د. أحمد فتح الله

مقدمة كتاب “الخطابة العربية: الفن والوظيفة” (ج5 والأخير) – ترجمة الدكتور أحمد فتح الله

(الجزء الخامس والأخير)
من ترجمة مقدمة كتاب “الخطابة العربية: الفن والوظيفة”* للدكتورة طاهرة قطب الدين**

10- منهجية: نهج هجين متعدد الأوجه، حساس لتعقيد الموضوع

الخطابة العربية تتحدث إلى العديد من فروع التحقيق. وبالتالي، فإنني أستخدم نهجًا متعدد الجوانب في تحليلي يجمع بين منهجيات من مجموعة كبيرة وانتقائية من التخصصات، بما في ذلك الشفوية، والنقد الأدبي، واللغويات، ونظرية الاتصال، وتحليل الخطاب، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، واللاهوت والدين، والتأريخ، والعلوم السياسية، والفقه، تحليل الموضوع والسياق، نظرية الموسيقا، دراسات النوع الاجتماعي وما بعد الاستعمار، دراسات الصدمات، تفسير القرآن، الحديث النبوي، الدراسات التوراتية، الفلسفة، ودراسات اليونان الكلاسيكية وروما. يتقاطع الأدب مع العديد من التخصصات الأخرى في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

لكل فصل من الفصول المختلفة في هذا الكتاب، أقوم بتطبيق مجموعة انتقائية من الأدوات التي تقدم أفضل خدمة لموضوع ذلك الفصل. بالنسبة لجميع الفصول، أمزج الأدوات ذات الصلة من هذه التخصصات مع التقنيات اللغوية الصارمة، وكذلك تاريخ السرد الإسلامي وأساليب العصور الوسطى في نظرية الأدب العربي، لإنتاج ما آمل أن يكون أداة هجينة ومتعددة الأوجه حساسة لتعقيد الموضوع.

ما يربط المنهجية معًا هو الاهتمام الوثيق الذي يُولى في جميع الفصول لنصوص الخطابة، التي تشكل قلب الدراسة. أستخدم عينات واسعة من النصوص المختارة في الغالب على أساس تصديقها المبكر والواسع.

تم استخلاص هذه النصوص والمواد المتعلقة بثقافة الخطابة العربية من مصادر متنوعة في العصور الوسطى. يتم استخراج الأعمال الكتابية والتاريخية والأدبية والنقدية والقانونية والفيلولوجية واللاهوتية والتفسيرية والتعليقاتية للحصول على المعلومات ذات الصلة. لكل من بضع مئات من الخطب التي تم الاستشهاد بها، تمت الإشارة إلى جميع المصادر الأولية التي يمكن تحديد موقعها. بالإضافة إلى نصوص الخطب، تحتوي هذه المصادر على تقارير تؤطر الخطب، وحكايات حول الخطباء، وبعض التقييمات النقدية للخطب، والخطباء، والمنهجية الخطابية. بالنسبة للفصول المتعلقة بخصائص وأنواع الخطاب، أضع أولًا تقييمي للمبادئ، وأختم بالنص والترجمة والتحليل للخطبة التوضيحية الكاملة.

إن ترجمات جميع النصوص الخطابية هي ترجماتي، وكذلك ترجمات معظم المصادر العربية الأولية الأخرى، ما لم يُذكر خلاف ذلك. أستخدم لغة العرض التي تستخدم مصطلحات الإسناد والاحتمال بدلًا من اليقين، خاصة عند الحديث عن تاريخية الخطب الفردية. على الرغم من أنني حاولت تجنب التكرار، فقد تمت الإشارة إلى بعض الموضوعات والنصوص ضمن أكثر من عنوان تقييم واحد. الغالبية العظمى من الخطباء في هذا الوقت كانوا من الذكور، لذلك عندما أتحدث بشكل عام، أشير إلى الخطيب في الجنس المذكر.

أتعامل مع نصوص الخطابة من قبل عدد كبير من الخطباء، من مختلف المشارب، ومن خلفيات متنوعة. بعض الخطباء الذين أذكرهم مشهورون، بمن فيهم محمد وغيره من قادة الدولة الإسلامية – الخلفاء والقادة العسكريين والمحافظين والقادة الخوارج والشيعة وحفنة من العلماء. البعض أقل شهرة. علي بن أبي طالب، أول إمام شيعي وخليفة سني رابع، هو مُعلِّم فصاحة معترف به، يُنسب إليه أكبر عدد من خطب هذه الفترة، ويمكن القول إنه الخطيب الأكثر نفوذًا في الإسلام. كما أنه مفضل شخصيًا، وقد ورد ذكره كثيرًا في هذا الكتاب.

