كيف يحل الدماغ المسائل – ترجمة عدنان أحمد الحاجي 

How the brain solves problems
(بقلم: ديليا دو تويت – Delia du Toit)

ما هو مهم هو الروابط بين مناطق دماغنا وكيف تتفاعل معًا عند محاولة إيجاد حلول للمسائل (problems) [المترجم: ولها عدة معانٍ أخرى، مثل المشاكل / الاشكاليات / الأمور / القضايا، ولم يتضح من السياق إلّا نادرًا أي قرينة على المقصود منها لذا فضلنا استخدام المسائل لأنها قد تضم أكثر هذه المعاني، 1].

أثناء محاولتي التفكير في مقدمة لهذا المقال، خطر ببالي أنه لو كنت داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، لعرضت شاشته عدة مناطق دماغية تضيء كما تضيء ساحة تايمز سكوير [ربما يعني الساحة التي في مدينة نيويورك) بينما كان عقلي يحاول حل قضية.

مصدر الصورة: medicalxpress.com – Pixabay/CC0 Public Domain

أولاً، قشرة ما قبل جبهية (prefrontal cortex) (انظر 2) والعقد القاعدية (3) والمهاد (4) من شأنها أن تدرك أن الصفحة البيضاء (الفارغة) تعني أن هناك مسألة يجب حلها. الاعتقاد بأن المحرر قد لا يفضل استخدام ضمير المتكلم في ورقة علمية من شأنه أن يضع الجهاز الحوفي، وهو الجزء البدائي (primal) في الدماغ حيث تتم معالجة المشاعر، في أقصى حده من النشاط (overdrive).  ستبدو اللوزة، تلك الكتلة الصغيرة التي تشبه شكل اللوزة في قاعدة الدماغ ، مثل شجرة عيد الميلاد مع ازدياد القلق.

أخيرًا، عندما بدأت كلمات المقالة تملأ الشاشة، كان من شأن القشرة ما قبل جبهية التي تقع خلف الجبهة مباشرة تومض وتلمع. الحصين يمكن أن يستخدم ذكريات المقالات المماثلة السابقة، وعملية جمع المعلومات وحتى دروس اللغة الإنجليزية التي تدرس في المدارس التي أُخذت منذ عقود، للمساعدة طوال عملية حل المسألة. وكل هذا النشاط سيحدث تزامنيًا.

الحل الشمولي (holistic) للمسائل

بناءً على المسألة التي تواجهك، يمكن أن يشارك الدماغ بأكمله في محاولة إيجاد حل لها، كما تقول البروفسورة كيت كوكروفت (Kate Cockcroft)،  قائدة قسم علم الأعصاب الإدراكي (المعرفي) في مختبر أبحاث العلوم العصبية (Wits NeuRL) في كلية تنمية الإنسان والمجتمع في جامعة ويتس (Wits).

يمكنك أن تستخدم العديد من مناطق الدماغ المختلفة لحل مسألة ما، خاصة المسائل المستجدة أو الصعبة منها. فكرة العمليات الموضعية (local) في جزء أو جزئين من الدماغ قد اُستبدلت بأدلة أحدث على أن الروابط بين مناطق الدماغ وتفاعلها معًا والتي هي مهمة في العمليات المعرفية (الادراكية). بعض المناطق قد يجري تنشيطها بشكل آكثر أثناء حل بعض المسائل – على سبيل المثال، الأمور البصرية من شأنها أن تنشط القشرة البصرية (5).

كل هذا النشاط يحدث كإشارات كهروكيميائية. تتشكل هذه الإشارات داخل الخلايا العصبية (العصبونات)، وتنتقل على طول المحاور الشبيهة بالتغصنات وتقفز من خلية عصبية إلى أخرى عبر فجوات تسمى المشابك العصبية، بمساعدة النواقل العصبية (6). نمط هذه الإشارات وحجمها وشكلها وعددها وما تتواصل معه ومنطقة الدماغ التي تحدث فيها، كل ذلك يحدد ما تنجزه من حل”.

على الرغم من أن حل المسائل هو عملية ما وراء معرفية (ادراك الإدراك، 7) – “أو التفكير في التفكير” – إلا أن ذلك لا يجعلها فقط نطاقًا لقشرة ما قبل جبهية المتطورة للغاية (أي أحدثها من الناحية التطورية، 8) ، كما تضيف الدكتورة سهبا بشارتي (Sahba Besharati)، رئيسة قسم علم الأعصاب الاجتماعي والوجداني في مختبر أبحاث العلوم العصبية (NeuRL).

“هذا هو أحدث جزء متطور من الدماغ البشري، ولكن حل المسائل لا يحدث بمعزل عن أمور أخرى – بل منغمر في سياق اجتماعي يؤثر في الطريقة التي  نفسر بها المعلومات. خلفية المرء أو جنسه أو دينه أو مشاعره، من بين عوامل أخرى، تؤثر في الطريقة التي يفسر بها القضية. وهذا يعني أنه يقتضي استخدام مناطق دماغية أخرى كالجهاز الحوفي، وهو أحد أقدم أنظمة الدماغ الموجودة في أعماق القشرة”، كما تقول بشارتي.

