الدروس المستفادة من جائحة كورونا – بقلم الصيدلي غسان علي بوخمسين*

بعد مرور حولين كاملين على بداية تفشي وباء كورونا، ومع تباشير قرب انتهاء الجائحة إن شاء الله وزوالها عن البشر بفضل الله ورحمته. يحقّ لنا أن نتوقف قليلاً وقفة تأمل وتدبر في الدروس المستفادة من هذه الأزمة العالمية، التي عمت الكوكب كاملاً، وأثّرت على جميع البشر في كل جوانب حياتهم.

ثمة دروس وعبر كثيرة يمكننا استفادتها من هذه الأزمة الخانقة، فهي من الأزمات التي طال أمدها وانتشر مداها، وهذين العاملين أي طول المدة وسعة الانتشار، لهما الدور الأكبر في قوة التأثير في طريقة تفكير البشر وخياراتهم المستقبلية، وهذا يمكننا التأكيد عليه من التاريخ، كون الحروب والجوائح من أهم العوامل المؤثرة في تغيير طريقة سلوك البشر ، لذلك يمكننا القول بثقة ووضوح، أن طبيعة وطريقة حياتنا ما بعد أزمة كورونا ليست كما قبلها.

أهم الدروس المستفادة من هذه الأزمة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1/الأهمية القصوى للأمن الوطني

المقصود بالأمن هنا، هو حالة الاكتفاء والنظام والتكامل وعدم النقص في كل الجوانب، من تطبيق القانون وحالة الأمان المجتمعي والغذاء والدواء والمحروقات وبقية السلع والخدمات الأساسية، التي لاغنى للإنسان عنها، بحيث تختل الحياة في حال نقصها فضلاً عن انعدامها.

وكلنا شاهدنا في القنوات، ما حصل في بعض الدول من اختلال في المعيشة نتيجة نقص سلعة أو خدمة أساسية، مما خلق حالة من الهلع والفوضى العارمة سببت اضطراباً في حياة الناس، وهذا يسميه العلماء بمصطلح (Psychology of Pandemics) او علم نفس الأوبئة وهو فرع من علم النفس يهتم بسلوك البشر نتيجة لتأثر الأوبئة السلبي على معيشتهم.

نحمد الله أننا نعيش في وطن تعهدت فيه القيادة العليا في خطاب متلفز في الأيام الأولى للجائحة، بحفظ معاش الناس وضمان توفير الغذاء والدواء لجميع السكان، مما كان له أكبر الأثر في حفظ الأمن الوطني بجميع جوانبه في بلدنا ولله الحمد والمنة.

لذلك ينبغي لكل دولة الاهتمام بموضوع الأمن بشتى جوانبه ونواحيه، وإعطائه الأولوية القصوى استعداداً لأي طارئ لاسمح الله.

2/ سطوة التقنية الرقمية على حياتنا

بات واضحاً اليوم، أكثر من أي وقت مضى ، مدى قوة التقنية الرقمية وسعة انتشارها في حياتنا المعاصرة، فأنا أكتب  وأنشر مقالي هذا عبرها والقراء يقرأونه ويتداولونه عبرها كذلك، بل وكل مناحي حياتنا تجري من خلال قنواتها المختلفة، من الاقتصاد والتعليم والصحة والترفيه والتواصل الاجتماعي والمعاملات الحكومية وغيرها، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً وحاضرة في ذهن كل واحد منا، ولا أجدني مضطراً لذكرها أو تعداد بعض منها لوضوحها وتجنباً للإطالة والإسهاب.

 ؛؛في الحقيقة أن تغلغل التقنية الرقمية في خط تصاعدي مستمر، ولم تكن  أزمة كورونا سوى المسرّع والمحفز الكبير لهذا الانتشار والسيطرة؛؛

ينبغي على صانع القرار سن القوانين الحاكمة والناظمة لهذه التقنية الجديدة؛ لحفظ حقوق الناس وضمان تطبيق القانون والنظام، وكذلك ينبغي على الأفراد تثقيف أنفسهم عن هذه التقنية ومعرفتها بشكل واف للاستفادة منها الاستفادة المثلى وتجنب مشاكلها، لأن هذه التقنية ستزاد انتشاراً وتأثيراً في المستقبل، فلا مناص عن تعلمها والاستفادة منها وتلافي مضارها.

3/  الصحة العامة ضرورة حياتية

يُعرّف علم الصحة العامة وهو فرع من العلوم الصحية حسب منظمة الصحة العالمية على أنه (أي الصحة العامة -Public Health):  “علم وفن الوقاية من الأمراض، وإطالة العمر، وتعزيز الصحة من خلال الجهود المجتمعية للمجتمع، وتهدف الأنشطة التي تسعى لتعزيز قدرات وخدمات الصحة العامة إلى توفير الظروف التي تمكّن الأشخاص من الحفاظ على صحتهم، أو منع تدهورها”.

؛؛علم الصحة العامة علم متعدد الفروع، ويهتم بصحة الناس في الوقاية من الأمراض ومكافحتها باستخدام علم الإحصائيات الحيوية والوبائيات وغيرها من العلوم الصحية الخادمة لهذا الفرع من العلم؛؛

ظهر جلياً للمختصين في الصحة مع تفشي الجائحة، الأهمية القصوى للصحة العامة، فكلما كانت البيانات الصحية متوفرة والخطط والاستراتيجيات متكاملة والإمكانات متوفرة ، كلما سهُل على الجهات الصحية والجهات الأخرى ذات العلاقة، التعامل والاستجابة لحالات التفشي والجوائح.

ينبغي الإلتفات إلى الأهمية الكبيرة لعلم الوبائيات (epidemiology) في الصحة العامة، باعتباره الركيزة الأهم في هذا المجال، وضرورة الاهتمام به وضمان وجود خبراء مختصين فيه بعدد كاف، لوضع الخطط والاستراتيجيات الصحية لمواجهة الأزمات الصحية مستقبلاً بطريقة أكثر مرونة وفعالية. لذلك من الأهمية بمكان،  الاهتمام أكثر بهذا الفرع من الصحة وإعطائه أهمية أكبر في الاستراتيجية الصحية للدول.

ولايفوتني الإشارة إلى أن أحد أهم أسباب نشوء منظمة الصحة العالمية قبل حوالي سبعين عاماً،  كان إيجاد حالة من التعاون والتواصل بين دول العالم من أجل مكافحة الأمراض السارية والمعدية، وهذا يضع العالم أمام تحد كبير وصعب  في سبيل رسم استراتيجية للعالم، لمواجهة الجوائح بطريقة أفضل، لأن ما عايشناه خلال الجائحة الحالية من حالة التخبط والتضارب وعدم التعاون الجارية بين مختلف الدول، أمر غير مشجع إطلاقاً، ونرجو أن يتعظ البشر من هذه الأخطاء الفادحة ويتعلموا من هذا الدرس القاسي، ليضعوا استراتيجية صحية تحمي البشر من شر الأوبئة وتقلل أضرارها.

4/ المرونة النفسية أمر حيوي وضروري في حياتنا

كل من عاش ظروف الجائحة وتأثر بها سلباً، عرف بأن من استطاع التكيف والاستجابة المرنة للتغيرات الطارئة والحادة التي جرت على كافة الصعد، كان أكثر قدرة على تجنب الضرر الجسدي والنفسي بالقدر الأقصى، لذلك يعتبر مفهوم المرونة النفسية (resilience) من المفاهيم الضرورية والواجب علينا غرسها في أذهاننا والعمل بها وتعليمها لأطفالنا؛ ليكونوا قادرين على مواجهة المستقبل ومتغيراته وتحدياته بذهن متفتح وقدرة أكبر واستجابة أكثر فاعلية.

وأجد أن من أهم جوانب المرونة النفسية الواجب التنبيه عليها، هو حالة التسليم التام والإيمان بقضاء الله وقدره وحالة الرضا بما يكتبه الله عز وجل علينا، مما يخلق في داخلنا حالة السكينة والاطمئنان والهدوء الداخلي، وبذلك نتمكن من التفكير المستنير واتخاذ الموقف الصحيح تجاه الحالات الطارئة والحرجة وغير المتوقعة.

