د. رضي المبيوق

هل الضربة التي لا تقتلك تقويك؟ كيف، ومتى، ولماذا (4) – د. رضي حسن المبيوق*

قبل أن نستمر في الحديث عن تعاريف أخرى لمفهوم النمو التالي للصدمة الذي تناولناه في المقال الثالث من سلسلة مقالاتنا هذه، لا بد من الإشارة الى أننا لا نتحدث هنا عن صدمة نفسية واحدة معزولة، بل عن طيف من الصدمات النفسية، والتي يتعامل الشخص معها بحسب إدراكه وعاداته وقواه النفسية والروحية. ومن أكثر المسببات للصدمات النفسية هي التعرض للإغتصاب والإعتداء الجنسي والإهمال والعنف الجسدي اثناء مرحلة الطفولة، أو التعرض الى هجوم جسدي أو التهديد بالسلاح، أو المشاركة في اتون الحروب.

لوحة فنية للفنانة التشكيلية “رملاء صالح الجضر”

بعد أن عرّف تيديشي وكلهون (Tedeschi & Calhoun) مفهوم النمو التالي للصدمة بأنه مفهوم ينطوي على خمس خصائص إيجابية، هي:

  1. تحسن في العلاقات الإجتماعية للشخص.
  2. شعور الإنسان بهدفية حياته وانفتاح آفاق رحبة أمامه.
  3. ازدياد شعور الإنسان بقوته الذاتية.
  4. نمو في الجانب الروحي.
  5. النظر الى الحياة بمشاعر حب ورغبة وأمل.

نستعرض الآن نظريتين: واحدة لجوزيف ولينلي (Linley. & Joseph) والأخرى ل ماك آدمز (McAdams).

في ورقتهما المنشورة في عام 2004 (إنظر 1)، ركز لينلي وجوزيف على التشابه بين الخصائص الخمس للنمو التي ذكرها تيديشي وكلهون أعلاه وبين الخصائص الخمس للرفاهية او الحالة النفسية الهانئة التي وضعها الباحث رف (Ryff) في عام 1989 م (إنظر 3).  وقبل ان يذكرا التعريفات الخمس ل رف (Ryff) ، أصر كل من جوزيف وزميله لينلي بأنه ليس ضروريًا ان يمر الإنسان بمحنة او شدة او صدمة حتى يتعافى منها ويصل الى درجة الهناء والصحة النفسية التي ذكرها تيديشي وكلهون ورف. وجهة نظر جوزيف ولينلي هي أن النمو التالي للصدمة عملية تسهل اكتساب الخصائص الإيجابية التالية كما نشرها رف عام 1989:

١- تقبل الإنسان لذاته.

٢- بروز هدفية للحياة.

٣- الشعوربالسيطرة على مجريات الحياة بعد ان كان يشعر بأنه مرتهن لها.

٤- الشعور بالإستقلالية الذاتية.

٥- الشعور بالتحسن في العلاقات الاجتماعية.

traumarecoverydotnet.files.wordpress.com

الإضافة الجديدة لينلي وجوزيف هي أنهما ميزا بين شعور المرء الشخصي (اللاموضوعي) لوضعه ورفاهيته النفسية (تقييم الإنسان لذاته) وبين الوضع النفسي الموضوعي له (تقييم الآخر له). ويوضح جوزيف ولينلي الفرق بالقول بأن الشعور الذاتي للنمو التالي للصدمة (المتأتي من التقييم الشخصي لحالته) يشمل الحالات العاطفية ومشاعر الرضا العامة للمرء عن حياته، بينما الوضع النفسي الموضوعي يشمل الشعور بهدفية ومعنى الحياة بالإضافة الى الشعور بالإستقلالية.  ويعتقد لينلي وجوزيف ان الصدمة قد ينتج عنها مشاعر الكآبة ولكنها ايضا قد تنبثق عنها مشاعر التقدير للحياة لدى الشخص الذي يمر بالصدمة وترفع من تمسكه بقيمه.

ماك آدمز نشر ورقة في عام ١٩٩٤ (إنظر 4) طرح فيها وجهة نظره عن النمو التالي للصدمة من منظور علم النفس الشخصي، وبشكل ادق من وجهة نظر تقليدية او الإسلوب السردي أي يسرد الشخص أحداث حياته لنفسه على شكل قصص الخلاص (باعطاء التفاصيل عن تجاربه في التعامل مع التحديات والشدائد التي تنتهي بالخلاص).  يرى ماك آدمز بأن للشخصية ثلاث مستويات:

  1. الطباع والتصرفات الشخصية،
  2. والاهتمامات الشخصية وتشمل أهداف وأولويات الإنسان،
  3. السرديات الشخصية (القصص التي ينسجها الانسان عن تجاربه).

عوامل الثبات لهذه المستويات تختلف، ويؤكد ماك آدمز بأن المستوى الأول (الطباع والتصرفات) هي الأكثر ثباتا واستقرارًا مقارنة بالمستوى الثاني وذلك لأن اهتمامات وأولويات وأهداف الانسان أكثرعرضة للظروف فهي قد تتغير وتكون في حالة لا استقرار. وهذا هو ما يجعل الإنسان يلجأ الى سردية لحياته — اي كيف يتعامل مع المتغيرات غير المتوقعة. وهذه النقطة مهمة لفهم فكرة ووجهة نظر ماك آدمز للنمو التالي للصدمة.

