مصدر الصورة: statnews.com

كيف أحدث مشروع الجينوم البشري ثورة في فهم حمضنا النووي – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

How the Human Genome Project revolutionized understanding of our DNA
(Tina Hesman Saey – بقلم: تينا هيسمان سايي)

قرن من الإبداع والتقدم التقني علمنا قراءة القصص في جيناتنا

في أكتوبر 1990، شرع علماء الأحياء رسميا في واحدة من أكثر الجهود العلمية طموحا في القرن: قراءة 3 مليارات زوج من الوحدات الفرعية الوراثية – أ (A) و تي (T) و سي (C) و جي (G) – التي تشكل كتاب التعليمات البشري.

الحلزون المزدوج الأيقوني، هيكل الحمض النووي الخاص بنا، زيَّن غلاف نشرة  “أخبار العلوم” (Science News) عدة مرات. مصدر الصورة: جيريمي ليونغ.

وقد وعد المشروع بفتح فهمنا لعلم الأحياء الأساسي، والكشف عن العلاقات بين أشكال الحياة التي لا تعد ولا تحصى على هذا الكوكب، وتحويل الطب من خلال رؤى ثاقبة في الأمراض الوراثية والعلاجات المحتملة. وعندما تم الإعلان عن مسودة كتاب التعليمات في عام 2000، وبعد أن قرأ العلماء كل حرف بشكل أساسي، وصفه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بأنه “إنجاز مذهل ووديع” وتوقع أنه “سيحدث ثورة في تشخيص معظم الأمراض البشرية، إن لم يكن جميعها، والوقاية منها وعلاجها”.

وحتى الحلم بمثل هذا المسعى يعتمد على عقود من الاكتشافات السابقة. ففي عام 1905، اقترح عالم الأحياء الإنجليزي ويليام باتسون، الذي ناصر عمل الراهب النمساوي غريغور مندل[١]، مصطلح علم الوراثة لمجال دراسة جديد يركز على الوراثة والاختلاف. وفي أوائل العقد التالي، أظهر عالم الأحياء الأمريكي توماس هانت مورغان وزملاؤه أن الجينات تُحْمَل على الكروموسومات.

وكان علماء الكيمياء الحيوية يدرسون الحمض النووي منذ ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن عندما ساعد أوزوالد أفيري وفريقه في معهد روكفلر في مدينة نيويورك في الأربعينيات من القرن الماضي في إثبات أن الحمض النووي هو المادة الوراثية. وربما الأبرز والأكثر شهرة اليوم هو اكتشاف عام 1953 لهيكل الحلزون المزدوج للحمض النووي، من قبل جيمس واتسون وفرانسيس كريك من جامعة كامبريدج وروزاليند فرانكلين وموريس ويلكنز من كينغز كوليج لندن.

ولكن عندما نشرت مسودة كتاب التعليمات لأول مرة، بشكل مستقل من قبل مجموعة دولية من المختبرات الأكاديمية والحكومية تسمى مشروع الجينوم البشري والشركة الخاصة سيليرا جينومكس (Celera Genomics) [٢] ، بقيادة ج. كريغ فنتر، كان النص “ملفتا للنظر لما لا نراه وما نقوم به”، ذكرت أخبار العلوم (Science News) الصادرة في 17 فبراير 2001 صفحة 100. وكان هناك العديد من الجينات أقل مما كان متوقعا، مما ترك لغزا حول الغرض من كل الحمض النووي المتبقي.

وفي العقود التي تلت ذلك، عبأ العلماء بعض (معلومات) هذا اللغز – تحديد مجموعة من الجينات، على سبيل المثال، التي لا تصنع البروتينات ولكنها لا تزال ضرورية في الجسم. وبحث باحثون آخرون في كتاب التعليمات للعثور على علاجات جديدة للأمراض ومعرفة كيفية ارتباطنا جميعا – ليس فقط الناس، ولكن كل الحياة على كوكب الأرض، في الماضي والحاضر.

ولاستكشاف إلى أي مدى وصل فهمنا لحمضنا النووي، تحدثت الكاتبة الأولى ومراسلة علم الأحياء الجزيئية في نشرة “أخبار العلوم Science News” تينا هيسمان ساي مع إريك غرين، مدير المعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري في المعاهد الوطنية للصحة في بيثيسدا، بولاية ماريلاند.

