الآثار التطورية للوعي – ترجمة* علي الجشي

The Origins and Evolutionary Effects of Consciousness
(بقلم: ايف جبلونكا و سيمونا جينزبيرق – Eva Jablonka and Simona Ginsburg)

لا يمكن للتطور أن يكون واعيًا، تمامًا كما لا يمكن أن يكون غير واعٍ أو سخيف أو ذكي أو قلق.

الحيوانات الواعية، بما في ذلك البشر الذين لهم تفكير تأملي، هي واحدة من أكثر نتائج التطور إذهالاً. والتفكير التأملي يعني أخذ الصورة الأكبر وفهم كل عواقبها. هذا يعني أن تحاول فهم سبب قيامك بما فعلت، وسبب أهميته بالنسبة لك. وهذا يتضمن فهم مشاعرك وردود أفعالك وعواطفك.

مصدر الصورة: iai.tv

السؤال “هل يمكن للتطور أن يكون واعياً؟” ليس له مغزى.

بدلًا من ذلك، علينا أن نسأل كيف تطور الوعي، ونعني بذلك القدرة على تمييز مخرجات التجارب التي لها احتمالات مختلفة، مثل شم رائحة وردة أو شعور بالخوف، وكيف، بمجرد حدوثها تقوم بتعديل أنماط التطور ومتغيراته.

هذا هو السؤال الأهم وبشكل خاص عندما ننظر في آثار الوعي البشري التأملي، لكن تبقى آثار الوعي على العمليات التطورية هي الأكثر عمومية.

كيف تطور الوعي؟ وكيف أصبح الوعي يؤثر على العمليات التطورية؟ سؤالان مرتبطان ببعضهما.

الوعي البيولوجي – وهو الشكل الوحيد للوعي الذي ندركه، ويستتبعه شكل معين من أشكال الإدراك الحيواني المعقد، إلى حد ما، وقدرة مفتوحة على التعلم عن طريق الارتباط، أو كما يسمى، “التعلم الترابطي غير المحدود”.

مصدر الصورة: researchgate.net

يمكن للحيوانات التي تملك القدرة على “التعلم الترابطي غير المحدود” أن تعطي قيمة للأحداث الجديدة، والمحفزات المتداخلة والمتناقضة، وردة الفعل التلقائية، وتنظيم التصرفات المترتبة على الإدراك، وتذكرها، واستخدام ما تم تعلمه من أجل التعلم في المستقبل.

هناك جدل بأن “التعلم الترابطي غير المحدود” هي العلامة التطورية للحد الأدنى من الوعي بالتجارب التي تحتمل المفارقات، لأنه إذا قمنا بإغفال هذه “القدرة التعليمية” والرجوع إلى “النظام الأساسي الذي مكنها”، فإن “النظام التمكيني” الذي نملكه كبشر لديه كل الخصائص والقدرات التي تعطينا القدرة على الاستخلاص والاستنتاج وبالتالي القدرة على التمييز الواعي، وهذه تشمل:

  • توحيد المحفزات والإجراءات وسهولة الوصول إلى المرجع المعرفي.
  • تشكيل تمثيل للجسم والعالم والعلاقات بينهما (مما يؤدي إلى بناء “الذات” الافتراضية)؛
  • سلوكيات موجهة نحو الأهداف، مدفوعة بدوافع وعواطف، بناءً على نظام قيم مرن يمكنه إعطاء التكافؤ لأي تصور وتسلسل موحد؛
  • المرونة التنموية التي تستند إلى عمليات الاختيار، بما في ذلك الاهتمام الانتقائي؛ وتشكيل حاضر دائم (“سميك”)، يحتوي على ظلال الماضي وموجّه نحو المستقبل.

وقد أدى التطور السريع الموجه نحو التعلم وسباقات التسلح الموجهة بالتعلم إلى التنويع المورفولوجي (المتعلقة بعلم الأحياء الذي يتعامل مع شكل الكائنات الحية، والعلاقات بين هياكلها) والفسيولوجي (المتعلقة بعلم الأحياء الذي يتعامل مع الوظائف الطبيعية للكائنات الحية وأجزائها).

ونظرًا لأن ما تعتبره الحيوانات الواعية “جيد” أو “سيئ” يعتمد على السياق وليس دائمًا على المثالية، فيمكن أن تتطور أنواع جديدة من السمات.

مصدر الصورة: theatlantic.com (Rebecca Richardson / Getty )

مثلً، لو أخذنا في الاعتبار حيوانًا يستطيع أن يكتشف مصدرًا غذائيًا نادرًا يمنحه شعوراً ممتعًا للغاية (على الرغم من أن الطعام يجعله أقل يقظة قليلاً)، فسيتعود على استهلاك هذه الأطعمة التي تسبب الإدمان إلى حد ما وتبدأ في البحث عنه.

بالنسبة للإنسان قد يحث هذا الأمر ويؤدي للإدمان بسبب آثاره القوية وأثره على الذاكرة وإثارته للمتعة، مما يؤدي إلى الحاجة الى تطوير إنزيمات إزالة السموم، أو إلى استهلاك الأطعمة التي تحتوي على مجموعة الكائنات الحية الدقيقة التي قد تكون متعايشة أو تكافلية أو مسببة للأمراض (ميكروبيوتا)، وهي موجودة في الكائنات الحية متعددة الخلايا، بما في ذلك النباتات، وذلك لإزالة السموم، وتخفيف الآثار الضارة لهذه الممارسة.

في هذه الحالة، يكون التطور في تغير الجهاز الهضمي أو في استهلاك الأطعمة الأخرى مدفوعًا بالمتعة التي أعطاها الغذاء للمستهلكين، بدلاً من قيمتها الغذائية.

مصدر الصورة: en.wikipedia.org

أو دعونا نتأمل في أنثى اختارت رفيقًا لأن له أنماط زخرفية من الألوان على جناحيه وذيله. تؤدي القدرة على إدراك هذه الميزات والاستمتاع بها إلى الاختيار الإيجابي للذكور حتى لو دفع هؤلاء الذكور تكلفة البقاء على قيد الحياة بسبب جاذبيتهم (سيناريو اختيار الصياد الجنسي). لذا فقد تعتبر الحيوانات التي تُظهر اختيار رفيق ذي سمات مميزة كعلامة على التطور العقلي.

لقد أدى تطور الوعي، بطبيعة الحال، إلى أبعد من ذلك بكثير حيث بدأ الخيال يدفع السلوك، كما يتضح من سلوك بعض الحيوانات، كالطيور مثل الغربان والببغاوات، والثدييات مثل القرود والفيلة، وكذلك الحيوانات غشائية الأجنحة وهي من رتبة الحشرات المُنظمة مثل الزنابير والنحل والنمل وأيضًا فيما تسمى رأسيات الأرجل وهي طائفة من الرخويات (hymenopterans and cephalopods).

وعي الإنسان التأملي يساعد على أخذ هذا التأثير التطوري بوساطة الوعي، وتطويره إلى مستوى أفضل، ذلك لأن للبشر أنظمة رمزية لإعادة العرض والاتصال، ومن خلال اللغة الرمزية يمكنهم التواصل حول منتجات خيالهم.

مصدر الصورة: science.org ( AGSANDREW/SHUTTERSTOCK)

وقد أدى التطور البشري إلى آثار فنية معقدة، لأشياء تتم ملاحظتها في تجربة علمية أو خلق أشياء لم تكن موجودة بشكل طبيعي ولكنها تحدث نتيجة لإجراء تحضيري أو استقصائي، مثل تدجين النباتات والحيوانات، ووضع أنظمة اجتماعية، وقوانين أخلاقية بشرية، كما أدت إلى تطوير الأيديولوجيات الاستبعادية والقاسية، وحدوث حروب، وإحداث معاناة بشرية حادة وأضرار قاسية بالحياة الفطرية الحيوانية، وإلى الدمار الإيكولوجي الكارثي الذي يلوح في الأفق والذي تقوده مصالح مستقبلية قصيرة النظر.

ومع ذلك، ما يزال هناك أمل، لأن وعي الإنسان التأملي التكاملي يمكنه من النظر في كل هذه الأمور وخلق حلول لها.

البشر جنس مدهش من الكائنات، يمكن أن يكون تطوره مدفوعًا برؤى لعالم بمستقبل أفضل، وقيم مجردة مثل العدالة والجمال والحقيقة، وهذا يعطينا بعض الأمل ويجعلنا متفائلين.

*تمت الترجمة بتصرف

المصدر:

https://thisviewoflife.com/the-origins-and-evolutionary-effects-of-consciousness/

المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.