عرض لكتاب: “لعبة اللغة: كيف خلق الارتجال اللغة وغيّر العالم” – الدكتور أحمد فتح الله

تتواصل العديد من أنواع الكائنات الحية بطرق مهمة لبقائها على قيد الحياة. تغرد الطيور، والقرود الخضراء تنذر عن الأفاعي والنمور بنداءات مختلفة. ورغم أن بعض الشمبانزي والببغاوات يمكنها تقليد الكلام البشري، يظل البشر هم الوحيدون الذين يتمتعون بمهارات لغوية متقدمة.

عنوان الكتاب: لعبة اللغة: كيف خلق الارتجال اللغة وغيّر العالم – (The Language Game: How Improvisation Created Language and Changed the World)
تأليف: مورتن إتش كريستيانسن ونيك شاتر – (Morten H. Christiansen and Nick Chater)
الناشر: كتب أساسية (Basic Books)
تاريخ النشر: 2/22/22
عدد الصفحات: 305 صفحة

يبدل الدكتور مورتن إتش كريستيانسن (أستاذ علم النفس بجامعة كورنيل وأستاذ العلوم المعرفية للغة بجامعة آرهوس في الدنمارك) والدكتور نيك شاتر (أستاذ العلوم السلوكية بجامعة وارويك) جهدًا حول هذا الظاهرة (أو الملاحظة) تحديدًا في كتابهما الجديد (لعبة اللغة).
قام المؤلفان بإشراك كثيرًا ممن روى كيف حاول الفلاسفة والمؤرخون وعلماء الطبيعة واللغويات وعلماء الأنثروبولوجيا وحتى علماء الرياضيات وعلماء الكمبيوتر حل ألغاز اللغة. في سرد حكايات الرواة، يغوص المؤلفان في حفرة مليئة المفاجئات، كما يقال.

هل يتحدث كل الناس المعاصرين ببعض الاختلافات المتطورة للغة “آدم” (“Adamist”) البدائية، كما في حكاية آدم وحواء (“Adam and Eve”)؟ بحثًا عن أدلة للإجابة، يلجآن إلى كتاب “سفر التكوين” (The Book of Genesis)، وكتابات القديس أوغسطين، وأفكار الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين، واللغة الرمزية (المشفرة) الذي طورها شعب نافاجو/نفاهو (Navajo) لجيش الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية.

وفي محاولة للإجابة عن السؤال: “ما هي السمات الفريدة للدماغ البشري التي تسمح للبشر بتعلم اللغة”؟، يستكشف المؤلفان أفكار العالم اللغوي نعوم تشومسكي، الذي افترض أن الأطفال يولدون بمخطط “قواعد عالمية” (universal grammar) مشفرة في جيناتهم وأدمغتهم. كما أنهما لا يغفلان عن دور “الشتات الأفريقي” في قضية تطور اللغة وانتشارها. ويقترحان أن السؤال: “كيف أصبحت اللغة تتكيف بشكل جيد مع الدماغ البشري؟” قد يكون أكثر أهمية من السؤال: “كيف أصبح الدماغ البشري متكيفًا بشكل جيد مع اللغة؟”.
سؤال تكيف اللغة يكتسب أهمية فائقة لأنها، وفقًا لكريستيانسن وشاتر، ليست “اختراعًا” بقدر ما هي “ارتجال” (ابتداه)، وأنها “لعبة الحزورات على مستوى المجتمع، حيث تعتمد كل لعبة جديدة على تلك التي مرت من قبل”.

يتم إعادة اختراعها باستمرار جيلاً بعد جيل. يكتسب الأطفال الكلمات والعبارات ليس من خلال استيعاب القواعد أو النطق وفقًا للأنماط التي ولدوا بطريقة ما للتعبير عنها ولكن عن طريق القفز إلى اللعبة والارتجال بحرية. نحن البشر، كما يؤكد المؤلفان، “نتحدث دون معرفة قواعد لغتنا تمامًا كما نلعب التنس دون معرفة قوانين الفيزياء، أو نغني دون معرفة نظرية الموسيقى. بهذا المعنى الحقيقي للغاية، نتحدث ونفعل ذلك بمهارة وفعالية، دون معرفة لغتنا على الإطلاق”.

The Language Game: How improvisation created language and changed the world by Morten H. Christiansen at Abbey's Bookshop,
وفقًا لأطروحة الكتاب، يقوم الأفراد والثقافات بأكملها بإعادة تجميع اللبنات الأساسية (أو “المباني الجاهزة” prefabs) للتواصل بشكل عشوائي حيث تتطلب المواقف الجديدة كلمات وعبارات جديدة. على سبيل المثال، عند التحدث، فإن الشاغل الأساسي للشخص ليس أن يكون صحيحًا قواعديًّا (grammatically correct) ولكن أن يفهم (to be understood).
النهج النظري الذي اقترحاه كريستيانسن وشاتر حول اكتساب اللغة وتطورها يعكس بشكل وثيق الأفكار التي صاغها تشارلز داروين حول تطور علم الأحياء. اقترح داروين أن الاختلافات البيولوجية تنشأ عن طريق الصدفة وتصبح سمات ثابتة فقط إذا كانت مفيدة. كما سبق قولهما عن اللغة أعلاه، يبدو أن كريستيانسن وشاتر، يريان أن مصطلح “بالصدفة” (by chance) قد لا يكون أفضل مصطلح لوصف ما يقوم عليه التغيير، بل ربما من خلال العفوية (أو “الارتجالية”) يحدث تغير.
يرى المؤلفان بأن “الكلمات ليس لها معاني ثابتة”… “هي أدوات مستخدمة في الوقت الراهن [فقط]”. وأنّ لعبة اللغة بحد ذاتها عبارة عن مجموعة جميلة من الكلمات والعبارات. (على الرغم من أن كلمة “جميلة” قد لا تعني أن نظمها مصمم بدقة عالية).
في الملاحظات (الهوامش) يذكر المؤلفان الكثير من المعلومات المثيرة للاهتمام، على سبيل المثال، في بعض أنواع الطيور المغردة، تغني الأنثى أيضًا، وأن الكلمات (المرئية) في لغة الإشارة تُنسى بسرعة أكبر من الكلمات السمعية في الكلام.

Why language is like charades – and could save us from AI | Cornell Chronicle
الكتاب غني بالمعلومات عن اللغة وقضاياها وممتع في قراءته بأسلوب سلس يبقي القاريء منخرطًا بشكل كامل وفضولي حتى النهاية، صفحة بعد الأخرى وفصلًا يتلو الآخر، مع استيعاب الحكايات الملخصة (بشكل أساسي) في العنوان الفرعي للكتاب: “كيف خلق الارتجال اللغة وغير العالم”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.