وقد بدأ غرين في علم الجينوم في مختبر ماينارد أولسون في جامعة واشنطن في سانت لويس، رائدًا في هذا المجال. وفي الوقت نفسه، كانت ساي طالبة دراسات عليا في علم الوراثة الجزيئية، تعمل أسفل الممر. وتتذكر كطالبة جامعية تسلسل جينات البكتيريا من 50 إلى 100 وحدة فرعية كيميائية، أو قاعدة، في وقت واحد. “لقد أذهل ذهني تماما فكرة أنه يمكنك تجميع 3 مليارات قاعدة”.

تينا هيسمان ساي، مراسلة البيولوجيا الجزيئية، أخبار العلوم. مصدر الصورة: ماثيو راكولا

؛؛المحادثة التي تتبع، والتي تم تعديلها من أجل الطول والوضوح (اختصارها في مجموعة من المستخلصات)، تنظر إلى الوراء على المشروع وإلى الأمام إلى كل ما تبقى للتعلم؛؛

إريك غرين، مدير المعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري

بدايات طموحة

  • بدأ مشروع الجينوم في أكتوبر 1990، وكان هناك بعض الأفكار حول كيفية البدء، ولم يكن هناك أي فكرة حقا عن كيفية انجازها. كانت الرؤية المقنعة للغاية لسبب أهمية المشروع هي التي حفزت الحماس ليس فقط بين مجموعة من العلماء، ولكن أيضا بين وكالات التمويل والحكومات والممولين الخاصين من جميع أنحاء العالم.
  • بدأ مختبر روبرت ووترستون (في جامعة واشنطن)، الذي حصل على واحدة من المنح الأولى من مشروع الجينوم البشري، مع “سي إليغانس” ( elegans)[٣]، جينوم الدودة المستديرة، ورسم العلماء خرائط الجينات ثم سلسلوا كل قطعة، ولكن في نهاية التسعينيات، كانت هناك ثورة تسلسل البندقية (Shotgun Sequencing)[٤] بقيادة شخصية مثيرة للجدل، كريغ فنتر. وقد حدد كريغ أن هناك مقاربات (نُهُج) يمكن استخدامها حيث لم يكن عليك القيام بالتسلسل المجزأ. والفارق المهم هو أن الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها إعادة تجميع [القطع] بعد ذلك كانت من خلال وجود العديد من عناصر رسم الخرائط التي تسمح لك بتعليق القطع معا وتنظيمها. وساعدت الكثير من الخرائط الدقيقة التي تم القيام بها، ورسم الخرائط المضنية، في توفير إرشادات تنظيمية. وغطته الصحافة كسباق، وغطته كخيار “أ” مقابل الخيار “ب”. وما كان يقود التغيير، بالطبع، هو التقدم التقني ليس فقط على دكة المختبر بل أيضا التقنيات الحاسوبية، التي أحدثت قفزة هائلة في التعامل مع تحليل البيانات بعد أن كانت تدون يدويا وترسل بالفاكس ويتم تحليلها بالعين.
كان إريك غرين (يمين) ومعلمه، رائد علم الجينوم ماينارد أولسون، لاعبين رئيسيين في مشروع الجينوم البشري. في الصورة، يستعرض الاثنان البيانات لتطوير استراتيجيات رسم خرائط الجينوم قبل بداية المشروع في عام 1990 بقليل. مصدر الصورة: المعهد الوطني لأبحاث الجينوم البشري (NHGRI)