بالنسبة للفصل قبل الأخير حول تأثير الخطابة على نثر العصور الوسطى، أَعْتَمِدُ على أعمال نثر العصور الوسطى، وأدلة مكتبية، وكتب النقد الأدبي.

وبالنسبة للفصل الأخير حول الوعظ الإسلامي المعاصر، أستكشف الدافع والطريقة الكامنة وراء استخدام التقاليد الكلاسيكية من خلال المقابلات مع الدعاة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وفحص مناهجهم الدراسية، وكذلك عبر الملاحظة الشخصية والتسجيلات الإعلامية للخطب. والخطب في هذه المناطق.

11- ما تقدمه هذه الدراسة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية

بالإضافة إلى اهتمامي بعلماء الأدب العربي والتاريخ الإسلامي، فإن دراستي الحالية للخطابة العربية تقدم شيئًا مهمًا إلى مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية: إن استكشاف أصول النثر العربي يملأ فراغًا كبيرًا في مكتبة التاريخ الأدبي حيث لا يُعرف الكثير عن هذا الجانب الهام في الأدب العالمي. أمَّا بالنسبة لمجال دراسات الخطابة، فإنه يقدم ثقافة غير مستكشفة تقريبًا مع قدرٍ كبيرٍ من المواد الأدبية الشفوية، التي ليست فقط أشكال شعرية كالتي في المحفوظات العالمية من عصور ما قبل الحداثة (مثل الملاحم اليونانية ومدائح الزولو). إنَّ النصوص العربية هي إحدى المجموعات القليلة التي تحتوي على بقايا حقيقية من النثر الإيقاعي المنتج في مجتمع شفهي بامتياز.

بالنسبة لعلماء الخطابة، فإنه يضيف منطقة غير مستكشفة حتى الآن للخطابة، منطقة ذات أبعاد دينية وسياسية مميزة. بالنسبة لعلماء التاريخ والعلوم السياسية، فإنه يوفر مصدرًا أدبيًا ثريًا، بالإضافة إلى نموذج لكيفية قيام الأدب بإضافة جانب غير تقليدي إلى تلك التخصصات. بالنسبة لمنظري المؤسسات الديمقراطية، فإن مناقشتها لديناميكيات جمهور الخطيب وتشكيل المجال العام في الإسلام المبكر يثري تصورهم للفكر السياسي الإسلامي، ويقدم أمثلة توضح كيف يساهم استخدام المتحدث للغة في بناء المجتمع. أخيرًا، لجميع علماء العلوم الإنسانية والاجتماعية، يقدم تجربة في منهجية انتقائية.

12- المحتويات

حددت الفصول العشرة الأولى المعالم الرئيسة للخطابة العربية في بداياتها، الفترة الشفوية:

– الفصل الأول، المتعلق بالحفظ، يناقش النقل الشفهي للخطابة، بالإضافة إلى مصادرنا المكتوبة للنصوص والمسألة المركزية المتعلقة بالأصالة.

– الفصل الثاني، في الهيكل، يعيد بناء المكونات الأساسية للخطابة:

الدعاء التمهيدي بحمد الله، وعبارة الانتقال، والخطاب الدعائي للجمهور، العرض (القسم الرئيس) للخطابة بموضوعاتها المختلفة، وخط صلاة في النهاية. إنه يوضح كيف صمَّم الخطيب بشكل فريد عناصر الهيكل الثابت للخطابة لحظات معينة، واضعًا في سياق مجازي العناصر التقليدية في كل أداء لإيصال رسالته الدينية والسياسية.

– الفصل الثالث، عن الأسلوب، يعرض جماليات الخطابة من الشفوية والإقناع، عبر فحص خمس مجموعات رئيسة متجذرة إلى حد كبير في قاعدة فن الاستذكار: الإيقاع، وتقنيات إشراك الجمهور، والصور الحية، والاقتباس من المواد الموقرة، واللغة الكريمة والمباشرة.

– الفصل الرابع، عن الخطباء والجمهور، ويبرز ديناميات الفضاء العام، والإقناع، والتفاوض على السلطة، في إطار خطابي تفاعلي. تسمية الخطباء الرئيسيين وتوصيفهم، يتتبع حركة الخطابة من كونها موجهة أساسًا للإقناع في زمن النبي والخلفاء الأربعة الأوائل، إلى الإكراه بنهاية العصر الأموي. كما يوضح كيف خصَّص الخطيب أداءَه، لحظة بلحظة، لردود الجمهور اللفظية والإشارات غير اللفظية.