وفي دراسة لبالز وماكآدمز (إنظر 4) نشرت في عام 2004، فسر المؤلفان التغيرات الإيجابية التي تلي الصدمة بعملية اعادة صياغة السردية الشخصية بهدف التكيف مع الصدمة. وهذا التعديل وإعادة صياغة السردية الشخصية هو سر التحول والتغيير الإيجابي في الإدراك والسلوك الذي يعكس حالة النمو الذي يلي الصدمة. وهناك عامل مهم في عملية التحول هذه وهي وعي وفهم الإنسان للتغيرات التي طرأت عليه جراء الصدمة تعينه على إعادة صياغة سرديته لحياته. كيف ولماذا تتم عملية اعادة السردية الشخصية سؤالان مهمان سنجيب عليهما لاحقا في مقال قادم.

(mindtools.com (© GettyImages Kptan123

انتهج ماك آدمز أسلوب المقابلة مع من تعرضوا لصدمات نفسية لجمع المعلومات التي بنى عليها نظريته. وكانت طريقته في المقابلة هو الطلب من الشخص ان يتأمل في حالات إيجابية وحالات سلبية وحالات يعتقد الشخص بأنها كانت نقاط تحول وسببت تغييرًا في مجرى حياته الى الأحسن. فسردية الخلاص او التحرر هي التي تنقل الشخص من اللقطات او التجارب السلبية الى الإيجابية. وقد يحدث العكس اي ينتقل الإنسان من حالات او تجارب إيجابية الى تجارب سلبية.  ويسمي ماك آدمز هذه الحالة الأخيرة بالسردية الملوثة. ويضيف ماك آدمز بأن أكثر المرشحين للوصول الى نقطة الإنتقال الى نقاط التحول نحو النمو هم من يتمتعون بنظرة إيجابية عن ذواتهم، ولديهم مشاعر الرضا عن إنتاجاتهم وإسهاماتهم وحالة الكآبة لديهم قليلة او معدومة. من احد المضامين الرئيسية  لوجهة النظر هذه هو بأن التغير الذي يطرأ على الشخصية يحصل على مستوى السردية وليس على مستوى الطباع.

في المقال القادم سنتعرض لوجهة نظر أخرى وننهي التحدث عن وجهات نظر الباحثين عن مفهوم النمو التالي للصدمة لننتقل الى جوانب أخرى من هذا الموضوع.

مراجعة: عدنان أحمد الحاجي

* أستاذ بجامعة شمال أيوا الأمريكية ومدير المعهد البحثي بمدينة شيكاغو.

الهوامش:
  1. Linley, P.A. & Joseph, S (2004). Positive change following trauma and trauma: A review. Journal of Traumatic Stress, 17, 11-21.
  2. McAdams, D.P. (1994). Can personality change? Levels of stability and growth in personality across the life span. In T.F. Heatherton & J.L. Weinberger (Eds), Can personality change? (app. 299-313). Washington, D.C.: American Psychological Association.
  3. Ryff, C.D. (1989). Happiness is everything, or is it? Explorations on the meaning of psychological well-being. Journal of Personality & Social Psychology, 57, 1069-1081.
  4. Pals, J.L. & McAdams, D.P. (2004) The transformed self: A narrative understanding of posttraumatic growth. Psychological Inquiry, 15, 65-69.

 

تعليق واحد

  1. ا.د.علی ال علی

    برف رضي المبيوق
    مقال بتسلسله الذي فضلت ان اقره بعد الانتهاء من قسمه ال3
    من. جميل ماقرات في هذا الشهر من مقالات
    انطلاقة المقال جميله عبر ((اضطراب ما بعد الصدمة أو “اضطراب الكرب التالي للصدمة «Post-traumatic Stress ))
    والحدث الواقي لجاركم
    والاشارة للكتاب اروع
    : ” النمو بعد الصدمة: التغيرات الإيجابية بعد الأزمات Posttraumatic Growth: positive Changes in the Aftermath of Crisis.
    والتشابه بالموروث البشري للمحن واثرها
    له دور فاعل
    ويكشف ان الانسان هو الانسان
    العنوان جميل وكلمه نيتشه
    والضربة التي لا تقتلنك تقويك
    والتي يقابلها
    باللهجه المصريه
    (العيار اللي مايصيبش يدوش)
    واعلم
    الشدائد تصقل الشخصية

    ان لدى الكثير من الزميلات والزملاء
    We have too much pride and a rich history of overcoming adversity.
    لكن تبقى الخبرات لاتعالج الجروح انما تتعايش معها
    فكل الم هو نزيف من الروح
    نعم الكثير من المحن تخلق الفرص
    لكنها تخلق حالة من الفوضى لكي يتعامل مع التغير الحاصل
    He creates chaos to cope with change.
    تبقى زاويه الرؤيه
    وادارة ماتبقى من قدرات
    وارادة التغيير عنصر فاعل
    لذلك مقوله. لصاحب المقدمة ابن خلدون
    الناس في السكينة سواء
    ، فإن جاءت المحن تباينوا

    واختمها بقول Chekhov
    تشيخوف:
    عليك أن تعلم علم اليقين بأن المرء يخوض صراعًا بينه وبين نفسه كل يوم مع ألف هم وألف حزن ومائة ضعف ليخرج أمامك بكل هذا الثبات.”
    You have to know the certainty that a person wages a struggle between himself and himself every day with a thousand troubles, a thousand sorrow, and a hundred weaknesses, in order to come out before you with all this steadfastness.”
    وللحديث بقيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.