د. رضي المبيوق

هل الضربة التي لا تقتلك تقويك؟ كيف، ومتى، ولماذا (1) – د. رضي حسن المبيوق*

كان مايك رجلًا في العقد الرابع من عمره حينما تعرفتُ عليه وعلى عائلته عن طريق زميلي في السكن وانا في السنة الثانية من سنوات الجامعة الأربع.. وبعد ذلك تبادلنا الزيارات لبعضنا البعض مرات كثيرة. وفي أحدى زياراته لنا، وبينما نحن نتحدث لاحظنا تغيرًا مفاجئًا في تعابير وجهه، وبعدها بثوان انفجر باكيا وبصوت عال جدا. كان بكاؤه بكاءً مميزًا، حيث كان يعكس مزيجا من المشاعر، وخاصة مشاعر الحزن والخوف والندم. انتابنا أنا وزميلي القلق ولم نعرف كيف نتعامل ونتصرف مع هذه المشكلة الغريبة التي حدثت لضيفنا؟ هل حدث أن قلنا أو عملنا شيئا جعله يبكي بهذا الشكل المفاجئ والغريب؟

Source: aastock/Shutterstock

لاحظت زوجة مايك علامات القلق على وجوهنا وقالت بصوت خفي: لا تقلقوا! زوجي تذكر شيئا مرعبا جعله يعيش نفس تجربة الحدث وسيهدأ بعد قليل. وبكاؤه ليس له علاقة بموضوع حديثكما معه، ولقد قمتما بواجب الضيافة، وخلفية ما حدث لزوجي، ستسمعونها منه بعد أن يهدأ ويعود الى وضعه الطبيعي.

بعد أن هدأ روع ضيفنا مايك، طلب شيئًا من الماء ومحارم ورقية ليمسح بها دموعه التي انهمرت على وجهه بغزارة أثناء نوبة البكاء التي مر بها. إعتذر مايك عن بكائه بهذا الشكل الغريب والمفاجيء وقال هذا شيئ أعاني منه من مدة ليست بالقصيرة وستلازمني هذه الحالة طوال حياتي؛ وسأقص عليكم تفاصيل الحالة التي أعاني منها ومسبباتها.

وبدأ مايك يقص علينا قصته المؤلمة. فقال: لقد كنت ضمن الجنود الذين حاربوا  في  الحرب الجهنمية التي دارت رحاها في فيتنام تحت شعار: “خدمة بلدي والدفاع عن الحرية ومحاربة الشيوعية”. ولو كنت أعرف ما أعرفه الآن لما ذهبت الى تلك البلاد ولهربت الى كندا كما فعل بعض العقلاء من زملائي.

ترقيت بسرعة الى رتبة رقيب في الجيش وكنت مسؤولًا عن مجموعة من المقاتلين. وقد كنا أدوات قتل ودمار.

في أحد الأيام أتتنا أوامر بأن ندخل قرية صغيرة وأن نقتل وندمر اي شيئ يتحرك. معظم الأكواخ كانت خالية من أهلها لأنهم عرفوا بأن الموت الزقام آت لا محالة مع الغزاة المتوحشين. وأثناء دخولنا أحد الأكواخ وجدنا أمرأة مسنة وعلى وجهها علامات الخوف والهلع، ومهما حاولت، لن أنسى نظرتها تلك التي انحفرت في أعماق وجداني. ولاحظت شيئًا يتحرك حول رجليها المغطائتين بثوبها الطويل ، وما ان اقتربت منها عن كثب حتى وجدت ثلاثة أطفال مختبئين تحت ثيابها كما تختبئ صغار الطيور او الحيوانات تحت أمهاتها.

(theguardian.com (Photograph: Horst Faas/AP

شعر المقاتلون في مجموعتي بترددي في اتباع الأوامر الصادرة لي وهي أن “أقتل أي شيئ يتحرك!” وإذا بهم قالوا لي: مايك، إذا لم تقم بقتلها وقتل أبنائها، سنقتلك أولا ومن ثم سنقتل هذه العجوز الشمطاء وأطفالها القذرين، وليس لديك الكثير من الوقت للتفكير! وبدأوا بالعد: واحد، إثنان وبعدها مباشرة أطلقت الرصاص على الإنسانة البريئة وأطفالها الأبرياء، ولو كنت أملك الشجاعة لصوبت السلاح نحوي أو على نفسي بدل أن أقتلها وأطفالها. ومنذ تلك اللحظة شعرت بأن من مات كان ضميري وإنسانيتي. وكلما أتذكر الجريمة التي أقترفتها، أشعر وكأن هذا الحدث يتكرر بكل ذكرياته المؤرقة والمزعجة وأبدأ تلقائيا بالبكاء، وأعيش الموقف وكأنه يحدث الآن. صور وأصوات وروائح ذلك الموقف تعود وبوضوح وتقتحم وعيي وتهز كياني. فأنا أصبحت أنسانًا يقال عنه؛ “ميت الأحياء”.

ماوصفه مايك هو ما وصفه كثير ممن عادوا من الحروب وأصبحوا يعانون من إضطراب نفسي معقد يطلق عليه اضطراب ما بعد الصدمة او “إضطراب الكرب التالي للصدمة (Post-traumatic Stress Disorder).

وهكذا وصف مايك نفسه بأنه “إنسان” ميّت الأحياء يختزن المعاناة النفسية القاسية للصدمة.

firerescue1.com (Photo/Getty Images)

الطبيب الفرنسي جين-مارتن چاركو يعتبر من أوائل من فطن قي عام 1887م الى التأثيرات المترتبة على الصدمات النفسية والتي قد تظهر أعراضها مباشرة او تكون كامنة لفترة وتظهر بعد فترة طويلة من الحدث. والصدمات النفسية كثيرة ومتنوعة وسوف نتناول في سلسلة من المقالات كيفية التعافي من هذا الإضطراب والدي يطلق عليه اصطلاحًا النمو ما بعد الصدمة (Post-traumatic Growth). وهي تسمية ذكية لما لها من إيحاءات علاجية.

سنبحث في المقالات القادمة، بشكل خاص، عن إجابة على  السؤال التالي: هل الصدمات النفسية التي يتعرض لها الإنسان تحمل في طياتها بذور تحول الصدمة الى فرصة للنمو وللتعافي؟

ملاحظة: فكرة هذا المقال مستوحاة من محاضرة أحد الخطباء البارزين ألقاها العام الماضي.

* أستاذ بجامعة شمال أيوا الأمريكية ومدير المعهد البحثي بمدينة شيكاغو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.