– الفصول من الخامس إلى الثامن، حول الأنواع الأربعة الرئيسة للخطابة العربية: خطبة الإرشاد الديني، وخطبة المعركة، والخطاب السياسي، وخطبة الجمعة والعيد، تشرح الموضوعات والزخارف والصور والمفردات والصيغ والسياقات من كل نوع . تشكل الموضوعات (كما قال الفيلسوف الفرنسي البارز ميشيل فوكو) العالم الذي نعيش فيه(28)، وتشكل موضوعات خطبنا العالم الديني والسياسي والعسكري والأخلاقي الذي يسكنه العرب الأوائل. يُظهر تقييم هذه الموضوعات قيم وأعمال عالمهم.

– يناقش الفصل التاسع أنواعًا إضافية من الخطب: النثر التشريعي، اللاهوتي، المقفى للكهان الجاهليين، وخطبة الزواج.

– الفصل العاشر، حول خطب النساء النادرة، يناقش المحتويات والسياقات المميزة، حيث تؤدي الظروف المؤلمة إلى كسر الصمت العام الذي يفرضه المجتمع على المرأة. كما يستكشف أسس سلطة الخطابة في القرابة الذكورية.

يستكشف الفصلان الأخيران تأثير الخطابة الكلاسيكية واستمراريتها في العصور الوسطى والحديثة.

– يتناول الفصل الحادي عشر، الذي يتناول تأثير الخطابة العربية الفصحى على أدب النثر العربي اللاحق، تطور الرسالة الكنسية وأنواع أخرى من النثر والنقد الأدبي، بالإضافة إلى خطبة الجمعة والعيد في العصور الوسطى، والتي تم تحليلها في خطاب شفهي منزلق سلسلة متصلة مكتوبة، تسلط الضوء على الواجهة بين الشفهي والمكتوب.

– الفصل الثاني عشر، حول تأثير الخطابة العربية الفصحى على خطب الجمعة والعيد الإسلامي المعاصر، يبحث في استمرار توظيف الأخيرة لممارسات الأولى (الهيكل والأسلوب والإطار والصور والصيغ والموضوعات) في محاكاة واعية لما يراه الدعاة المعاصرون خطبة الجمعة الأصلية للإسلام. نظرًا لأن الخطب عمومًا، والخطب الحالية، متجذرة في الشريعة التقليدية، فإن بعض المفاتيح الأكثر فاعلية لفتح الفروق الدقيقة في المعنى في الخطاب العام الحالي توجد في أعراف الخطابة العربية الكلاسيكية.

[ملاحق الكتاب]

الكتاب به مسردان (فهرسان) وملحق مواد مرجعية لمحتوياته:

– يسرد ملحق الخطابات الأسطر الافتتاحية، والسياق، والمكان لكل خطبة مقتبسة، جنبًا إلى جنب مع جميع المراجع الأولية الموجودة لكل نص، وفهرس الخطب.

– مسرد رقم 1 قوائم الخطباء مع التواريخ والمعلومات التعريفية.

– المسرد رقم 2 يسرد ويميز المصطلحات الأدبية.

[خاتمة]

هذا الكتاب هو أول دراسة جوهرية عن النوع الأقدم والأكثر تأثيرًا من النثر العربي، مع التركيز على بداياته الشفوية وتتبع تأثيره المستمر. ومع ذلك، على الرغم من طول الكتاب، وبغض النظر عن بوصلة زمنية وجغرافية ومنهجية وموضوعية واسعة النطاق، إلا أنه فقط كشف الغطاء. رغم التغطية الشاملة والواسعة، ما زال هناك الكثير الذي يتعين استكشافه.

____________

الهوامش

*الكتاب: “الخطابة العربية الفن والوظيفة” (Arabic Oration: Art and Function)، للدكتورة طاهرة قطب الدين (Tahera Qutbuddin) بريل، ليدين وبوسطن، 2019. الكتاب فاز مؤخرًا بجائزة الشيخ زايد للكتاب للثقافة العربية في اللغات الأخرى (المترجم).

**راجع هذا الرابط للتعرف أكثر على الدكتورة طاهرة قطب الدين: https://qatifscience.com/2021/06/19/طاهرة-قطب-الدين-هندية-تعشق-العربية-وتر/

(28) فوكو (Foucault) في “المراقبة والعقاب”، وأماكن أخرى. انظر مناقشة ن. آرميسترونغ (N. Armistrong)، ص 39. ويبدو أنه من هذا المنطلق، حث ابن الأثير الجزري (ا، 1:46) الكتاب [المبتدئين] على تعلم شعر ونثر العرب الأوائل، قائلًا: إن ذلك سيساعد في “فهم تطلعاتهم وثمار فكرهم” (المثل [السائر]، 1/46).

روابط الأجزاء (من 1 الى 4):

الجزء الأولالجزء الثاني  /  الجزء الثالث  /  الجزء الرابع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *