دلال القهوة بمتحف عبد العزيز المناسف

الدَلَّه بفتح أولها وفتح ثانيها -ايضاً- مع التشديد هي كما تعرف في دول الخليج العربي وأنحاء الجزيرة العربية وكثير من الدول العربية كالشام ولبنان والأردن والعراق وغيرها أنها هي الوعاء النحاسي المخصص لتحضير القهوه وصبها منها ساخنا في الفناجين لتقديمه للضيوف وكذلك لشرابي القهوه فهل، اشتق أو تولد إسم هذا الوعاء من الدلو؟ فحسبما تشير الكثير من المعاجم العربية فإنها تربط لفظة دلة بالدلو وإن كان لها معان أخرى بالإضافة إلى أنها تعرف بالإبريق الصغير المصنوع من النحاس.

يذكرني لفظ دلة بالمصطلح العربي عندما يقال: “الكل يدلو بدلوه” على أن الدلاة هو الدلو الصغير والدلو هو الوعاء الذي يربط بآلة خشبية قديمة لتغمس في غياهب المياه إن كان هذا الماء في جب أو في عين أو في جدول جارية مياهه بهدف الحصول على الماء.
وإليك مسرد مختصر وسريع لما قالته بعض المعاجم العربية المعتمدة حول مشتقات الدلة وأصولها القريبة منها، فمعجم اللغة العربية المعاصر يفسر معنى دله: يدله ودلها ودلوها (فلها علاقة بالدلو) ودِلِه الشخص تحيره وذهاب عقله (وكما نقول باللهجة القطيفية اندفق عقله).
وجاء في لسان العرب أن الدَلَّه ذهاب الفؤاد من هم ونحوه، والمعجم الوسيط يشير إلى لفظة دله ودلها ودلوها وأيضا يشير إلى ذهاب الفؤاد من هم او عشق اونحوهما.
وكذلك المحيط في اللغة هو ذهاب الفؤاد من هم كما (تدله) المرأة على ولدها إذا فقدته.
وتعالوا ننتهل من مختار الصحاح في أن تدلدل الشيء أي تحركه متدليا ودلا الدلو التي يستقى بها وجمعها في القلة (أدْلٍ ) والكثرة دلاء، والداليه: المنجنون تديرها البقرة والناعوره يديرها الماء..
فالنتيجة هي علاقة الدلة بالدلو فهو نفس الاشتقاق والمشار إليه على انه وعاء لجلب المياه.

فالسؤال هو: هل كلمة دله مستعارة من لغة غير عربية -كالفارسية مثلا؟- حيث توجد فيها لفظة قريبة وهي كلمة (دولا) والتي تعني وعاء الماء ونحوه! أم أنها جاءت من لغة قديمة منقرضة وهي الآرامية والتي كانت لغة سامية شرق أوسطية التي انطلقت من الحضارة الآرامية في وسط سوريا كما أنها كانت رسمية في بعض دول العالم القديم كالهلال الخصيب وفي العراق؟ فلفضة (دولا: dawla) بالآراميه القديمة تعني الدلو أو الإناء.

عموما فلنرجع إلى دلتنا التي هي في وسط مجتمعنا المحلي وتصنيفاتها وأنواعها والتي قد خصصت لتحضير مشروب القهوة الساخن فهناك العديد من المسميات لهذه (الدلال) حسب موطن صناعتها او مجتمعها؛ فهناك الدلة السوريه والعراقيه والحجازيه واليمنيه والأردنيه بل وحتى الدلال القوميه كاليهودية والقاجاريه وغيرها والحساب على من ابتلي في أيامنا هذه بهوس الإهتمام بجمع أنواع هذه الدلال وخصوصا النادرة منها كالخليجية والبحرينية والحساوية وأما الأندر منها فالقطيفية تكاد أن تكون منقرضة.

لا اجزم أن أقول أن القطيف كانت تصنع الدلال ولكنها حتى السبعينات كان هناك من يصنع أغلب اجزائها وخصوصا أيام سكة الحريه فالغطاء وهو أصعب اجزائها حيث كان يثبت في الدلة بواسطة مايعرف بالبرشام وكذلك المصب الذي كان يلحق بها عن طريق اللحام وحتى قاعها كان يصنع محليا فلم يبق شيئا منها لايصنع أو يعاد صياغته أو صيانته في القطيف هذا عدا التصفير. اتذكر أن هناك أكثر من شخص ممن كانوا يقتنون دلال ضرب عليها وشم أو ختم كلمة القطيف في قاعها، فلست متأكدا إن كانت هذه الكلمة تعني استعمالها في القطيف أم أنها تعني -وكما يقال- Made in Qateef؟

هذه مقدمة كتبها الأستاذ عبد الرسول الغريافي عن الدلال ، ليفتح الباب على مصراعيه للحديث مع الأستاذ عبد العزيز حسن المناسف (ابو ثامر) ، الرجل الذي يهتم بحفظ تراث بلده في بيته الذي حوله لمتحف يحوي الكثير من الأشياء القديمة ، ومن اهم الأشياء التي يهتم بها هي الدلال ويملك ابو ثامر مجموعة كبيرة من الدلال ومعلومات مستفيضة عنها ، وسنتطرق لبعض ما ذكره لنا عن الدلال مدعوما بالصور ما أمكن ذلك.

ابو ثامر في متحفه

بدأ الأستاذ عبد العزيز المناسف هوايته فعليا بعد تقاعده عام 2009م ، بعد ما كان يستهويه حب الأشياء القديمة من الصغر ، ويقول أن الأشياء القديمة تحمل طابع جمالي وذكريات وفن ، خاصة اليدوية منها قبل التصنيع بالماكينة. كانت الأشياء لها علاقة بالإنسان ومرتبطة معه وتتناغم مع مواهبه وطبيعته ومازالت يُشم منها عبق الماضي. وعن صعوبات جمع الأشياء القديمة والتراثية يقول ابو ثامر أنه كان يجد صعوبة في تقييم الأشياء القديمة لكن مع الوقت إكتسب خبرة كافية تؤهله الى أن يشتري وهو مطمئن وإن كانت القيمة عالية.

وعن دور المتحف في المجتمع وما تعنيه له شخصيا ، يقول أن المتاحف تعزز دور الثقافة في المجتمع ، ووجودها يعطيك إحساس بالرضا ، وأضاف بأن النظر الى الأشياء التراثية يعطي الإنسان راحة نفسية ودروس وطمأنينة ، بالإضافة الى التعرف على المهارات وتلمس قدرة الأجداد من الإستفادة من الطبيعة وإنتاج المهارات. وقال: المتاحف محطة مهمة لتعزيز الصلة بين الأجيال وتربط الجيل السابق بالجيل اللاحق.  والمتاحف تحتاج الى جهد وإمكانيات مادية ووقت ، وهي بالإضافة الى أهميتها ودورها المهم في المجتمع فهي تجارة وهواية وتسلية.

وعن علاقته بالدلال أوضح أن الدلة هي قلب المتحف وهي جزء أساسي للمتاحف في منطقتنا ، لأنها لازمت إنسانها منذ القدم وهي شعار للكرم فلا يخلو بيت في منطقتنا لا قديما ولا حديثا من دلة القهوة. ودلة القهوة مرتبطة بالذوق الرفيع والراحة بعد عناء العمل ومرتبطة أيضا بعلاقات الناس مع بعضها ، فحلو الكلام لا يأتي الا بين صوت القهوة وهي تنسكب من الدلة الى الفنجان.

جانب من متحف ابو ثامر

يؤكد ابو ثامر أيضا على أن العراق هي منشأ الدلال ، والدلة عند العرب هي شعار الكرم فلا يخلو بيت منها ، والدلة العراقية تعتبر هي الأفضل وتأتي في الدرجة الأولى من ناحية جودة الصناعة ، وخاصة الدلة البغدادية ، وتحديدا دقة السيد مهدي الصالح (والذي توفي قبل أكثر من 100 سنة). وهناك أنواع كثيرة من الدلال العراقية أشهرها الشطراوية والنصرانية والناجمية.

وتأتي الدلة السورية في المرتبة الثانية بعد العراقية وهي عراقية التصميم لكنها دقة سوريا. ويعتبر ابراهيم رسلان أول من دق الدلة السورية. وورث أبناء ابراهيم رسلان هذه الصنعة من أبوهم. واشتهر هذا النوع (رسلان) في كل أنحاء العالم العربي ، فهذا التصميم بات يصنع في حمص والحجاز والأحساء مثل دلة عليان والقرينية.

وهناك دقة جاسم ودقة أبناء جاسم ، ومؤخرا تم الإهتمام بصناعة الدلة في كثير من المناطق ، فهناك الدلة العثمانية والبحرانية والعمانية وهي أغلى أنواع الدلال ، والدلة القطيفية وهي نادرة الوجود.

وهذه نماذج من بعض الدلال التي يمتلكها ابو ثامر (تصوير الأستاذ عبد الرسول الغريافي):

الدلة البحرينية
الدلة العمانية
الدلة الحساوية القرينية
الدلة العيزرية (ضربت في صنعاء اليمن واستخدمت في مكة المكرمة.
الدلة البغدادية الشطراوية (الحجم خُمرة)
الدلة البغدادية
الدلة البغدادية (دقة السيد مهدي الصالح)
الدلة البغدادية الشطراوية (الحجم تقديم)
الدلة الحمصية
دلة أنور رسلان
طقم دلات قريشية (دقة عزت الصالحاني)
دلة القصر
الدلة الحمصية (الحجم خُمرة)
الدلة النصرانية
الدلة العثمانية
الدلة النجرانية
دلة قِشُر اليمانية

وقبل الختام يوجه “أبو ثامر” رسالة الى الجيل الجديد ويدعوهم الى التعرف الى الحضارات والتراث وعدم نسيان فضل الآباء والأجداد ، والى الإهتمام بالمتاحف فهي تعزز الوطنية وتربط الحاضر بالماضي وتؤسس للمستقبل.

الأستاذ عبد العزيز المناسف
المؤرخ عبد الرسول الغريافي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.