5/ ضرورة التنبه لوباء المعلومة

من أكبر السلبيات التي عشناها أيام الأزمة ومازلنا نعاني منها حتى الآن، هو ما بات يعرف بـ “وباء المعلومة” (infodemic) هو مصطلح مجازي يعبّر عن الانتشار السريع والواسع المدى لخلطٍ من المعلومات الدقيقة وغير الدقيقة حول أمرٍ ما، مرض معين على سبيل المثال. فعندما تختلط الحقائق والشائعات بالإضافة للمخاوف وتتشتت، يصبح من الصعب معرفة المعلومات الأساسية حول قضية ما.

ومما زاد الأمر سوءً؛ هو بروز حالة اللايقين الناتجة من تفشي الوباء وازدهار وانتشار وسائل التواصل وسطوة التقنية الرقمية كما أسلفنا، مما جعل الوضع في تداول وانتشار المعلومات أمراً في غاية السوء وانعدام المصداقية للأسف الشديد.

عانينا جميعاً منذ الأيام الأولى للجائحة وحتى الآن، من انتشار الإشاعات والمعلومات المغلوطة والتحذيرات والنصائح الخاطئة، وتصدي غير المختصين للخوض في شؤون وقضايا تخصصية لايفهمونها وغير مستوعبين لتفاصيلها، مما سبب حالةً من الفوضى المعرفية، وزيادة حالة اللغط وانعدام الوضوح للمشهد العام، ما نتج  عنه حيرة كبيرة بين الناس وانعدام الثقة في الجهات الرسمية، وهذا أخطر نتائج هذا الوباء المعرفي للأسف الشديد.

؛؛لذلك ينبغي، لكل واحد منا أن يتحلى بالحد الأدنى من مهارات التفكير الناقد، وأن يكون قادراً على فحص المعلومة التي يتلقاها بالبحث عن مصدرها ودرجة موثوقيتها وخبرة منتج المعلومة وعلاقته بالمجال، وبعد ذلك عرض هذا الخبر على المختصين في حال عدم قدرته على الوصول الى تقييم حاسم للخبر؛؛

حسناً  فعلت الجهات المختصة في بلدنا الحبيب، بأن أولت هذا الجانب الحيوي الأهمية التي يستحقها، بأن عقدت  مؤتمرات دورية، يتحدث فيها المسؤلون الرسميون ليجيبوا عن تساؤلات الجمهور ويفنّدوا الاشاعات المتداولة والمنتشرة في وسائل التواصل، مما خفف كثيراً من وطأة هذا الوباء المعلوماتي، لكن هذا الدور الرسمي ليس كافياً لوحده، بل يجب أن يتعاون الجميع في التصدي لهذه الفوضى المعرفية ، بالتحلي بالتفكير الناقد والمنهجية العلمية في تلقي وتداول الأخبار المتداولة.

6/ الترشيد المالي من أسباب الحياة الناجحة

بطبيعة الحال، تحت وطأة الأزمات الكبرى مثل الجوائح ، يتسبب  ذلك في خلل واضطراب كبيرين في معاش البشر، وأحد هذه الاضطرابات المهمة يمس الناحية المالية، فمن لديه الرشد المالي وحسن التصرف في موارده واعتاد على الادخار، كان أكثر قدرة على التغلب على المشاكل والتحديات الطارئة.

لذلك علينا التفكير أكثر في قضية الترشيد المالي ووضعه في مرتبة الأولويات الحياتية، وتعليم أولادنا وتعويدهم على هذا المبدأ، ليتمكنوا من شق طريقهم في الحياة بطريقة سليمة.

في الختام، ينبغي علينا التأكيد أن هذه الجائحة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وهذه سنة الحياة ومشيئة الله عز وجل في ابتلاء عباده بصنوف الابتلاءات، ولكن إذا كنا مسلحين بالمرونة النفسية والعملية والعلم والخبرة المتراكمة الناتجة من التجارب السابقة، سيكون تعاطينا واستجابتنا للأزمات القادمة أفضل وأكثر فاعلية بإذن الله.

*غسان علي بوخمسين ، صيدلاني أول ، مستشفى جونز هوبكنز.

تعليق واحد

  1. تحليل منطقي وابداع رائع في صياغة الاسباب والنتاىج ، وبفضل حكمة وادارة وتوجيه من حكومتنا الرشيدة استطعنا بحمد الله التقليص من انتشار الوباء وتقليل نسبة الوفيات .
    بارك الله جهودك وافكارك د.غسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.