبية والأيضية.
الأغذية فائقة المعالجة… قضية صحية تستحق الانتباه
من القضايا التي حظيت باهتمام علمي متزايد العلاقة بين استهلاك الأغذية فائقة المعالجة والأمراض المزمنة.
فقد أظهرت مراجعة علمية واسعة نُشرت في المجلة الطبية البريطانية (BMJ) عام 2024 ارتباط ارتفاع استهلاك هذه الأغذية بعدد من النتائج الصحية غير المرغوبة، بما فيها أمراض القلب والسكري من النوع الثاني.
لكن الدقة العلمية تقتضي التأكيد أن معظم هذه الأدلة رصدية، ولا تثبت أن جميع الأغذية فائقة المعالجة تسبب الأمراض بصورة مباشرة. كما أن التصنيع الغذائي ليس ضاراً بطبيعته؛ فهناك أطعمة مصنّعة تحتفظ بقيمة غذائية جيدة.
والرسالة الأهم للمستهلك هي قراءة المكونات، والانتباه إلى السكريات المضافة والصوديوم والدهون المشبعة والألياف، بدلاً من الحكم على الغذاء من مظهره أو طريقة تسويقه.
صحة الأمعاء… عالم يتجاوز عملية الهضم
أصبح الميكروبيوم المعوي، وهو مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش في الجهاز الهضمي، أحد المجالات المهمة في الأبحاث الغذائية الحديثة.
وتشير الأدلة إلى أن الأنماط الغذائية الغنية بالألياف والمتنوعة في مصادرها النباتية تساعد على دعم بيئة معوية صحية، وقد تؤثر إيجابياً في وظائف أيضية ومناعية متعددة.
ومع ذلك، لا تزال بعض التطبيقات العلاجية المرتبطة بالميكروبيوم قيد البحث، ولا يصح اعتبار مكملات البروبيوتيك علاجاً عاماً لجميع المشكلات الصحية.
إن تناول الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة واللبن الرائب ليس مجرد نصيحة تقليدية، بل ممارسة تدعمها أدلة علمية متراكمة.
فقدان الوزن لا ينبغي أن يكون على حساب العضلات
مع التطور الكبير في علاجات السمنة، وخصوصاً الأدوية التي تعمل عبر مستقبلات (GLP-1)، برز تحدٍّ علاجي مهم يتمثل في المحافظة على الكتلة العضلية أثناء فقدان الوزن.
كذلك من يسعون وراء صيحات الحميات القاسية بغرض خسارة أكبر قدر ممكن من الوزن خلال فترة قياسية دون الاهتمام بممارسة التمارين البدنية كفيل بخسارة الكتلة العضلية، ناهيك عن الترهلات الغير مرغوبة في الجسم.
فانخفاض الوزن لا يعني بالضرورة أن جميع التغيرات في تركيب الجسم مرغوبة؛ إذ قد يصاحب فقدان الدهون انخفاض في الكتلة الخالية من الدهون، بما فيها العضلات.
ولهذا أصبحت كفاية البروتين، وممارسة تمارين المقاومة، ومتابعة الحالة التغذوية من العناصر المهمة في برامج إدارة السمنة، خصوصاً لدى كبار السن والأشخاص المعرضين لفقدان العضلات.
فالنجاح العلاجي لا يُقاس بعدد الكيلوغرامات المفقودة وحدها، وإنما بتحسن الصحة والقدرة الوظيفية واستدامة النتائج.

التغذية الشخصية… نهاية النظام الواحد للجميع
من أبرز التحولات في الممارسة المهنية الانتقال من الأنظمة الغذائية الموحدة إلى التغذية العلاجية الفردية.
فالمريض المصاب بالسكري تختلف احتياجاته عن مريض الكلى، كما تختلف المتطلبات الغذائية للمرأة الحامل عن كبار السن أو المرضى الذين يخضعون للتأهيل الطبي.
وتؤكد معايير الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2026 أهمية تفصيل العلاج الغذائي وفق الاحتياجات الصحية والتفضيلات الفردية والأهداف العلاجية.
كما تتوسع الاستفادة من التقنيات الحديثة، مثل مراقبة الجلوكوز وتقييم تركيب الجسم، بوصفها أدوات مساعدة لاتخاذ القرار السريري عند وجود داعٍ طبي، وليست بديلاً عن التقييم المهني المتكامل.
الغذاء… استثمار في صحة الإنسان ومستقبل المجتمع
في اليوم العالمي للغذاء، لا ينبغي أن تقتصر رسالتنا على مكافحة الجوع، بل يجب أن تشمل مواجهة سوء التغذية بجميع أشكاله، من نقص العناصر الغذائية إلى السمنة والأمراض المرتبطة بالأنماط الغذائية غير الصحية.
إن تعزيز الثقافة الغذائية يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويمتد إلى المؤسسات الصحية والإعلامية والسياسات العامة التي تجعل الخيارات الصحية أكثر توافراً وإتاحة.
وهنا تتجلى أهمية أخصائي التغذية العلاجية بوصفه عضواً أساسياً في الفريق الصحي، يترجم الأدلة العلمية إلى تدخلات عملية تراعي الحالة الطبية والظروف الاجتماعية والسلوك الغذائي لكل فرد.
كلمة أخيرة
لقد علّمنا تطور علم التغذية أن الإنسان ليس رقماً على الميزان، وأن الغذاء ليس مجرد معادلة حسابية بين ما نأكله وما نحرقه. إنه أحد المحددات الأساسية لصحتنا، وعنصر فاعل في الوقاية والعلاج والتعافي وجودة الحياة.
وفي هذه المناسبة العالمية، لنجعل رسالتنا واضحة:
[لا تجعل هدفك أن تأكل أقل فحسب، بل أن تأكل بوعي أكبر، وجودة أفضل، وبما يتناسب مع احتياجات جسمك وصحتك]
فالغذاء الجيد لا يصنع جسماً أخف وزناً بالضرورة، لكنه قد يصنع إنساناً أوفر صحة، وأكثر قدرة على الحياة.
______________________________________
المراجع العلمية:
1. American Diabetes Association Professional Practice Committee. Standards of Care in Diabetes—2026. Diabetes Care, 2026.
2. Lane MM, et al. Ultra-processed food exposure and adverse health outcomes: umbrella review of epidemiological meta-analyses. BMJ, 2024;384. https://doi.org/10.1136/bmj-2023-077310
3. EASL–EASD–EASO. Clinical Practice Guidelines on the Management of Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease (MASLD). Journal of Hepatology, 2024.
4. World Health Organization. Healthy Diet. WHO Fact Sheet, 2024.
5. Lichtenstein AH, et al. 2021 Dietary Guidance to Improve Cardiovascular Health: A Scientific Statement From the American Heart Association. Circulation, 2021.
6. Su GL, et al. AGA Clinical Practice Guidelines on the Role of Probiotics in the Management of Gastrointestinal Disorders. Gastroenterology, 2020.
* أ. ريده الحبيب: أخصائية التغذية العلاجية والرياضية – مركز الحبيب للتأهيل الطبّي.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية