أخلاقيات الفكاهة – بقلم المهندس علي الجشي

من قديم الزمن، حاول المفكرون تفهم الطبيعة المتعددة لأوجه الفكاهة لما لها من تأثير متناقض على التسبب في الفرح أو الضجر. كما أن الفلاسفة المعاصرون الذين أثروا في التفكير الأخلاقي الحديث يستاؤون من الفكاهة. التي لا تخلو من مضايقة. في التفاعلات البشرية، توجد المضايقة في ثلاثة أشكال رئيسية: مرحة، ومؤلمة، وتعليمية. عليه، يمكن أن يكون للإثارة مجموعة متنوعة من التأثيرات، اعتمادًا على كيفية استخدامها وتأثيرها المقصود.

مصدر الصورة: knowyourmeme.com

وصف أفلاطون الضحك بأنه سلوك غير مسؤول لأن تجربة المتعة هي نتيجة عن الخبث المبيت تجاه الأشخاص الذين يضحكون عليهم.

من المجالات التي تثير تحفظًا خاصًا في أخلاقيات الفكاهة استخدام الإهانات والقوالب النمطية الإثنية أو العرقية ذات الصلة بالفئات المهمشة تاريخيًا. لا يمكن أن تؤدي النكات فقط إلى مضايقة الحضور من المشاركين والضيوف المدعوين في أي مناسبة أو تجمع عام كان أم خاص، ولكن يمكن أن تزيد في مسائل التعصب الأعمى والكراهية وأحداث الضغائن سواء بين الأفراد أنفسهم أو مجتمعاتهم.

تطلب الحياة شيئًا من الدعابة، لتساعدنا في الحصول على المرح الذي يريح النفس، لكن أحيانًا، يحدث وأن تتسبب الدعابة في جرح مشاعر الآخرين وأذاهم. إضافة إلى ذلك فإن الدعابة كأي فعل إنساني، مثل التثاؤب والضحك والابتسام والعبوس والفظاظة والارتجاف يكون معديًا ومحفزًا للآخرين لتقليده، دون قصد.

وهكذا عندما يأتي شخص بدعابة بقصد المرح وإشاعة البهجة مع شخص آخر، يشارك آخرون ممن حضروا المجلس في التنكيت بقصد أو بغير قصد مما قد يؤدي الى انحراف المقصد من الدعابة المرحة الى دعابة محرجة لتباين الملقين والمستقبلين في الوعي والألفة والحساسيات النفسية.

هناك الكثير ممن لا يرغب في الدعابة والمزاح، وإن رغبوا فيها فإنهم يتقبلونها من اناس معينين وفي اماكن محددة وبجرعات مناسبة، لكن المضايقات والإغاظة والإحراج امور لا نستطيع منعها بالكامل فهي ملازمة لعلاقات الناس الاجتماعية وتبادل المصالح، والإغاظة ربما تكون مقبولة في ظروف معينة وتحت شروط محددة، ويمكن اعتبارها وديه ومفيدة تهدف الى الإثارة المثمرة وتكوين علاقات وروابط أوثق لأنها تساعد في إثراء العلاقات الاجتماعية بإشباع الدافع البشري الأساسي لنكون جزءًا لا يتجزأ من مجموعة إنسانية نعيش أو نعمل معها بروح ودية. في المقابل، ربما تكون سلبية وتنمرية، وربما قلبت الصداقة الى عداوة، وبدلت المحبة الى بغضاء.

المصدر رقم (3)

علينا، إذًا، تعلم كيفية التعامل معها بشكل فعال ومهارة فائقة لحل المشكلات المتعلقة بأخلاقيات الفكاهة. وللاقتراب من الطريق الصحيح، علينا تعليم وتعلم هذه المهارات في البيت وفي المؤسسات والصروح التعليمية. ولتسهيل الموضوع علينا، نحتاج الى مناقشة بعض النقاط:

الإغاظة الإيجابية

يمكن أن تكون الإثارة وسيلة لإظهار نوع من الإرشاد للآخرين لحثهم على اتباع سلوكيات مناسبة ضمن تقاليد المجتمع. على سبيل المثال، إثارة قريب أو صديق عندما يتحدث وفمه مليء بالأكل مما يعتبر سلوكًا غير مهذب وغير مقبول اجتماعيًا. هذه المضايقة، يمكن اعتبارها، طريقة غير مباشرة وغير مزعجة، بل ربما مرحة لأرسال رسالة هادفة من خلال التعبير عن الإحباط أو عدم الرضا، شريطة الا تسبب هذه الإثارة تصادم مباشر مع الطرف الآخر.

يضايق الأطفال بعضهما البعض لأنها تعطيهم متعة في إثارة ردة فعل الشخص الآخر، وقد يرغبون في الرد بالمثل على مضايقتهم بأنفسهم فيتعلمون الأخذ والعطاء مع الآخرين. يمكن أن تقوي المداعبة العلاقة من خلال إظهار التقارب والمودة مع شخص آخر.

وهناك من الناس من يكبر ويحتفظ بهذا الأسلوب في التعامل مع الآخرين ويكون بارعًا فيه، وهناك من لا يجيد لعب هذا الدور الحرج الذي يحتاج لوعي وثقافة ومهارة وتدريب، وحس مرهف وجس دقيق وحدس عميق، وقدرة على الارتداد المرن وتحمل الصدمات التي قد يكون بعضها جارحًا.

متى تكون الإغاظة إيجابية؟

تكون الإغاظة أو الإثارة إيجابية عندما:

  1. تكون ضمن إطار علاقة قوية مع شخصين يقدران المضايقة على أنها نوع من الحنية،
  2. تكون فيها نبرة صوت تشويقية، ومزحة خفيفة، وتصاحبها ابتسامة رقيقة ولا تنم عن عدوانية،
  3. يكون لها هدف سامً أو بقصد الاصلاح.

المضايقة البغيضة

يمكننا استخدام المضايقة لتقوية العلاقة، لكننا إذا لم نحسن طريقتها واساليبها فيمكن أن تتسبب في تنفير وانتقاد وإحراج شخص عزيز أو قريب، مما قد يضعف العلاقة. فهناك مَن مزحه خفيف يقربه للناس وهناك مَن مزحه ثقيل يبعد الناس عنه.

يمكن أن تتحول المضايقة الذي يفترض أن تكون أخوية وحنونة إلى تفاعل عدائي عندما يكون الشخص الذي تتم مضايقته غير راضِ من المضايقة. غالبًا ما تكون المضايقة بشأن المظهر الجسدي عدائية ومؤلمة. وليس في هذا غرابة لأن المظهر له تأثير كبير على القبول الاجتماعي وهو خارج عن إرادة الفرد، وهناك أمور تكون المضايقة فيها بغيضة عندما:

  1. يبدو الشخص الذي تتم مضايقته حزينًا.
  2. تكون في محضر غرباء أو اصدقاء جدد.
  3. تكون في مكان غير مناسب.
  4. تكون بسبب ضغينة مبيته، أو حقد أو كراهية.
  5. تكون بسبب رغبة طفولية في التنمر.
  6. يكون فيها فهلوة.

الثقة في الغرائز الداخلية

إذا شعرت أن هناك مضايقة سلبية ضد أي شخص، حتى ولو كنت عابر سبيل، فالأمر يستحق اهتمامك وتدخلك حسب الإمكان، لأن في ذلك ضرورة لإصلاح اخلاقي. ضع في اعتبارك قيمك وسلوكك الذي يلائم اخلاقياتك، وعليك أن:

  1. تكون على دراية باستخدامك للمضايقة – تأكد من أن التأثير إيجابي.
  2. ضع في اعتبارك أن الأطفال الصغار قد لا يفهمون المضايقة، خاصة السخرية، وقد يشعرون بمرراتها.
  3. فكر في تجاربك الخاصة مع التنمر، وكيف أن تلك التجارب والمشاعر و / أو الآراء المرتبطة بها قد تؤثر على طريقة تعاملك مع مواقف التنمر.

فوائد المضايقة اللطيفة

تأتي المضايقة اللطيفة من شخص يهتم بك ولا يريد أن يؤذيك أو يجعلك تشعر بالسوء. المضايقات اللطيفة جيدة لأنها:

  1. يمكن أن تكون مرحة.
  2. تعزز الانتماءات الاجتماعية.
  3. يمكن أن تساعدك على بناء علاقات أفضل مع الآخرين.
  4. تسمح بتعامل أفضل مع المواقف المحرجة.
  5. تساعد على التقريب بين كل من المداعب والشخص الذي يتم مضايقته.
  6. يمكن أن تساعد في حل المشكلات بطرق فكاهية.
  7. يمكن أن تجعل الحياة تمر بلطف في الأيام الصعبة. في بعض الأحيان يمكن أن تتجاوز المداعبة البسيطة حدودها بقوة فتصبح مضايقة غير محتملة، وتتحول المضايقة إلى تنمر عندما تستخدم لاكتساب مكانة اجتماعية أكبر أو عندما يكون القصد مما يقال إلحاق الأذى بالطرف الآخر.
المصدر رقم (2)

الفروق بين المضايقة والتنمر

  1. المضايقة تخلق علاقات أقوى بينما التنمر يضر بالعلاقات.
  2. الإثارة تثري شخصيتك بينما يسلبها التنمر منك.
  3. تحدث المضايقة بين الأنداد (العمر، القوة، الذكاء، الصداقات) بينما يحدث التنمر بين الأشخاص غير المتكافئين.
  4. تحافظ المضايقة على كرامة واحترام الشخص الآخر بينما التنمر يحرج ويجرح ويؤذي.
  5. قد تتضمن المضايقة ألقابًا غير ضارة يعتقد الطرف الآخر أنها مضحكة أيضًا بينما يتطرق التنمر الى أسماء مهينة أو موجهة ضد الدين أو العرق أو المظهر.

