المهندس صادق علي القطري

اجعل من يراك يترحم على من رباك – بقلم صادق علي القطري

من الامثال الجميلة التي استهوتني وشدتني اليه “اجعل من يراك يترحم على من رباك” فقد سمعت الكثير من الناس يرددونه فلسماعه نغمة خاصه وجميلة في الاذن عند سماعه ولحبي لهذه الحكمة او المثل بدأت ابحث في المواقع الالكترونية عن مصدره الأكيد علما ان هناك بعض المواقع تشير الى انه من اقوال امير المؤمنين علي عليه السلام ، لكني لم استطع اثباته و تأكيده.

ولان لهذا المثل مدلولا تربوي أحببت ان ألقى بعض الضوء عليه. فالتربية هي أساس بناء أي مجتمع سوي وناضج وان الأبناء هم العماد والركيزة التي يتوكأ عليه هذا المجتمع فان صلح الأبناء صلح هذا المجتمع فبهم يُصنع الغد المشرق والمستقبل الأفضل وبهم نستطيع استشراق المستقبل الواعد.

مصدر الصورة: https://www.linga.org/site/photos/Largnewsimages/0283_tarbeyasalema_2038.jpg

فالتربية بمدلولها اللغوي، تعني تعهد الطفل بالرعاية والتغذية المادية والمعنوية حتى يشب. ولقد اهتم الفلاسفة والعلماء بهذا المفهوم، وجهدوا في الكشف عن مضامينه العلمية وأوجدوا له عدداً من التفسيرات التي وإن اختلفت في شكلها، فهي متفقة في جوهرها ولقد قال فيها الفلاسفة والمحدثين القدامى الكثير:

فقال فيها افلاطون (427-347ق.م): “التربية هي إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال، وكل ما يمكن من الكمال وهذا يعتمد على الناحية الكمية من التربية، وذلك بمزاولة جميع الأنشطة العقلية والبدنية المؤدية لكمال الفرد”.

وقال عنها أرسطو (384-322ق.م): “الغرض من التربية هو أن يستطيع الفرد عمل كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم، وأن يقوم بما هو نبيل وخير من الأعمال ليصل إلى حالة السعادة”.

وقال فيها جولز سيمون، الفيلسوف الفرنسي (1814-1896م): “التربية هي الطريقة التي بها يكون العقل عقلاً حراً، ويكون القلب قلباً حراً” ، كما قال عنها الغزالي (450-505) “ومعنى التربية، يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع، ليحسن نباته ويكمل ريعه”

و قال عنها جون ديوي (مربٍ وفيلسوف وعالم نفس أمريكي): “إنها عملية صوغ وتكوين لفعالية الأفراد ثم صب لها في قوالب معينة ـ أي تحويلها إلى عمل اجتماعي مقبول لدى الجماعة”.

فهناك الكثير الكثير من التعريفات لمفهوم التربية تتشابه لما سبق من تعريفات و لكن هناك تعريف لمفهوم التربية عند امير البلاغة و الكلام الامام علي علية السلام حيث أنه يرى: أن الإنسان هو غاية الوجود، ومن أجله خلق الله ما خلق إذ بعد أن خلق تعالى الكون ورتبه أحسن ترتيب، ونظمه أجمل تنظيم، وأتم مرافقه، على أكمل وجه، وجمع فيه ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، أخرج إليه الإنسان، وأسكنه فيه على أن يكون خليفته في أرضه، يحيا في كنفها ويعيش من خيراتها، ويمضي في أقواله وأفعاله ونواياه، ومقاصده، وفق أحكام الله وإرادته مطيعاً، مذعناً، شاكراً، إلا أنه خالف أمر الله، وسلك بوحي من نفسه الأمارة بالسوء، فجذبته الدنيا إليها وحجبت عنه الرؤية السليمة فبات أسير أوهامه وشهواته. إن ضعف الإنسان أمام إغراء المادة والإيمان بأن الشيطان الذي أغواه في الجنة لن يتوانى عن إغوائه مرة أخرى وهو على الأرض، وبالتالي سوف لن يتمكن من ممارسة الخلافة كما أوجبها الله ما دام ضعيف الحجة، مسلوب الإرادة، قليل الإيمان. هذه الأمور أوجبت أخذه بالتربية والتعليم حتى تستقيم نفسه ويقوى على مقاومة الضلالة والفساد. إن هذه التربية، لا تستند فقط إلى مبادئ نظرية، بل تتخذ منها طريقاً ومنهجاً يعضده العلم والعمل والإيمان بهدف منفعة العباد وخيرهم (المصدر: نهج البلاغة).

كذلك الامام زين العابدين (عليه السلام) سلط الضوء على القيمة التربوية للأولاد في دعاء له:

“اللهم ومُنَّ عليَّ ببقاء ولدي وبإصلاحهم وبإمتاعي بهم إلهي امدد لي في إعمارهم وزد لي في آجالهم ورب لي صغيرهم وقو لي ضعفيهم وأصِحَّ لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم وعافهم في أنفسهم وفي جوارحهم وفي كل ما عُنيتُ به من أمرهم و أدرر لي وعلى يدي أرزاقهم واجعلهم أبرارا أتقياء بصراء سامعين مطيعين لك ولأوليائك محبين منصاحين و لجميع اعدائك معاندين ومبغضين آمين اللهم اشدد بهم عَضُدي وأقم بهم أودي وكثر بهم عددي وزين بهم محضري وأحيي بهم ذكري واكفني بهم في غيبتي وأعني بهم على حاجتي واجعلهم لي محبين وعليَّ حدبين مقبلين مستقيمين لي ، مطيعين غير عاصين ولا عاقين ولا مخالفين ولا خاطئين وأعني على تربيتهم وتأديبهم وبرهم وهب لي من لدنك معهم أولادا ذكورا واجعل ذلك خيرا لي واجعلهم لي عونا على ما سألتك و أعدني وذريتي من الشيطان الرجيم فإنك خلقتنا وأمرتنا ونهيتنا ورغبتنا في ثواب ما أمرتنا ورهبتنا عقابه وجعلت لنا عدوا يكيدنا سلطته منا على ما لم تسلطنا عليه منه أسكنته صدورنا وأجريته مجاري دمائنا لا يغفل إن غفلنا ولا ينسى إن نسينا يؤمننا عقابك ويخوفنا بغيرك إن هممنا بفاحشة شجعنا عليها وإن هممنا بعمل صالح ثبطنا عنه يتعرض لنا بالشهوات وينصب لنا بالشبهات إن وعدنا كذبنا وإن مَنَّانا أخلَفَنا وإلا تصرف عنا كيده يضلنا وإلا تقنا خباله يستزلنا اللهم فاقهر سلطانه عنا بسلطانك حتى تحبسه عنا بكثرة الدعاء لك فنصبح من كيده في المعصومين بك اللهم أعطني كل سؤلي واقض لي حوائجي ولا تمنعني الاجابة وقد ضمنتها لي ولا تحجب دعائي عنك وقد أمرتني به وامنن علي بكل ما يصلحني في دنياي واخرتي ما ذكرت منه وما نسيت أو أظهرت أو أخفيت أو أعلنت أو أسررت واجعلني في جميع ذلك من المصلحين بسؤالي اياك المنجحين بالطلب إليك غير الممنوعين بالتوكل عليك المعوذين بالتعوذ بك الرابحين في التجارة عليك المُجارين بعزك الموسع عليهم الرزق الحلال من فضلك الواسع بجودك وكرمك المعزين من الذل بك والمجارين من الظلم بعدلك والمعافين من البلاء برحمتك والمغنين من الفقر بغناك والمعصومين من الذنوب والزلل والخطاء بتقواك والموفقين للخير والرشد والصواب بطاعتك والمحال بينهم وبين الذنوب بقدرتك التاركين لكل معصيتك الساكنين في جوارك اللهم اعطنا جميع ذلك بتوفيقك ورحمتك و أعذنا من عذاب السعير وأعط جميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات مثل الذي سألتك لنفسي ولولدي في عاجل الدنيا وآجل الاخرة إنك قريب مجيب سميع عليم عفو غفور رؤوف رحيم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”.*

