ما الذي يمكننا أن نعرفه عنك من نقرة واحدة فقط على النت؟ – ترجمة عدنان أحمد الحاجي

?What can we learn about you from just one click
(جامعة كامبريدج – University of Cambridge)

سواء أعجبك الأمر أم لم يعجبك، يُسجل كل فعل تقوم به على الإنترنت تقريبًا: المواقع التي تزورها وعمليات الشراء التي تجريها، والأغاني التي تستمعها، وما تنشره أو تقرأه من نصوص على المواقع الاجتماعية، والصفحات التي تتابعها على الفيسبوك.  هذه البصمات الرقمية تمثل كنزًا من البيانات / المعلومات التي يمكن أن تكشف ليس فقط ما يعجبك وما هو منظورك للعالم، بل أيضًا من أنت (هويتك؛ شخصيتك) كشخص.

مصدر الصورة: unicef.org

في بحثنا بعنوان “الاستهداف النفسي(1، 2) كمقاربة فعالة للإستدراج الجماعي الرقمي” المنشور في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم(3)، تبين أنه يمكن استخدام هذه البصمات الرقمية للتأثير بشكل فعال في سلوك مجاميع كبيرة من الناس.  وذلك باستهداف المستهلكين برسائل استمالة مصممة خصيصًا لنوع سماتهم الشخصية الأساسية (على سبيل المثال درجة انفتاحهم أو انطوائهم (2، 4))، من الممكن زيادة احتمالية أن يتصرف الناس تصرفًا معينًا، كالنقر على إعلان تجاري (دعاية تجارية) أو شراء منتج تم الترويج له.

المبدأ الأساس وراء هذا النوع من الاستدراج المشخصن [المصمم لاستهداف نوع اشخاص معينين] ليس جديدًا: استخدم ممارسو التسويق البيانات السلوكية والديموغرافية منذ فترة طويلة لاستهداف مستهلكين برسائل مصممة خصيصًا لهم.  ولكن ما هو الجديد في هذا الأمر هو القدرة على التعرف على المستخدمين واستهدافهم بناءًا على سماتهم الشخصية(2) التي تعكس ميولهم وتفضيلاتهم واحتياجاتهم على مستوى أعمق وغريزي.

ربما ركزت الاستهدافات السابقة على السمات الديموغرافية أو السلوكية، مثل استهداف “النساء بأعمار تترواح بين 18 و 45 عامًا” اللاتي كن يبحثن عن مصطلح “كأس العالم لكرة القدم على قوقل في الفترة من الساعة الثانية إلى الرابعة مساءً آنذاك”. ومع ذلك، يمكن أن يركز الاستهداف النفسي(1) على السمات الشخصية الأساسية للشخص واحتياجاته النفسية(5)، والمعروفة بأنها تفسر ميوله وتتنبأ بها ضمن مجموعة متنوعة من السياقات.

الاستهداف النفسي في الميدان

في كل من الدراسات الثلاث، استهدفنا أكثر من 3.5 مليون مستخدم للفيسبوك.  اعتبارًا من ذلك الحين، لا تسمح إعلانات الفيسبوك التجاربة للمسوقين باستهداف المستخدمين بشكل مباشر بناءًا على سماتهم الشخصية. ومع ذلك، سمحت شركة الفيسبوك به بشكل غير مباشر، وذلك بإتاحة إمكانية الاستهداف بناءًا على “الإعجابات (اللايكات)” التي تحصل عليها مشاركات مستخدمي الفيسبوك.

على الرغم من أن الأبحاث السابقة أثبتت أنه يمكن للمرء أن يتنبأ بدقة بالسمات الشخصية للأشخاص(2) بعد الحصول على إذنهم للدخول على ملفاتهم الشخصية على الفيسبوك، فقد استفدنا من الميزات المتأصلة لمنصة الإعلان التجاري على الفيسبوك لتوجيه إعلاناتنا لاستهداف شرائح مستهلكين بعينها من سماتهم الشخصية المختلفة.  على سبيل المثال، إذا كان ميل “المعاشرة الاجتماعية” على الفيسبوك يتلازم مع سمة الانفتاح(4)، وإذا كان الميل إلى شيء آخر يتوافق مع الانطوائية(4)، فسيسمح لنا  استهداف المستخدمين الذين لهم علاقة بكل من هذه الإعجابات باستهداف المستخدمين المنفتحين والانطوائيين بشكل منفصل.

بعد ذلك، أرسلنا رسائل استدراجية في شكل إعلانات تجارية على الفيسبوك تتماشى مع السمات الشخصية أو تتعارض معها(2) لمستخدمي الانترنت.  أخيرًا، قمنا بقياس ردود أفعال مستخدمي الانترنت تجاه الإعلانات التجارية من خلال حساب عدد الإعلانات التجارية التي نقرها المستخدمون (أي عدد النقرات) وما إذا اشترى المستخدمون المنتج الذي تم الترويج له في الإعلان التجاري (أي عدد المتفاعلين مع الاعلان التجاري، وهو ما يعرف ب  conversions(6)).

في إحدى التجارب، على سبيل المثال، اخترنا متجرًا لبيع مستحضرات التجميل بالتجزئة عبر الإنترنت وصممنا إعلانات تجارية موجهة لمجموعات بعينها يمكن أن تَستهدف إما منفتحين أو انطوائيين، كما يتبين ذلك من إعجاباتهم على الفيسبوك.

وجدنا أن مطابقة محتوى الرسائل الاستدراجية مع السمات الشخصية(2) للمستخدمين أدى إلى زيادة في عدد النقرات وصلت إلى 40٪ ومشتريات أكثر بنسبة وصلت إلى 50٪ مقارنة بالرسائل غير المتطابقة مع السمات الشخصية للمستخدمين أو غير الموجهة لمجموعة من المستخدمين بعينها.

استجاب المنفتحون بشكل أكثر إيجابية لرسائل الإعلانات التجارية عندما كان إعلان بائع مستحضرات التجميل بالتجزئة يركز على تفضيلات واهتمامات المنفتحين (على سبيل المثال، عرض مجموعة نساء في فعالية اجتماعية وهن يرقصن ويمرحن، وكان هذا العرض مصحوبًا بنسخة من الإعلان التجاري تقول: ‘ارقصِ كما لو أنك وحدك لا يشاهدكِ أحد (في حين كان هناك من يشاهد).

وأما الانطوائيون استجابوا بشكل أكثر إيجابية لتلك الإعلانات التجارية التي ركزت على التفضيلات / الميول الانطوائية (على سبيل المثال، امرأة بمفردها في بيئة هادئة وهي تستمتع بوقتها، مصحوبةً بنسخة من الإعلان التجاري تقول: “الجمال طبيعته الهدوء فابحثِ عنه”).

التداعيات: خيرها وشرها

القدرة على التأثير في سلوك مجموعات كبيرة من الناس من خلال تصميم رسائل تجارية استدراجية وفقًا لاحتياجاتهم النفسية(5) يمكن توظيفها لمساعدتهم على اتخاذ قرارات أفضل، وتؤدي إلى حياة أكثر صحة وسعادة.

الطبيعة البشرية تحثنا بانتظام على التصرف بأساليب تركز على الفوائد القصيرة الأمد وإهمال التبعات السلبية الطويلة الأمد: فقط اسأل أي واحد حاوَل اتباع حمية غذائية عن مدى صعوبة مقاومته إغراء قطعة شوكولاتة ومع ذلك تناول تفاحة.  الشيء نفسه يمكن قوله عن ادخار الأموال: ادخار أموال لوقت الحاجة من المؤكد أن يكون أقل متعة من صرفه في شراء زوج أحذية جديد لفت انتباهه في لحظة من نافذة المتجر.  لذا، كيف يمكن أن يساعد الاستهداف النفسي(1) الناس في التغلب على قدراتهم البشرية المحدودة؟

لنأخذ مثال ادخار المال.  على غرار الطريقة التي يمكن أن يستدرج بها الاستهداف النفسي الناس بشراء منتج ما، يمكن استخدامه أيضًا لإقناع الناس بادخار المزيد من المال.  عند استهداف أشخاص معروفين أنهم منفتحون، يمكن أن تشجعهم الإعلانات التجارية على تخيل إنفاق مدخراتهم في عطلة صيفية مثيرة مع أصدقائهم في مدينة نابضة بالحياة ومبهجة تسمح لهم بممارسة أنشطة اجتماعية ودية.

وبالعكس، عند استهداف الانطوائيين، يمكن للإعلانات إبراز القدرة على استثمار مدخرات الواحد في تحويل منزله إلى ملاذ أكثر راحة ليهرب اليه من العالم الخارجي المحموم.  في كلتا الحالتين، الاستهداف النفسي(1) قد يساعد الناس على أحذ فوائد الادخار في الاعتبار، وفي النهاية ادخار المزيد من الأموال.