“قدرات حل المسائل ليست خصوصية بشرية. بعض الحيوانات أفضل منا في حل مسائل معينة، لكننا جميعًا لدينا مهارات اساسية لحلها – إذا كان هناك خطر، غادر مكان الخطر ؛ إذا كنت جائعًا ، فابحث عن طعام”.

لن يكون أي من هذه الأمور ممكنًا بدون ذاكرة أيضًا، كما تقول كوكروفت. “بدونها، من شأننا أن ننسى أي شيء نقوم بمحاولة حله وبدونها أيضًا لن نتمكن من استخدام الخبرات السابقة لتساعدنا في حلها”.

والذاكرة، مرة أخرى ، مرتبطة بالمشاعر. “إننا نستخدم هذه المعلومات لزيادة احتمالية تحقيق نتائج إيجابية عند حل معاضل جديدة”.

تحسين مهاراتك

لقد ثبت مرارًا وتكرارًا أنه يمكن تحسين أي عملية دماغية تقريبًا – بما في ذلك القدرات على حل المسائل. “مرونة الدماغ هي شيء حقيقي – الدماغ يستطيع أن يعيد تنظيم نفسه وذلك بالتدخل المستهدف” ، كما تقول بشارتي.  “إعادة التأهيل بعد إصابة عصبونية هي عملية ديناميكية وعلم مستمر في التحسن أتاح لنا معرفة كيف يمكن للدماغ أن يتغير ويتكيف استجابة للبيئة (للمحيط أو لما يجري حوله). أظهرت الدراسات أيضًا أن تمارين الحفظ (عن ظاهر قلب) البسيطة يمكن أن تساعد بشكل كبير في الاحتفاظ بالمهارات المعرفية في سن الشيخوخة”.

بالطبع ، كل هذه العمليات تعتمد على إدراك عقلك أن هناك مسألة (مشكلة) يجب التعامل معها في المقام الأول – إذا لم تدرك أنك تنفق أموالك بسفاهة، فلا يمكنك تحسين وضعك المالي. “ادراك المسألة (المشكلة) يحدث على مستوى الوعي واللاوعي. مرضى السكتة الدماغية غير المدركين لشللهم الحركي، على سبيل المثال، لا يعتقدون توهمًا أنهم مشلولون ولن ينخرطوا في إعادة التأهيل في بعض الأحيان. لكن غالبًا ما يتعافون من أوهامهم تلقائيًا، مما يفيد أن الإدراك على مستوى اللاوعي وذلك، وبمرور الزمن، يمكن أن يعيد للدماغ وظائفه”.

لو أخفق كل شيء حاولته، فقد يكون هناك بعض القيمة للمثل المأثور “نَمْ على ذلك الشيء” ، كما تقول كوكروفت (Cockcroft). يُعتقد أن النوم يساعد في تقوية الذاكرة – تغيير الذكريات من حالة هشة يمكن أن تتضرر بسهولة وتؤدي إلى حالة تلف دائم. وبالنوم، تخزن الذكريات في مناطق مختلفة من الدماغ  وتتشكل روابط عصبونية جديدة قد تساعد في حل المسائل. عند الاستيقاظ، ربما تكون قد كونت اقترانات بين المعلومات التي لم تفكر فيها من قبل. يبدو أن هذا سيكون أكثر فاعلية في غضون ثلاث ساعات من تعلم معلومات جديدة – ربما يتعين علينا فرض قيلولة على الطلاب بعد المحاضرات (الدروس)!

مصادر من داخل وخارج النص:
1- https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/مسألة/
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/قشرة_فص_الجبهة
3- https://ar.wikipedia.org/wiki/عقد_قاعدية
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/مهاد
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/قشرة_بصرية
6- https://ar.wikipedia.org/wiki/ناقل_عصبي
7-  “إدراك الإدراك (Metacognition)، أو ما وراء المعرفة، هو مجال دراسة كيفية إدراك المعرفة المحصلة. يعرف عادة بـ “المعرفة حول المعرفة”. الإدراك الذاتي يأخذ أشكالًا مختلفة مثل معرفة متى و كيف تطبق “إستراتيجيات مختلفة للتعلم أو حل المشاكل”. الذاكرة الإدراكية، أو معرفة الفرد عن ذاكرته، هو نوع مهم من أنواع إدراك الإدراك. لا يوجد دراسات وافية حول الاختلافات في الإدراك بين الثقافات المختلفة والتي لو حصلت لأعطت نتائج مفيدة في تحسين ظروف التعلم بين الطالب والمعلم في مجال الثقافات المتعددة. وينظر بعض علماء النفس الثوريين بأن الميتاكوغنيشن هو أداة للمحافظة على البقاء والذي يجعله ضرورة حية في جميع الثقافات. كما يمكن تتبع الكتابات حول الموضوع إلى أيام الفيلسوف الإغريقي أرسطو وخاصة في أعماله بعنوان “حول الروح” (De Anima) و “الماورائيات” (Parva Naturalia). اقتبسناه من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/إدراك_الإدراك
8- https://en.wikipedia.org/wiki/Evolution_of_the_brain

المصدر الرئيس:
https://www.wits.ac.za/news/latest-news/research-news/2021/2021-08/how-the-brain-solves-problems.html

الأستاذ عدنان أحمد الحاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.