القمامة تقود إلى منجم الذهب

  • في عام 2000 كان المؤتمر الصحفي الكبير للإعلان عن المسودة الأولية للجينوم البشري. كان اكتشافا كبيرا أن هناك تلك الصحاري الكبيرة بين الجينات، وأنه لم يكن لدينا ما يقرب من العديد من الجينات كما كان يظن.
  • جادل البعض بأن تسلسل الجينوم من النهاية إلى النهاية مضيعة للوقت؛ وقالوا يجب فقط تركيز الجينات وتسلسلها، كما لو أن كل الثراء الأحيائي للبشر سيقيم في الجينات. وتبين أنه في حين أن 1.5 في المائة فقط من أحرف الجينوم البشري مشفرة مباشرة لما يعرف كلاسيكيا باسم جينات ترميز البروتين – الحمض النووي الذي يتم تحويله إلى الحمض النووي الريبي، والذي يتم تحويله إلى بروتين – هناك جزء أكبر بكثير من الجينوم البشري مهم أحيائيًا ويتم الحفاظ عليه نشوئيًا. لقد وسع تعريف الجين، لأنه في بعض الأحيان قد يصنع الحمض النووي الريبي، وقد ينفجر الحمض النووي الريبي ويقوم بجميع أنواع الأشياء الأحيائية.
  • هناك مجموعة كاملة من التسلسلات التي هي أكثر وفرة بكثير من التسلسلات الجينية، والتي تقوم حقا بكل تصميم خطوات وحركات التراقص في جينوماتنا من حيث تحديد متى وأين وكم يتم تشغيل الجينات، وفي أي خلايا وأي أنسجة، وفي أي مراحل تنموية، وتحت أي ظروف، وما إلى ذلك. وقد دفع هذا إلى التفكير في جميع الوظائف الأحيائية الأخرى في الحمض النووي خارج الجينات، وساعدت تقنية الكمبيوتر لأن العين البشرية ستفشل فشلا ذريعا في معرفة ذلك.
  • علم الأحياء الحاسوبية والمعلوماتية الحيوية وعلم البيانات هي أدوات البحث المهيمنة للمساعدة في توضيح كيفية عمل التسلسلات غير المشفرة في الجينوم البشري، وكيف يفعلون ذلك في تصميم تراقص مصنوع بعناية فائقة مع الجينات.
يقف رئيس الولايات الأمريكية الأسبق بيل كلينتون (في الوسط) مع ج. كريغ فنتر من سيليرا جينوميكس (يسار) وفرانسيس كولينز من المعاهد الوطنية للصحة (يمين) في يونيو 2000 للإعلان عن الانتهاء من المسودة الأولى للجينوم البشري. مصدر الصورة: جويس نالتشايان / وكالة فرانس برس عبر غيتي إيميجز
  • لم يكن بالإمكان تصور أن الحمض النووي الريبي الذي لم يصنع البروتينات سيكون في الواقع مهما لشيء ما. كانت الجينات التي تم نسخها من الحمض النووي الريبي تعتبر جينات مكسورة أو جينات زائفة. وتنفجر إنزيماتنا وتصنع مجموعة من الحمض النووي الريبي لأنها لا تعرف كيفية التحكم في نفسها.
  • عندما تجد جينا لترميز البروتين، فأنت لا تصنع بروتينا واحدا فقط، بل تصنع، في المتوسط، سبعة أو ثمانية إصدارات مختلفة من هذا البروتين من نفس الجين. بعد نسخ الحمض النووي الريبي من الحمض النووي، يمكنك مزج الأجزاء الصغيرة من الجين ومطابقتها لصنع بروتينات جديدة تماما. وبعد ذلك يمكنك التعامل مع كل هذه المجموعات الكيميائية الصغيرة الأخرى لتغيير الطريقة التي تعمل بها الأشياء.
  • أثناء تحضيره الدكتوراه، كان غرين يعمل على مجموعة من البروتينات، وبدرس كيف تمت إضافة جزيئات السكر إليها بعد صنعها، وكيف، اعتمادا على الأنسجة التي صنعت فيها، حصلت (البروتينات) على هياكل مختلفة من جزيئات السكر المرفقة. فقد تبدأ بجين واحد، ويمكن أن ينتهي بك الأمر بحمض نووي ريبي متعدد يؤدي إلى بروتينات مختلفة متعددة. ويمكن أن يكون لكل من هذه البروتينات تعديلات مختلفة اعتمادا على الأنسجة والظروف ومرحلة التطور وما إلى ذلك. وهذا هو التضخيم المذهل للتعقيد، إنه ليس في رقم جيننا، وأمامنا طريق طويل لنقطعه لفهم كل هذا بشكل كامل.
  • بلغ عدد جينات ترميز البروتين في تحليل حديث للجينوم البشري 19,999، وبلغ العدد الإجمالي للجينات 37,755، بما في ذلك تلك التي تصنع الحمض النووي الريبي ولكن ليس البروتينات، في نفس التحليل. (المصدر: أ ڤ زيمين وآخرون، مجلة علم الوراثة 2021).
  • شيء آخر يفاجئ الناس حقا هو مقدار جينومنا المصنوع من الفيروسات المنقرضة والترانسبوزونات، وهي الجينات القافزة التي لا تزال تحجل في جينومنا. ويمكن أن تسبب الترانسبوزونات مشاكل في بعض الأحيان، ولكن تم الحصول أيضا على الكثير من الابتكارات منها، بما في ذلك المشيمة البشرية، وربما بعض الأشياء حول الطريقة التي يعمل بها دماغنا. لذلك، نحن لسنا حتى بشرا بالكامل، فنحن فيروسات كثيرة. ونحن أيضا لسنا جميعا الإنسان العاقل. كثير من الناس يحملون قطع النياندرتال من وقت تعايش فيه النياندرتال والإنسان العاقل، وتزاوجوا بالفعل، ولكن ليس كل شخص في العالم لديه ذلك، وهو أمر مثير للاهتمام أيضا.
  • أحد جوانب علم الجينوم هو أنه لم يعلمنا ويعطينا كتاب التعليم الأحيائي فحسب، بل أعطانا أيضا سجلا رائعا للنشوء، يمكننا استخدامه لتعلم الكثير من الأشياء عن نشوئنا، وعن الهجرات البشرية، وعن جوانب البشر في هذا العالم.