من ناحية أخرى، يمكن استخدام الاستهداف النفسي(1) لاستغلال نقاط الضعف في شخصية الناس وإستدراجهم بالتصرف ضد مصالحهم الفضلى. على سبيل المثال، كازينوهات الإنترنت يمكن أن تستهدف إعلانات موجهة للأفراد الذين لديهم سمات شخصية لها علاقة بالمقامرة المرضية [ادمان القمار (7)].

في الواقع، الاستهداف النفسي تمت دراسته على نطاق واسع في سياق قدرته على التأثير في نتائج الانتخابات.  على الرغم من أن صحة هذه الادعاءات لا تزال غير مؤكدة، فإن النتائج التي توصلنا إليها أثبتت كيف يمكن توظيف الإستدراج النفسي الجماعي للتلاعب بعقول الناس للتصرف بأساليب ليست في مصلحتهم الفضلى ولا في مصلحة المجتمع.

الخطوات التالية: اثارة النقاش النقدي

تظهر النتائج التي توصلنا إليها أن الاستهداف النفسي(1) مؤثر.  تقنية الاستهداف النفسي ليست خيالًا علميًا. بل واقع ملموس.  بالنسبة لنا، فإن أهم مناقشة نحتاج إلى إجرائها حاليًا ليس ما قد حدث أو لم يحدث في الماضي، ولكن ما بإمكاننا كأفراد وكمجتمع أن نفعله للمضي قدمًا.  الأسئلة الرئيسة التي نحتاج إلى الإجابة عليها في الحوار النقدي العام هي:

كيف نرغب كمستهلكين وكمجتمع بوجه عام في توظيف تقنية الاستهداف النفسي الجديدة هذه؟ وفي أي وضعية وحالة نريد تسهيل تطبيقها، ومتى نرغب في الحد منها؟ ولأي غرض علينا أن نوظفها ، ولأي غرض لا ينبغي لنا أن نوظفها؟ ما هي الاتفاقيات التي ينبغي أن يُسمح لنا بموجبها القيام بتنفيذها، وأي اتفاقيات تتطلب درجة من الشفافية؟

سبب بدئنا العمل على هذا البحث هو تقديم دليل تجريبي علي مدى فعالية الاستهداف النفسي.  نأمل أن تدعم هذه النتائج النقاش العام حول هذا الموضوع وذلك بإثبات مدى أهمية هذا الموضوع ومناسبته لكل من عامة الناس وصناع القرار الرئيسيين – كالمسؤولين المنتخبين وقادة الأعمال. نعتقد أنه من خلال إجراء مناقشة مفتوحة وشفافة، يمكن تطوير الحلول والضوابط والتوازنات في شكل تشريعات ولوائح وتدابير تقنية مضادة، والتي ستضمن أن الاستهداف النفسي مفيد كمحرك للخير لا للشر.

مصادر من داخل وخارج النص:
1-” الاستهداف النفسي (Psychological targeting) ينطوي على توجيه رسائل إعلانات تجاربة بشكل شخصي حسب السمات الشخصية الخمس الكبرى (2) للفرد” ، ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:
https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1810436115
3- https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1710966114
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/انطواء_وانفتاح
5-  “الحاجات النفسية هي عبارة عن مطالب نفسية فطرية وأساسية للوصول إلى السعادة والتكامل والنمو النفسي وهي تتمثل في الحاجة إلى الاستقلال والحاجة إلى الكفاءة / الجدارة والحاجة إلى الانتماء.  أما الاستقلال (autonomy) يقصد به شعور الفرد بأن أنشطته وأهدافه من اختياره تعكس إرادته وتتفق مع قيمه ومفهومه لذاته.  وأما الكفاءة / الجدارة (competence) يقصد بها رغبة الفرد في التعامل بفاعلية مع البيئة المحيطة والوصول إلى الأهداف المرغوبة.  ويقصد بالانتماء (relatedness) استعداد الفرد للتواصل مع آخرين والتفاعل معهم بأسلوب تعاوني ينطوي على الاهتمام والروابط الحميمية” ، مقتبس من نص ورد على هذا العنوان: https://jsc.journals.ekb.eg/jufile?ar_sfile=119862
6- https://support.google.com/google-ads/answer/6365?hl=en
7- “إدمان القمار (أو إدمان المقامرة) هي نوع من السلوك القهري الذي يدفع بصاحبه إلى القمار بشكل مستمر ومتواصل رغم وجود حاجة إلى التوقف عنه لكنه يواصل المقامرة رغم معرفته بالعواقب والتبعات السلبية لها” ، مقتبس من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/إدمان_القمار

المصدر الرئيس:
https://www.cam.ac.uk/research/discussion/opinion-what-can-we-learn-about-you-from-just-one-click

الأستاذ عدنان أحمد الحاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.