مصدر الصورة: edarabia.com/ar

التسامح المذموم والتسامح المحمود* – بقلم علي الجشي

التسامح من أخلاق العظماء وصفة من صفات الأولياء ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾(الفرقان-63). والتسامح باب من أبواب الخير لأنه يسد أبواب الشر والفتن والفرقة والعصبية، ويشجع روح الآخاء والمحبة ويكون سبب في إشاعة السلام واسعاد البشر، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾(فصلت-34).

مصدر الصورة: islamtics.com

ومن صور التسامح التغاضي وعدم الدخول في نقاشات عقيمة ليس لها هدف ولا تُفضي الى فائدة وخصوصًا تلك الذي يُراد بها الإحراج والتشكيك، وكما روي عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: {إن نصف العافية التغاضي}.

وكذلك التماس العذر للمخطئ كما في أخلاق الرسالة التي طبقت التغاضي كسلوك انساني راقي المستوى في التعامل مع الأسرة والذي أشارت اليه الآية الكريمة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾(التحريم-3)، أو في تعامل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع مجتمعه في فتح مكة إذ توقع القرشيون أن النبي سينتقم منهم، إلا أن النبي وقف على باب الكعبة وقريش صفوف في المسجد ينتظرونه، ثم قال: “يا معشر قريش ما تظنون إني فاعل بكم” ، قالوا: خيراً…. أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: صلى الله عليه وآله وسلم “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

مصدر الصورة: experiencelife

قد يرى البعض التسامح تقهقر وضعف، وربما يكون هذا صحيح ويصبح في مثل هذه الحالة قبيح، ولكن ربما يكون له ايضًا ما يبرره بسبب اختلال موازين القوى والظروف الموضوعية.

لكن التسامح في غايته الكبرى أمر جميل وحسن، يتوافق مع التقييم السوي للعقل البشري وميول النفس الإنسانية، اذا جاء في لين مع قوة، مكتسبًا لخاصية المرونة من غير إذعان ولا إسترخاء، وهو الحال في تسامح العظماء واصحاب الروح السامية والقلوب الطيبة. هنا يكون التسامح غاية إنسانية ينم عن حكمة وذكاء وقوة تحمل وصبر وتخطيط للمستقبل وسعة أفق لرؤية تحقق اهداف أسمى، سواء اكانت قصيرة دنيوية، أو بعيدة المدى أخروية، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(آل عمران-134).

مصدر الصورة: eurekastreet.com.au

من ناحية أخرى، قد يؤدي التسامح الى الإبتزاز والتنازل عن الحقوق، وهذا تسامح مذموم، لذا يجب أن نميز الأمور، ونتخذ الموقف المناسب اذا تطلب الموقف الحزم والجرأة، وإفهام الآخرين بضرورة رفض الظلم ووقف الاعتداء أيًا كان نوعه، ماديًا كان أم روحيًا أم معنويا، قبل أن يفضي الى حياة سلبية لا تليق بالحياة الإنسانية. هنا لا تكون المعالجة مسألة تعصب أو عناد، هنا تكون المسألة مسألة مبادئ وحقوق. وفي هذا قول الإمام الحسين عليه السلام: (وَاللَهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي‌ إعْطَاءَ الذَّلِيلِ وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ).

تكرار التنازل عن الحقوق يجعله عادة، وربما أصبح صفة ملازمة لشخصية الفرد أو المجتمع أو حتى الكيانات الأوسع، إذ أن التسامح في غير موضعه ومع من لا يستحقه فيه ضرر بالغ، ويؤدي الى هوان الشخصية والمجتمع والأمة. وفي ذلك قول المتنبي:

وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ … وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ … وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا

وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى … مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى

*فكرة المقالة مستوحاة من مقالة للكاتب “عبد الجبار العباس” بعنوان “التسامح صفة مدحها القرآن الكريم”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.