تركيز على التنوع

  • معظم الأشخاص الذين يتفاعلون مع الحمض النووي ومع الجينوم البشري هذه الأيام يفعلون ذلك من خلال اختبار النسب واختبار الحمض النووي للمستهلك. لذا يمكنك تحديد الجزء من العالم الذي جاء منه الحمض النووي للناس. وهذا يدخل في الكثير من النقاش حول العرق، وما إذا كان للعرق أساس أحيائي، وماذا قد يعني ذلك للطب.
  • كان هناك الكثير من الانتقادات مؤخرا لعلم الوراثة وعلم الجينوم، لأنه يعتمد كثيرا على الحمض النووي للأشخاص من أصل أوروبي. ولكن هناك قدر كبير من التنوع الجيني في العالم بين البشر، وخاصة في أفريقيا، حيث بدأ البشر. لم ينجح علم الجينوم في التأكد من التقاط ما يكفي من تنوع السكان فيما يتعلق بالعينات التي استخدمت لإجراء الدراسات الجينية والجينومية، وهذا يحد من القدرة على نقل التحليلات الجينية والطب الجينومي في نهاية المطاف إلى مجموعات سكانية ليست من أصل أوروبي. وهكذا هناك أولوية عالية من خلال عدد من الجهود في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة، للعمل بجد لالتقاط المزيد من التنوع في سكان العالم في جميع الدراسات التي نقوم بها.
  • إن وجوب حصول الجميع على معلومات حول جينوماتهم ليس فقط الشيء الصحيح عمله اجتماعيا، بل هذا مهم جدا طبيا.
  • كان هناك الكثير من الحديث عن الطب العرقي، وهناك بعض الأمراض التي تميل إلى التجمع في مجموعات سكانية معينة من أصل مشترك، وفي كثير من الأحيان يتم تمثيل اولئك بمجموعات عرقية. لكن التجميع العرقي هو في الحقيقة بناء اجتماعي له عيوب عديدة، فلا يمكن تجاهل بعض الارتباطات الموجودة مع بعض الأمراض أو استجابات معينة للأدوية في مجموعات معينة. لكنها أداة حادة جدا لاستخدامها، والطريقة التي يمكن بها القيام بذلك بشكل أفضل هي تتبع السمات الجينومية المحددة بدقة أكبر، بدلا من بعض الخصائص العرقية. لذلك ينبغي التفكير في طرق أفضل لتجميع الأفراد والسكان ووضع استراتيجيات لهم.

 التنوع مفقود

  • يمكن لدراسات الارتباط على مستوى الجينوم الكشف عن المتغيرات الجينية الشائعة التي قد تساعد، على سبيل المثال، في تفسير قابلية الفرد للمرض. ولكن حتى يناير 2022، كان المشاركون في هذه الدراسات أوروبيين بأغلبية ساحقة، مما ترك مجموعات أخرى ممثلة تمثيلا ناقصا.

