مصدر الصورة: iqna.ir

كيف يحافظ دفن الموتى على الانسان الحي – ترجمة عدنان أحمد الحاجي

How burying the dead keeps the living human
(بقلم: ديميتريس زيغالاتاس، أستاذ مشارك في الأنثروبولوجيا والعلوم النفسية، جامعة كونيتيكت – Dimitris Xygalatas, University of Connecticut)

لطالما اعتنى البشر بموتاهم – لدرجة أن علماء الآثار غالبًا ما يعتبرون طقوس دفن  الموتى من بين السمات1 التي تميز الإنسان [الانسان العاقل2] عن الأنواع الحية الأخرى.  بمعنى آخر، دفن الموتى جزء أساس من حياة الإنسان.

التعبير عن الاحترام

يهتم الأقارب بالموتى.  فقد مارس إنسان النياندرتال3 دفن موتاه، وربما مارست البشرانيات المنقرضة4، 5 الأخرى ذلك أيضًا.  يبدو أنه حتى الشمبانزي يحزن على موتاه الأقارب.  لكن لا توجد أنواع حية أخرى تذهب إلى هذا الحد غير العادي من الاهتمام بموتاها.

الصورة: محاكاة قبر إنسان نياندرتال في لا شابيل أو ساينتس ، فرنسا.

بصفتي باحث أنثروبولوجي6، فقد أمضيت عقدين في دراسة الطقوس7، خاصة تلك التي قد تبدو للوهلة الأولى “طقوسًا غير عادية8“. تبدو هذه العادات محيرة:  ويبدو أنه ليس لها فوائد مباشرة ولكن يمكن أن يكون لها بالقطع دلالة.  ومع ذلك، فإن نظرة فاحصة تظهر أن هذه التصرفات، التي تبدو بلا معنى، تعبّر عن احتياجات إنسانية عميقة بما للكلمة من معنى.

لوحة للفنان (Jon Foster) توضح كيف يتخلص انسان الناليدي (Homo naledi) من موتاه في كهف النجم الصاعد (Rising Star) بجنوب إفريقيا. على الرغم من أن مثل هذا السلوك المتقدم غير معروف في غيره من أشباه البشر الأوائل ، فإن الذين اكتشفوا الأحفوريات يقولون إنه لا يوجد تفسير منطقي آخر له.

خذ مثلًا الطقوس الجنائزية.  هناك حاجة عملية للتخلص من الجثث، ولكن معظم عادات الدفن تتجاوز هذه الحاجة. من بين شعب التوراجا (Toraja) في إندونيسيا9، على سبيل المثال، يُحتفظ بجثث أفراد الأسرة الموتى في المنازل لعدة أشهر أو حتى سنوات10.  خلال تلك الفترة،  يعاملون الأقارب جثث موتاهم وكأنهم ما زالوا أحياءً: يقدمون لهم الطعام ويغيرون ملابسهم ويحدثنوهم ب أخبار المجتمع.  حتى بعد الانتهاء من جنائزهم، يستخرجون جثثهم المحنطة ويلبسونها ثيابًا ويسيرون بها في موكب في أنحاء المدينة خلال المناسبات الاحتفالية.

أحفاد ألفريدا لانتونغ ، التي توفيت في عام 2012 ، يزورونها في نعشها في منزل العائلة بالقرب من رانتيباو، وهي بلدة في منطقة سولاويزي بإندونيسيا.

شعب توراجا ليسوا وحدهم.  في مدغشقر، زرت مجتمعات حيث يعيش الناس في أكواخ من القصب، تحت رحمة الأعاصير المتواترة والمدمرة، بالرغم من أن المباني القوية الوحيدة المبنية من الطوب والملاط في المنطقة تًستخدم كمقابر.  وفي مدينة البتراء القديمة في الأردن، كانت الأماكن11 التي نحتها الأنباط في الصخور منذ ألفي عام بمثابة أماكن لدفن الموتى12.

الصورة: مدخل مبنى قديم. نحته الأنباط في تلة الحجر الرملي (sandstone) في القرن الثاني بعد الميلاد ، ومن المحتمل أن هذا الهيكل الشاهق بدأ كمعبد.