فهذا الدعاء يلخص ما يتمناه كل اب و ام لأبنائهم من صلاح و توفيق قال الله تعالي في كتابه العزيز: “المالُ وَالبَنونَ زينَةُ الحَياةِ الدُّنيا وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيرٌ أَمَلًا” (سورة الكهف: 46).  ولقد أوصى لقمان الحكيم ابنه بوصايا جمعت بين الوصايا الدينية و الوصايا الأخلاقية و من وصاياه:

  • يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّـهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. (سورة لقمان: 13).
  • البِرّ بالوالدين: وذلك في قوله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ*وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (سورة لقمان: 14 ، 15).
  • إقامة الصلاة: وذلك بقوله: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ) (سورة لقمان: 17).
  • الصبر: وذلك بقوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (سورة لقمان: 17).
  • التنفير من الكبر وازدراء الناس: وذلك بقوله: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) (سورة لقمان: 18).
  • تَرك الخيلاء والفخر: وذلك بقوله: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (سورة لقمان: 18).
  • الوقار والتوسُّط: وذلك بقوله: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) (سورة لقمان: 19).
  • أدب الحديث: وذلك بقوله: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (سورة لقمان: 19).

أنّ تربية الأبناء تحتاج إلى كثير من الجهد والكدّ، كما تحتاج التربية إلى توظيف الأحداث وإدارة المواقف، فالحكمة تقوم على ساقَين، هما: العلم والفقه؛ ولهذا كانت الحكمة مرتبطة بالعلم النافع، والعمل الصالح، والإنسان لا يبلغ مرتبة الحكمة بالعلم وحده، بل يجب عليه العمل كذلك، وعلى المُربّي أن يكون قدوة صالحةً لمَن تتمّ تربيته، جامعاً للعلم والفهم، رابطاً إيّاها بالعمل، وكذلك عليه استعمال أساليب التربية ومنها:

  • أسلوب الموعظة: وهو الأسلوب الذي يتمّ فيه نُصح الشخص، مع تذكيره بعواقب الأمور المُترتِّبة على فعله، يقول الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ) (سورة لقمان: 13).
  • أسلوب التودُّد: وذلك بالتقرُّب إلى المنصوح، وذلك في قوله لابنه: (يَا بُنَيَّ).
  • أسلوب التدليل والتعليل: وذلك بأن يُدلّل الإنسان على كلامه، ويبرهنه، كما في قوله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (سورة لقمان: 14 ، 15).
  • أسلوب التنفير من الأعمال المُستقبَحة؛ كقوله: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (سورة لقمان: 19).

التربية هي عبارة عن سلوكيات وأنشطة أولياء الأمور والمدرسين والمدارس؛ وتعليم الأطفال وما يرتبط بها من الأحداث في الفصل  مثل التغييرات العلمية والعملية، كما تعرَّف بأنها الطريقة التي يتكيف بها الأفراد مع بيئتهم والثقافة المحيطة بهم، وتجدر الإشارة إلى أن تنوع هذه المفاهيم و هذا أمر طبيعي وفقًا للعوامل والبيئات المتغيرة، كما أن هذا موضوع عام يجذب انتباه الجميع فهنيئا لكل اب وام زرعوا الامل في أبنائهم وأحسنوا تربيتهم وهنيئا لكل مدرس و مربي وفرد من هذا المجتمع قام بواجب التربية لابنائنا و بناتنا وغرس روح التفاني و الامل و الجد و الاجتهاد وتخريج جيل صالح و متفاني نستشرق به المستقبل و هنيئا لمن راّهم الناس… قالوا لهم رحم الله من رباكم…

هوامش:

* الدعاء الخامس والعشرون من الصحيفة السجاديه

المصادر:

 

3 تعليقات

  1. حسين علي إل سالم

    مقولة ممتازة وموفقة يابوحسام ربي يسعدك دنيا واخرة ورحم الله من ربوك

  2. سلمت أناملك مقال متكامل و بإسلوب راقي و بسيط

  3. نبيل آل حبيب

    ماشاء الله تبارك الله. إختيار موفق و مقوله جميلة ورحم الله من رباك أخي و عزيزي أبو حسام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *