كيف تبحث في تحيزات الحكم على الشخص من شكل وملامح وجهه بلا تحيز؟ – ترجمة عدنان أحمد الحاجي

? How Do You Study Facial Bias Without Bias
(معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا – Caltech)

عندما نرى وجه شخص غير مألوف، فإننا نميل إلى أن نصدر أحكامًا سريعة.  هل يبدو هذا الشخص ذكيًا أو جذابًا أو شابًا؟ هل هو جدير بالثقة أم فاسد؟  يدرس باحثو علم الأعصاب وباحثو علم النفس كيف تشكل أدمغتنا هذه التحيزات للوجوه، وكيف تؤثر الأحكام التي تطلقها في النهاية على كيف يتصرف الناس.

Credit: Pixabay/CC0 Public Domain

يقول رالف أدولفس (Ralph Adolphs) [برفسور علم النفس وعلم الأعصاب وعلم الأحياء وعضو هيئة التدريس المنتسب لمعهد تيانكياو وكريسي تشين لعلوم الأعصاب (Tianqiao and Chrissy Chen Institute for Neuroscience)]: الدراسات السابقة ربطت هذه الصور النمطية والأحكام بالقرارات التي يتخذها الناس في مختلف مناحي المجتمع، بما في ذلك الانتخابات وشؤون التوظيف والأحكام التي تصدرها هيئات المحلفين في المحاكم.

على سبيل المثال، أثبتت دراسة أجراها رالف أدولفس ومايك ألڤارز )Mike Alvarez(، برفسور العلوم السياسية من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، أن الناس يرون السياسيين بأنهم أكثر فسادًا لو أن وجوهم عريضة، في هذه الحالة، تتزامن هذه الآراء / لأحكام مع لو ما إذا كان قد أُدين هؤلاء السياسيون بارتكاب جرائم فساد في الواقع.

“القرارات الاجتماعية المهمة جدًا تتأثر بالأحكام السريعة التي نتخذها بشأن الناس اعتمادًا على شكل / ملامح وجوههم”. “بإبراز هذه التحيزات، نأمل أن نتمكن من تقليل تأثيرها”.

في إحدى الدراسات الحديثة التي نشرت في مجلة نتشر كوميونيكاشينز (Nature Communications1)، درس أدولفس وفريقه، بقيادة طالب الدراسات العليا السابق في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا شوجين لين (Chujun Lin)، وهو الآن زميل ما بعد الدكتوراه في كلية دارتموث، في كيف يمكن تقسيم تحيزات الوجه إلى أحكام أولية.

بنفس الأسلوب التي يمكن بها اشتقاق تعدد ألوان اللوحة الفنية من ألوان الأحمر والأصفر والأزرق الأولية، فإن أدمغتنا تمزج الأحكام الأولية معًا لتوليف مصفوفة من التصورات عن كل شيء بدءً من مدى لطف الشخص وحتى درجات عدوانيته.

بينت نتائج الدراسة أن المشاركين من سبع مناطق مختلفة حول العالم قاموا تلقائيًا / عفويًا بإصدار أربعة أحكام أولية عند مشاهدتهم وجه جديد (بغض النظر عما إذا كانت الأحكام دقيقة أم لا): قاموا بتقييم ما إذا كان الشخص حميميًا أم بارد المشاعر، مؤهل (جدير) أو غير جدير، أنثوي أو ذكوري ، صغير أو كبير. جميع الأحكام الأخرى التي قد يتخذها الناس يمكن اشتقاقها من مزيج من هذه الأحكام الأولية الأربعة.

يوضح لين: “هذه الأحكام الأربعة الأساسية تكمن وراء التحيزات التي نتمسك بها عند تكويننا نطاقًا واسعًا من الانطباعات عن الآخرين استنادًا إلى شكل / ملامح الوجوه، والتي يمكن استهدافها بفعالية من أجل التدخلات المضادة للتحيز”.

صعوبات دراسة التحيز

يلاحظ أدولفس (Adolphs) أن هناك حدودًا (قيودًا على) لهذه الدراسة المعينة والعديد من الدراسات الأخرى المشابهة لها.  هنا، استخدم الباحثون قواعد البيانات الموجودة، والتي تتكون إلى حد كبير من وجوه  ناس ذوي بشرة بيضاء بتعبيرات محايدة [لا تظهر عليها مشاعر معينة].

“انشئت معظم قواعد البيانات لهذه الأنواع من الدراسات منذ سنوات، وحتى قبل عقود،”بحسب أدولفس” ، عادة ما تكون هناك صور لأشخاص متاحة بسهولة للباحثي ، لكن الصور بالتأكيد لا تمثل جميع سكان العالم”.

لتحليل النتائج الأولية، قصر أدولفس وفريقه المنبهات على وجوه من ذوي البشرة البيضاء لها تعبيرات محايدة لأن هذا الخيار سمح لهم باستبعاد عوامل أخرى مثل السياق الاجتماعي2 والعرق.  يعمل الفريق على مشروع متابعة تشترك فيه وجوه أكثر تنوعًا، بما في ذلك وجوه من أعراق مختلفة يظهر عليها نطاق واسع من التعبيرات.

“تمثيل تنوع عموم سكان العالم يعتبر تحديًا كبيرًا في مجال دراستنا هذا” ، كما يقول أدولفس.

إحدى الدراسات المؤثرة التي أجرتها جامعة بريتش كولومبيا حول هذه المسألة3، طرحت مصطلحًا يعرف باسم (WEIRD) وتعني به المجتمعات الغربية والمتعلمة والصناعية والغنية والديمقراطية.  يرجع مصطلح (WEIRD) إلى مجموعات سكانية تمت دراستها عادةً في علم النفس والعلوم الاجتماعية.

كما تشير الورقة المنشورة، “هذه الشريحة المختصرة [thin slice والتي تعني: شريحة مأخوذة من عينات قليلة يتمكن الناس من خلالها الحكم على اخرين بدقة وذلك من خلال مشاهدتهم لمقاطع فيديو قصيرة جدًا مدتها تتراوح من ثانية واحدة الى خمس دقائق أُخذت كعينات من مقاطع فيديو طويلة لتصرفات الناس4]، وغير عادية إلى حد ما، من البشرية” ، هي واحدة من “المجموعات السكانية الأقل تمثيلا التي يمكن للمرء أن يجدها ليعممها على البشر”.

مصدر الصورة: researchgate.net

المستقبل: التحيز في الذكاء الاصطناعي

في دراسة حديثة أخرى من مجموعة أدولفس (Adolphs)، بقيادة طالب ما بعد الدكتوراة أومت كيليس (Umit Keles) في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ونشرت في مجلة العلم الانفعالي (Affective Science5)، درس الباحثون مسألة ما إذا كان يمكن لأساليب تدريب الذكاء الاصطناعي (AI) التنبؤ بكيف يتفاعل أشخاص مع وجوه ناس آخرين. ووجدوا أن الأساليب المستندة إلى الآلة يمكن أن تقدم تنبؤات دقيقة بشكل مدهش ، لكنها توصلت أحيانًا إلى إجابات خاطئة.

“قد يبدو الوجه المستدير وجهًا طفوليًا ولطيفًا، ولكنه أيضًا قد يبدو لشخص فاسد، اعتمادًا على التفاصيل. نظرًا لأن السمات / الملامح في الوجوه مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببعضها البعض، فقد تحصل من هذه الخوارزميات على عدة أحكام خاطئة” ، كما يقول كيليس.  “هناك احتمال مثير للقلق من سوء استخدام أساليب الذكاء الاصطناعي هذه”.

في الصيف الماضي، عملت لينا ماثور (Leena Mathur) طالبة الزمالة البحثية الصيفية (SURF) في مختبر أدولفس، على مشروع يختبر كيف يمكن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على التعرف على المشاعر الإنسانية عبر مختلف الثقافات.

استخدمت الباحثة مقاطع فيديو لأشخاص يتحدثون مع بعضهم بعض من قاعدة بيانات أنشأها باحثون في جامعة إمبريال كوليدج لندن.  تتضمن قاعدة البيانات أشخاصًا من ست ثقافات: البريطانية والصينية والألمانية واليونانية والمجرية والصربية. النتائج الأولية تفيد بأنه يمكن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على مقاطع فيديو لأشخاص يتواصلون في سياق ثقافي واحد ثم يصار إلى تكييفها لاحقًا لاكتشاف مشاعر (انفعالات) من مقاطع فيديو لأشخاص يتواصلون في سياقات ثقافية أخرى.

وتقول: “هناك جهد يبذل على مستوى هذا الحقل الدراسي لجمع المزيد من البيانات المتنوعة لأبحاث الذكاء الاصطناعي هذه”. “الهدف هو في النهاية تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي شاملة ويمكن أن تدعم الناس من كل الأعراق والأعمار والثقافات ذكورًا واناثًا ومن كل بُعد آخر من أبعاد التنوع البشري”.

تأمل ماثور، الطالبة في جامعة جنوب كاليفورنيا، أن تساهم أبحاثها في نهاية المطاف في أنظمة الذكاء الاصطناعي في دعم صحة الإنسان والرفاهية المجتمعية في كل الثقافات.

“هناك احتمال لسوء استخدام هذه التقنيات، لذلك من المهم البحث في كيف يمكن تكييف الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل فعال في كل السياقات الثقافية للتطبيقات المصممة لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة” ، كما تقول.

يقول أدولفس إن الاجتماعات التي يحضرها فريق مختبره دائمًا ما تتضمن مناقشات حول التنوع والعنصرية.  “التنوع والعنصرية، موضوعان ما زلنا نهتم بهما أي اهتمام. نتحدث عن كل هذه القضايا ونسأل أنفسنا” ، ماذا بإمكاننا أن نفعل أي شيء حيالهما أيضًا؟ ، “نحن مستمرون في التشديد على قضايا الأعراق وتمثيلها في علمنا”.

مصادر من داخل وخارج النص:

1- https://authors.library.caltech.edu/100792/

2- “السياق الاجتماعي يشير إلى البيئة الاجتماعية والثقافية التي ينمو ويعيش فيها الشخص وتتأثر بها أفكاره وسلوكياته.  يشمل هذا المفهوم الجوانب التاريخية والسياسية والاقتصادية والتعليمية والدينية والأخلاقية والجمالية الموجودة في المجتمع في مكان وزمان معين.  كما يشمل المجموعات التي يتفاعل معها، كالعائلة والأصدقاء والجيران وغيرهم، فضلاً عن العادات والمعرفة والتقدم الفني والعلمي والصناعي الذي يتطور فيه”. مقتبس ببعض التصرف من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.warbletoncouncil.org/contexto-sociocultural-96762

3- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/20550733/

4- https://dictionary.apa.org/thin-slices-of-behavior

5- https://link.springer.com/article/10.1007/s42761-021-00075-5

المصدر الرئيس:

https://www.caltech.edu/about/news/how-do-you-study-facial-bias-without-bias

الاستاذ عدنان أحمد الحاجي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.