قد تبدو هذه الممارسات وكأنها ممارسات شاذة، لكنها ليست كذلك.  في جميع الثقافات، يقوم الناس بتنظيف موتاهم وحمايتهم وتزيينهم ودفنهم بعناية. المسلمون يغسلون أجساد موتاهم ويكفنونها قبل دفنها13.  قد يغسل [يحمم] الهندوس أجساد موتاهم باللبن والعسل والسمن ويزينونها بالزهور والزيوت العطرية قبل حرقها14.  اليهود يحرسون موتاهم من وقت الوفاة حتى الدفن15. [المترجم: عملية غسل الموتى لدى اليهود يطلقون عليها طهارة tahara].  ويقيم العديد من المسيحيين مجلس إلقاء النظرة الأخيرة على المتوفى [عادة تعقد في بيت الموتى لدى الغرب وخاصة في ايرلندا التي عُرفت ب Irland Wake16] يجتمع فيها أفراد الأسرة لتقديم الاحترام للميت.

الطقوس الجنائزية لدى للهندوس

خاتمة الخاتمة

الطقوس الجنائزية هي ظاهريًا تخص الموتى.  لكن أهميتها تكمن في الأدوار التي تلعبها للأحياء: فهي تسمح لهم بالحزن وطلب المواساة ومواجهة حقيقة الموت والإستعانة بذلك لاكتساب القوة للمضي قدمًا. إنها تصرفات إنسانية بما للكلمة من معنى، ولهذا فإن الحرمان منها يمكن أن يكون مدمرًا وتجردًا من الإنسانية.

من المسلم به على نطاق واسع أن الحاجة إلى دفن الموتى أمر لا بد منه – ليس فقط من قبل علماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس، ولكن أيضًا من قبل الأشخاص المستجيبين الأوائل للحالة [كالمسعفين] ومن قبل الحكومات والمنظمات الدولية17.  ولذلك تبذل الجيوش قصارى جهدها لإعادة رفات جنودها إلى عوائلهم، حتى لو استغرق ذلك عقودًا.

مصادر من داخل وخارج النص:
1- https://aeon.co/essays/why-we-should-bury-the-idea-that-human-rituals-are-unique
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/إنسان
3-https://www.pnas.org/doi/full/10.1073/pnas.1316780110
4- https://www.nationalgeographic.com/adventure/article/150915-humans-death-burial-anthropology-Homo-naledi
5- “البشرانيات أو القردة العليا التي يعرف أعضاؤها بالقردة الكبرى أو العليا هي عائلة تصنيفية من الرئيسيات التي تتضمن ثمانية أنواع موجودة في أربعة أجناس: إنسان الغاب، إنسان الغاب البورنيوي، إنسان الغاب السومطري، إنسان الغاب التابانولي، الغوريلا الغريبة، الغوريلا الشرقية، البان، القردة الشائعة والبونوبوس والبشراني التي تضم الإنسان العاقل وأقربائه المنقرضين (إنسان نياندرتال إلخ) وأسلافه كالإنسان المنتصب“. مقتبس من نص ورد على هذا العنوان: ttps://ar.wikipedia.org/wiki/بشرانيات
6- https://anthropology.uconn.edu/person/dimitris-xygalatas/
7- https://www.hachettebookgroup.com/titles/dimitris-xygalatas/ritual/9780316462402/
8- https://aeon.co/essays/how-extreme-rituals-forge-intense-social-bonds
9- https://ar.wikipedia.org/wiki/توراجا
10- https://www.npr.org/sections/goatsandsoda/2019/09/29/764638760/photos-the-dead-live-with-their-loved-ones-on-this-indonesian-island
11- https://www.nationalgeographic.com/history/article/lost-city-petra
12- https://www.jstor.org/stable/41622199
13- https://www.mfs.asn.au/ghusl.html
14- https://www.australiancouncilofhinduclergy.com/funerals.html
15- https://www.myjewishlearning.com/article/tahara/
16- https://rip.ie/article.php?AID=32
17- https://www.who.int/publications/i/item/management-of-dead-bodies-after-disasters
18- https://ihl-databases.icrc.org/customary-ihl/ara/docs/v2_rul_rule115

المصدر الرئيس:
https://theconversation.com/how-burying-the-dead-

الأستاذ عدنان أحمد الحاجي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.