“كاميرا” وصورة الواقع العربي – بقلم الدكتور أحمد فتح الله

انتشر منذ فترة طويلة أن كلمة “الكاميرا” (camera في اللغة الانجليزية) بمعنى آلة التصوير أصلها عربي من كلمة “قُمْرة”، بضم القاف، التي أطلقها العالم العربي الموسوعي أبو عَلْي الحَسَن بن الهَيْثَم (965-1040م) على الحجرة المظلمة في تجاربه.

مصدر الصورة: 121clicks.com

الذي ساهم في قبول هذه المعلومة الخطأ وتعزيز انتشارها هو الإعلامي أحمد الشقيري الذي ذكرها في أحد حلقات برنامجه الشهير “خواطر” سنة 2010م، وشارك الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا في نشرها بشكل واسع وترسيخها كحقيقة “لغوية” تدغدغ عواطف العرب كميزة “تفوّق” للغة العربية.
ولكن الحقيقة هي خلاف ذلك، إذ أن “قُمْرة” (وزن حُمرة وخُضرة وصُفرة) في المعاجم العربية، مثل “لسان العرب”، و”مختار الصحاح”، و”المصباح المنير”، و “تاج العروس”، و “القاموس المحيط”، و “معجم متن اللغة”، تعني شدة البياض، وقيل لونٌ إِلى الخُضْرة، وبياضٌ فيه كُدْرَة، وقيل صفةٌ للقمر في ليلته الثالثة، وليس في معانيها غرفة أو حجرة.

مصدر الصورة: parade.com

أمَّا “قَمْرَة”، بفتح القاف، فتعني مضيئة، وليلة قَمْرَة: أي ليلة قمراء ينيرها ضوء القمر (المعجم الغني)، وقيل تعني الخَصْلة؛ فيُقالُ: لي عندَه خَصْلة وَخَصْلتان، أَي قَمْرة وقَمْرتان. وتستخدم في العربية المعاصرة للإشارة إلى قمرة القيادة في الطائرة أو قمرة السفينة وهي غرفة الملّاحين.

ويذكر “معجم المنجد في اللغة والآداب والعلوم” للويس معلوف (ص 652: مادة قمر): “قَمْرَةُ المركب عند الملَّاحين: معرب [la camera] (الكاميرا) الإيطالية ومعناها المخدع”. وتماثلها الكلمة الألمانية (Kammer) وبذات المعنى. ولكن، يبدو لي، والله أعلم، أن كلمة قمرة بمعنى (cabin) قد تكون تعريب أو تحوير (mistransliteration) كلمة (compartment) على غرار “ورشة” من (workshop)، وغيرها.

مصدر الصورة: ndtv.com

وفي معاجم اللّغة الإنجليزية، والتي تهتم بالأصل التاريخي للكملة (etymology)، مثل ماريام ويبستر، وقاموس أكسفورد وقاموس كولنز،  وقاموس ماكميلان، كلمة (camera) أصلها لاتيني، مأخوذ عن جذر يوناني، وتحديدًا من كلمتي (Camera obsucra) (بمعنى: الحجرة المظلمة)، وقد اشتُّقّت هاتان الكلمتان بدورهما من اصطلاح (Camera) باللاتينية القديمة، والذي يعود إلى الأصل اليوناني (καμάρα) “الحُجرة المُقَنْطرة” (حجرة قوسيَّة الشكل). هذا التأصيل التاريخي حتمًا سبق وجود ابن الهيثم (965-1040م).
والجدير بالذكر أن جميع الكتب والموسوعات العربية التي تناولت موضوع العلوم عند العرب والمسلمين، على سبيل المثال، “تاريخ العلوم عند العرب” لعمر فروخ، و”أضواء على تاريخ العلوم عند المسلمين” لمحمد حسين محاسنة، و”أثر العلماء المسلمين” لأحمد علي الملا، لا تشير إلى العلاقة بين كلمة “كاميرا” و “قُمْرَة”، ولا تذكر كلمة “قُمْرَة” في تناولها لانجازات ومكتشفات ابن الهيثم، وذلك لأنه نفسه لم يستخدم كلمة “قُمْرَة”، وخاصة في كتابه “المناظر” وإنما استخدم كلمة الحُجرة أو الموضع المظلم.
هذا، ورغم أن كلمة “كاميرا” الأجنبية (غير العربية) ليست مُستوحاة من كلمة “قُمْرَة” العربية، لا بد من القول أن (camera) (كاميرا) كآلة تصوير (مصورة) هي نتيجة جهد بشري طويل في علم البصريّات الذي أسسه عالم مسلم وعربي (ابن الهيثم) أو ساهم في تأسيسه.

ابن الهيثم مخترع المصورة – مصدر الصورة: independentpress.cc

وفي الختام، من الطبيعي أن يعتزَّ المرء بتاريخه، لا أن يخلق تاريخًا مزيفًا مبنيًّا على أساطير وأكاذيب يصدقها تعويضًا عن حضارة يفتخر بها لكنها مضت، ولن تعود إلا بالإبداع الفكري واللحاق بركب البشرية المتقدمة. والقصة ليست قصة مفردة “كاميرا” أو “قمرة” أو مفردات تتبادلها اللغات فيما بينها. إنَّ التعصب العاطفي للغة (العربية) لا يخرجها من أزمتها الراهنة بسبب تخلف الأمة.

؛؛فأزمة اللغة العربية المعاصرة ليست في ذاتها بل في أصحابها (أهلها)؛؛

فاللغة هي مرآة لحالة أصحابها وهي أداة التعبير لمتطلبات وحاجات وتصورات هذه الحالة. حين تتغير الحالة تكون اللغة لسان ومرآة الحالة الجديدة، بل وأداة تصوير لأدق تفاصيلها. فنهضة اللغة العربية تبعٌ لنهضة الأمة العربية الحضارية، وهذا ما أشرت إليه في مقالات سابقة، وسأفرد له مقالًا قادمًا قريبًا إن شاء الله.

تعليق واحد

  1. حقاً اللغة هي مرآة حال الأمة والحامل لثقافتها وتاريخها وحضارتها، تزدهر حين يزدهر حاضر الأمة وتنهض بنهوض الأمة من تخلفها وكبوتها الحضارية لتصبح اللغة حينئذ ولاَّدة وخلاقة تتسم بالإبداع والإبتكار وليس بتحميلها مالاتحتمل ونسبة مالا ينتسب لها وغمط المبدعين والمخترعين من غير قومنا حقهم بدافع النرجسية الذاتية والنزعة الرغبوية ، شكراً جزيلاً للدكتور أحمد فتح الله على هذه الإضاءة الجميلة، والشكر موصول لصحيفة علوم القطيف الألكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.