أسلاف الأفراد في دراسات الارتباط على مستوى الجينوم حتى يناير 2022

European = اوربيون ؛ Asian = آسيويون ؛ Hispanic or Latin American = اسبانيول وامريكان لاتينيون ؛ African American or Afro-Caribbean = امريكان افريقيون ابو كاريبيون ؛ African = أفارقة ؛ Other = آخرون
المصدر: إي. أوتويل، غواس دايفرسيتي مونيتر(GWAS DIVERSITY MONITOR)
  • الناس على دراية بما يسميه العلماء تعدد أشكال النوكليوتيدات المفردة، وما قد يشير إليه أناس آخرون باسم الطفرات. ولكن هناك الكثير من الطرق الأخرى التي يمكنك من خلالها تحقيق التنوع في الجينوم: يمكن أن تفتقد جينات كاملة أو أجزاء كاملة من الكروموسومات أو يمكن أن يكون لديك ازدواجية في جينات معينة.
  • جميع أشكال التنوع الجيني ليست ذات صلة أحيائيًا فحسب، بل تثبت أنها ذات صلة طبية. يمكن أن تكون الاختلافات ذات الصلة طبيا في جينومنا حرفا واحدا أو سلسلة من الحروف، مما قد يعني وجود أحرف إضافية أو شرائح إضافية أو شرائح مفقودة، ويمكن أن يكون إعادة ترتيب للشرائح. من المعروف بالفعل أن كل واحد من أنواع الاختلافات مهم في الأمراض البشرية، وسيكون في نهاية المطاف مهمًا للطب التشخيصي وتنفيذ الطب الجينومي.
  • في المستقبل، سيتمكن الناس من الحصول على تسلسل الجينوم الكامل من النهاية إلى النهاية كجزء من رعايتهم الطبية، وربما حتى عند الولادة. وستصبح التقنيات متاحة وغير مكلفة بما يكفي لجعلها جديرة بالاهتمام.

ماذا بعد؟

  • أنجز المعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري في أمريكا مؤخرا عملية تخطيط استراتيجي لمدة عامين ونصف لطرح هذا السؤال بالذات لهذا العقد المقبل، وتم نشر رؤية المعهد الاستيراتيجية لعام 2020، وبعضها تطبيقات علم الجينوم على الطب.
  • لا زالت الحاجة إلى تقنيات أفضل وأرخص للسماح بقراءة تسلسل الجينوم البشري بتكلفة زهيدة في الإعدادات السريرية، هناك حاجة إلى تفسير كامل شامل لكل قاعدة من الجينوم البشري، ليس فقط عن الجينات، بل إلى معرفة كل هذه المناطق غير المشفرة، وإلى فهم كل متغير بشري يمكننا العثور عليه في سكان العالم. ويبدأ ذلك في توجيهنا إلى فهم الأساس الجينومي للمرض وأيضا للتفكير في كيفية استخدامنا المعلومات حول التباين الجينومي في ممارسة الطب.
  • سيواصل المعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري في أمريكا التفكير في الآثار المترتبة على هذه التطورات الجينومية على المجتمع؛ كيف سنتأكد من أن الناس يفهمون ذلك، ومن تطبيق الأمور بشكل عادل، ومن أنه لا يؤدي إلى تفاقم أوجه عدم المساواة في المجتمع، وكيف سيتم التعامل مع مجموعة كاملة من القضايا المتعلقة بالخصوصية.
ظل القاتل المتسلسل والمغتصب جوزيف جيمس دي أنجيلو ، الذي ظهر أثناء توجيه الاتهام إليه عام 2018 ، تحت المراقبة  لعقود حتى تم تعقبه عبر الحمض النووي الذي تم تتبعه من خلال قاعدة بيانات جينية للمستهلك. المصدر: جوليان سوليفان / صور غيتي
  • هناك الكثير من الأشخاص المهمشين تاريخيا الذين لا يريدون أي جزء من البحوث الجينية بسبب الطريقة التي عولجت بها مجموعاتهم في الماضي، حيث كان هناك تاريخ الاستعمار. وتقول هذه المجموعات، إذا كنا سنفعل علم الوراثة على شعبنا، فيجب أن يقوم أناسنا بذلك لأجلنا.
  • إذا كان علم الجينوم سيكون مجالا ناجحا، خاصة في انتقاله إلى الطب، فلا بد من التأكد من إشراك الناس من جميع المجتمعات المختلفة، وجميع تعريفات التنوع، والتأكد من استفادتهم منه. وفي رؤية المعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري في أمريكا الاستراتيجية لعام 2020، تم تأكيد ذلك لدرجة أن أول شيء فعله المعهد في عام 2021 هو إصدار ما يسمى جدول أعمال لتعزيز تنوع القوى العاملة في مجال علم الجينوم.
  • تجربة أخرى في المعاهد الوطنية للصحة هي مشاركة العلماء الأفارقة وتمكينهم بشكل أكبر في القيام بعلم الجينوم. ومن خلال برنامج يسمى اتش3 افريقا (H3Africa)، برنامج الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا، الذي مولته المعاهد الوطنية للصحة وصندوق ويلكوم الوقفي، يتمثل الشعار الفلسفي في تمكين العلماء الأفارقة من إجراء جميع الدراسات وبناء القدرات هناك.
  • يمكن أن يكون جينوم شخص ما متسلسلا تماما، ومن ثم يمكن لطبيبه استخدامه. وهناك معضلة تتمثل في التمييز ضد بعض الأشخاص إذا لم يتم إصلاح عيوبهم الوراثية، وبطريقة ما بإنشاء فئة من الأشخاص الأقل شأنا والأشخاص الأكثر كمالا الذين ليس لديهم العيوب الوراثية التي يعاني منها الجميع.
  • ما يقوم به مشروع الجينوم هو سيف ذو حدين، فعلى حد واحد منه توجد هذه الفرص المذهلة لتحسين ممارسة الطب، وعلى الحد الآخر، كما هو الحال مع العديد من التقنيات، يمكن استخدامه بطرق غير مقبولة اجتماعيا. ولهذا احتضن علم الجينوم واستثمر منذ البداية وبشكل دائم في أبحاث الآثار الأخلاقية والقانونية والاجتماعية، للتأسيس لقاعدة أدلة لبناء السياسات، وفي بعض الحالات، القوانين. وفي الولايات المتحدة هناك قانون “عدم التمييز في المعلومات الوراثية”، والذي يوفر بعض الحماية ضد التمييز الجيني، وهناك قوانين وسياسات تحمي المعلومات الطبية للأشخاص.
في عام 2013، دعا المتظاهرون أمام  المحكمة العليا الأمريكية إلى فرض حظر على براءات الاختراع للجينات البشرية، وتساءلوا عمن يجب أن يمتلك المعلومات الوراثية للشخص. مصدر الصورة: مالدين انتونوف / وكالة الأنباء الفرنسية بواسطة غيتي ايميجيز
  • علم الجينوم هو مجرد جزء من مجموعة أكبر من القضايا المجتمعية، حيث يكون المزيد والمزيد من المعلومات الحميمية عنا متوفرًا إلكترونيا، ويمكن أن نتعلم الكثير عن أي شخص إذا تم مراجعة مشتريات بطاقة “فيزا” (الائتمانية) الخاصة بك. ولذا ينبغي على المجتمع ادراك أن المعلومات الجينومية لها بعض السمات الفريدة، ولكنها ليست استثنائية تماما، والحاجة ملحة إلى وجود إطار أوسع لحماية الناس للاستفادة من هذه الفرص المذهلة. هناك بعض الأشياء التي ستكون غير مقبولة تماما، مثل إجراء التعديل الجيني عند الأطفال الذين لم يولدوا بعد، وقد أدان المجتمع العلمي القيام بذلك.
  • ساي: أريد أن أعود إلى الوراء، لأننا عندما كنا نتحدث عن هذه التسلسلات غير المشفرة، يساعد الكثير منها في التحكم في كيفية استخدام الجينات. قد لا يكون ذلك واضحا جدا إذا حصلت للتو على هذه السلسلة من أحرف الحمض النووي لشخص ما. هل يمكنك أن تخبر من ذلك كيف سيتم استخدام هذه الجينات؟ وكيف سيتم تجميع هذه الأشياء؟ أم أنه شيء لا يمكنك قوله من خلال النظر إلى الحمض النووي؟
  • ليس هناك شك في أنه في بعض الأحيان عند التحدث عن علم الجينوم، وعن علم الوراثة، فإن التركيز على الجينات يجعل المرء يرى الشجرة أحيانا ويفقد مسار الغابة، أي التعقيد طبي والتعقيد الأحيائي. وبالنسبة لمعظم الأشياء عن أنفسنا، ومدى طولنا، وكيف نبدو، والأمراض الشائعة – ارتفاع ضغط الدم والسكري، ومرض الزهايمر، والتوحد، وما إلى ذلك – فإن الأمور أكثر تعقيدا بكثير من البحث حتى عن جين واحد، فهي جينات متعددة. وهناك الكثير للصحة والمرض أكثر من مجرد جيناتنا.
  • يتمثل التحدي الكبير من نواح كثيرة للعقد أو العقدين المقبلين في إجراء هذه الدراسات واسعة النطاق حيث يتوفر أكبر قدر ممكن من البيانات، ليس فقط البيانات الجينومية، ولكن بيانات نمط الحياة وبيانات السجلات الصحية الإلكترونية والبيانات البيئية والبيانات الفسيولوجية. ستكون هناك أنماط بالتأكيد، وينبغي فقط العثور على تلك الأنماط.
  • يحتاج الناس إلى تذكر شيئين: أولهما مدى إثارة هذا المجال بشكل لا يصدق، ومدى الحرص بشكل لا يصدق على جمع وبناء المعلومات والاستنتاجات عن المزيد والمزيد من الناس من جميع التخصصات المختلفة. وسيكون من المهم جمع معلومات عن أشخاص من جميع السكان ومجموعات الأجداد المختلفة من جميع أنحاء العالم، فهناك الكثير من الأشياء التي تغيب عن فهم العلماء. الإبداع والمبدعون، وليس كتاب قواعد اللعبة، سيمكنون الحصول على فهم كامل من البداية إلى النهاية للجينوم البشري.

*تمت الترجمة بتصرف

المصدر:
https://www.sciencenews.org/article/human-genome-project-dna-genetics-revolution-green

الهوامش:
[١] جريجور يوهان مندل (20 يوليو 1822 – 6 يناير 1884) كان عالم أرصاد جوية وعالم رياضيات وعالم أحياء وراهب أوغسطيني ورئيس دير سانت توماس في برنو، مرغريفيت مورافيا (كانت مرغريفيت مورافيا واحدة من أراضي التاج البوهيمي داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة الموجودة من 1182 إلى 1918). ولد مندل في عائلة ناطقة بالألمانية في الجزء السيليزي من الإمبراطورية النمساوية (جمهورية التشيك اليوم) وحصل على اعتراف بعد وفاته كمؤسس لعلم الوراثة الحديث. على الرغم من أن المزارعين كانوا يعرفون منذ آلاف السنين أن التهجين بين الحيوانات والنباتات يمكن أن يفضل بعض السمات المرغوبة، إلا أن تجارب نبات البازلاء التي أجراها مندل بين عامي 1856 و 1863 وضعت العديد من قواعد الوراثة، والتي يشار إليها الآن باسم قوانين الميراث المندلي. ويكيبيديا.
[٢] شركة سيليرا (Celera) هي شركة فرعية من شركة كويست دايغنوستكس (Quest Diagnostics)، تأسست في 1998 كوحدة أعمال لشركة ابليرا (Applera) التي تركز على التسلسل الجيني والتقنيات ذات الصلة، ثم انفصلت لتصبح شركة مستقلة في عام 2008، وأخيرا استحوذت عليها شركة كويست دايغنوستكس في عام 2011. ويكيبيديا
[٣] كاينورهابديتيس إليغانس [Caenorhabditis elegans (C. elegans)] هو دودة خيطية شفافة حرة العيش يبلغ طولها حوالي 1 ملم وتعيش في بيئات التربة المعتدلة. الاسم عبارة عن مزيج من الكلمة اليونانية [caeno- (الأخيرة) ، rhabditis (الشبيهة بالقضيب) واللاتينية elegans (الأنيقة)]. في عام 1900 ، أطلق عليها “موباس Maupas” في البداية اسم رابديتايدس إليغانس (Rhabditides elegans). وضعها “أوشي Osche” في النوع الفرعي كاينورهابديتيس (Caenorhabditis) في عام 1952 ، وفي عام 1955 ، رفع “دوجيرتي” كاينورهابديتيس إلى مرتبة الجنس.
[٤] تسلسل البندقية (Shotgun Sequencing) يكسِّر الحمض النووي للكائن أو المجتمع إلى عدد لا يحصى من الأجزاء القصيرة التي يتم تسلسلها بشكل فردي. المصدر: موسوعة التنوع الأحيائي (الإصدار الثاني) ، 2013  (Encyclopedia of Biodiversity (Second Edition), 2013).

المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

تعليق واحد

  1. عادل البشراوي

    شكرا للمهندس محمد الخضراوي لتجشمه عناء ترجمة هذا التقرير العلمي المطول والشامل لكل ما له صلة بعلم الجينات ومنذ توصل غريغور مندل لنسج علاقات يشرح من خلالها آليات عمل الوراثة وحتى التمكن من الحصول على تسلسل كامل للجينوم البشري، ووصولا إلى التطوير الهائل الذي توصلنا إليه اليوم في الأجهزة والبرمجيات المتعلقة بهذا العلم.

    قد لا يعي أغلب الناس حجم الكوة المعرفية التي يفتحها لنا هذا المجال، وللأسف فحالة عدم الوعي الكافي بأهمية هذا العلم في أوساطنا المشرقية أسوأ من غيرها من المناطق. وهو بشكل عام يعكس حجم التراجع المعرفي الذي نعاني منه إجمالا.

    بالعودة للتقرير، فإنني على ثقة بأن السنوات القليلة القادمة سوف تتبلور فيها أمور سوف يشهد المجال الجيني دفعات تطورية هائلة على المستويات التقنية والبرمجية، فرغم حديثي الآنف عن حجم التطوير الذي طرأ على هذه المستويات، إلا أن الحاجة لدراسة جميع بيانات الشريط النووي تتطلب قدرا هائلا من القدرات الحاسوبية التي لا تزال تقف عائقا أمام الكم الهائل من بيانات الدراسة المراد التعامل معها، وكذلك على المستوى البرمجي الذي يسخر القدرات الحاسوبية للقيام بعملها.

    وحقيقة، فقد لا نتمكن من الوصول إلى حالة النضوج الكافي إلا عبر تقنيات الحواسيب الكمومية ذات القدرة الأكبر على التعامل مع بيانات الحساب. وكذلك فإن هذه الحواسيب سوف تتكامل حين نطور من أنظمة الذكاء الإصطناعي الذي يوفر بدوره قدرات هائلة على التعامل مع الحجم الخرافي للبيانات التي يختزنها الشريط النووي.

    الشريط النووي يختزل حكاية الحياة منذ بذرتها قبل ٤ مليارات سنة، وابتداء من تشكل ذاك الغلاف النفاذ الذي تغلفت به بروتينات أولية وبدأ في النبض، وإلى ظهور نوعنا البشري الأرقى وعيا وأعقد تركيبا. وهو بهذا يحتوي على بيانات تسرد السيرة التي عاشتها وسلكتها أشكال الحياة على الأرض، وفي كل مرحلة أضيفت فيها صفة جديدة، ونسيج جسدي جديد.

    وسوف تمكننا هذه التقنيات من التعرف حتى على تأثيرات الكوارث العظمى التي طرأت على الأرض، وسوف تكون بعض من أدواتنا التي نستغلها لتأكيد أو نفي فرضياتنا العلمية المتنازعة لشرح الكثير والكثير من الظواهر الطبيعية والكوارث التي واجهها الأحياء والتي لاتزال بياناتنا المتوفرة عنها تعاني النقص.

    نحن لا ندري ماهية الظروف التي توفرت لأول بعث للحياة، ولا ندري كيف استحدثت بعض الخلايا الوحيدة آليات الإندماج الوراثي قبل حوالي المليار سنة، بعد أن ظلت لثلاثة مليارات قبلها تعتمد في تكاثرها على الإنقسام. ومعارفنا عن انفجار الكامبري بالغة الضحالة بحيث لا تعدو السيناريوهات المتوفرة لدينا أطوارها الفرضية، حيث لم نصل إلى نظرية وذلك لقلة البيانات التي تحتاجها ممارسات التخطئة والتصويب.

    الحديث يطول هنا وأنا أعتذر حين أطلت، ولكننا حقا نحتاج إلى بث الوعي في مجتمعاتنا بأهمية الإلتفات إلى تطوير معارفنا العلمية كافة وخصوصا في هذا الجانب العلمي البالغ الأهمية، وأنا أعود لأشكر المهندس محمد الخضراوي على مبادرته بترجمة هذا التقرير المهم.

    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.