تحول المضايقة الى تنمر

تصبح المضايقة تنمرًا عندما:

  1. تحدث المضايقة بشكل متكرر.
  2. يتحول محتوى الإثارة من حنية إلى عدائية.
  3. يقصد الشخص الذي يضايق أن يؤذي الشخص الذي يضايقه.
  4. يكون هناك اختلال في توازن القوة، بمعنى أن يتمتع الشخص الذي يضايق بقوة أكبر أو بمكانة أوسع أو بألفة أكثر بين الحاضرين مقارنة بالشخص الذي يضايقه.
  5. يكون الذي تتم مضايقته منزعج أو مجروح من الموقف.

واجب الكبار أو الآباء عندما تتحول المضايقة إلى تنمر

  1. التدخل بدبلوماسية.
  2. التوضيح دائمًا بأن التنمر غير مقبول ولا مكان للتسامح معه.
  3. التحدث مع الشخص الذي تمت مضايقته لمعرفة ما يشعر به. دعه يعرف أنه يستحق أن يعامل باحترام.
  4. إذا كان الشخص الذي تمت مضايقته يعاني من صعوبة في تأكيد نفسه، فناقشه في الأمر ووفر له الدعم.
  5. ممارسة الطرق الأبوية والأخوية التي يمكن من خلالها إخبار الشخص الذي يضايق أو يتنمر بالتوقف.
  6. التأكد من أن الشخص الذي تمت مضايقته يعرف أنه بحاجة إلى التحدث إلى شخص بالغ موثوق به أو مع زملائه الداعمين إذا استمرت المضايقة أو التنمر.
  7. التحدث مع الشخص الذي يضايق عن سبب مضايقته، واستخدم النقاش لإيجاد طرق بديلة للتواصل مع الأقران. هل يعي الشخص الذي يضايق كيفية التعامل المثلى مع الآخرين، أم أنه يلجأ إلى المضايقة أو التنمر كوسيلة لجذب الانتباه والتواصل مع أقرانه؟ ربما تعلم هذا الشخص استخدام القوة لإيذاء الآخرين من خلال مراقبة ديناميكيات مماثلة في المنزل أو في المجتمع، وفي هذه الحالة سيكون من المهم مناقشة أن هذه السلوكيات لا يمكن التسامح معها وينبغي العمل على تعديلها.

التعامل مع المضايقة

  1. تحدث مع الصغار واليافعين عن التنمر والمضايقة وفهمهم الفرق بينهما، وعلمهم كيفية الاستجابة بفعالية عندما تتحول المضايقة إلى تنمر.
  2. أنشئ قائمة بقواعد المجموعة التي تركز على شكل معاملة الآخرين باحترام (على سبيل المثال، احترام المساحة المادية للفرد، وتشجيع الآخرين أثناء تجربة أشياء جديدة، والاستماع إلى الآخرين عندما يتحدثون).
  3. تحدث مع الصغار واليافعين حول كيفية إصلاح العلاقة بعد عدم الاحترام. على سبيل المثال، ناقش كيفية الاعتذار (العطاء والاستلام)، وكذلك كيفية التصرف باحترام في المستقبل ليظهروا للشخص الذي تم جرحه كيف أنهم تعلموا من أخطائهم وعلاقتهم.
  4. علم الصغار واليافعين اساليب المضايقة وكيفية قبولها بما في ذلك لغة الجسد والضحك والسخرية حتى يتمكنوا من رؤية الاختلافات بين التفاعل الجاد والمزاح.

كيف تحارب التنمر؟

  1. ابقَ هادئًا ولكن جادًا.
  2. اطلب من الشخص بحزم أن يوقف سلوك التنمر.
  3. إذا لم يتوقف السلوك، فتجاهل الشخص أو أبعد نفسك عن الموقف.
  4. إذا توقف السلوك، اشكر الشخص الآخر على توقفه واشرح كيف يجعلك هذا السلوك تشعر.
  5. قم بالإبلاغ عن استمرار المضايقة أو التنمر عند شخص راشد يمكنك الوثوق به.

المصادر:

  1. https://www.prevnet.ca/bullying/educators/the-difference-between-teasing-and-bullying
  2. https://www.scu.edu/character/resources/joking-teasing-and-bullying-what-is-the-difference-/
  3. https://www.boystowntraining.org/blog_teaching_students_the_difference_between_teashing_and_bullying.html
  4. https://www.huffpost.com/entry/contagious-behaviors_n_56f400d7e4b04c4c37616ff4
  5. https://www.youm7.com/story/2016/2/11/%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82-%D8%A5%D9%85%D9%80%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%87%D9%84%D9%88%D8%A9-%D8%A3%D8%B3%D9%84%D9%88%D8%A8-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9/2580910

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.