المهندس علي الجشي

نظرة في مسيرة تطور الخدمات الطبية في القطيف – علي الجشي

الدكتور مصطفى جمال الدين أخصائي طب وجراحة العيون كان شخصية لافتة للنظر ومثيرة للاهتمام وكان أكثر الأطباء ‏في ذلك الوقت، وأغلبهم من المصريين، يضعون على أعينهم نظارات طبية وهي علامة فارقة تميز، حينها، من يلبسها ليكون ‏من فئة المثقفين والمتعلمين والأطباء وما شابه.

وفقًا لدراسة أجرتها جامعة كولونيا في كولن بألمانيا وجامعة جرونينجن في هولندا (المصدر -1) ، فإن الصورة النمطية بأن الأشخاص الذين يرتدون النظارات يبدون أذكياء “تعود إلى العصور الوسطى، عندما استخدم الرهبان النظارات للدراسة على الرغم من ضعف الرؤية. منذ ذلك الحين، تم ارتداء النظارات بشكل شائع من قبل الأشخاص الذين يؤدون أعمالًا فكرية أو غيرها من الأعمال التي تتطلب مهارات عالية. ونتيجة لذلك، يربط الأشخاص النظارات بمجموعة متنوعة من الخصائص المتعلقة بالكفاءة، مثل النجاح والاعتمادية والاجتهاد والذكاء بشدة”.

اسفل نظارته، كانت تبدو ابتسامة أنيقة تميز الدكتور مصطفى جمال الدين، وكانت هذه الابتسامة ملازمة له فلا تكاد تراه إلا مبتسماً، ولربما كانت ابتسامته قلبية صادقة، أو ربما هي من النوع الذي يطلق عليه السيكولوجيون الابتسامة المغازلة بقصد الملاطفة والاحتواء. على أية حال هناك دليل على أن الابتسام يجعل المرء أكثر جاذبية.

لم تكن ابتسامة الدكتور مصطفى كابتسامة الدكتور عبد الحكيم التي كانت تبدو ساخرة، وأن كانت واقعية تعكس حال الناس في تلك الأيام وما يعانونه من سلبيات ضنك العيش ومسببات الأمراض. فابتسامة الدكتور عبد الحكيم ربما تكون من النوع الذي يُسمى عند السيكولوجيين بابتسامة الهيمنة، إذ يبتسم الناس أحيانًا لإظهار تفوقهم، أو للتعبير عن الازدراء أو السخرية، ولجعل الآخرين يشعرون بأنهم أقل قوة.

(المصدر – 2)

تظهر الدراسات إن الابتسامة، سواء كانت ابتسامة مغازلة للملاطفة والاحتواء أو ابتسامة هيمنة للازدراء والسخرية، فأنها في نهاية المطاف تهون من صعاب المواقف، وهو ما يلزم الطبيب في تعامله مع مرضاه.

لكن، على أية حال، لم تكن ابتسامة الدكتور عبد الحكيم المهيمنة تشد الناس اليه مثلما كانت تشدهم ابتسامة الدكتور مصطفى المغازلة.

إن الاقتصار على الرعاية عالية الجودة وحدها لا تُترجم إلى إرضاء متميز ينال تقدير المرضى. وعندما يتعلق الأمر بالمهارات اللازمة لمساعدة المرضى على الشعور براحة أكبر في المستشفى، فإن معظم الأطباء لا يعرفون ماذا يفعلون. إنه ليس شيئًا يتم تدريسه في كلية الطب، ولكن يمكن للأطباء تعلم هذه المهارات. يمكن أن يبدأ هذا من خلال ترك أفضل انطباع أول ممكن، مما يعني أن يبتسم الطبيب ويصغي كلما قابل مريضًا. هكذا يقول الدكتور ستيفن ب. ديتيليزويك (Deitelzweig)، رئيس نظام طب المستشفيات في نظام أوجزنر (Ochsner) الصحي في نيو أورلينز (المصدر -3).

صفة أخرى اتسم بها الدكتور مصطفى، هي مساعدته للضعفاء. فبينما كانت رسوم زيارة العيادة في ذلك الوقت 10 ريال ‏كان الدكتور مصطفى يقتصرها على خمس ريالات للناس العاديين ومجاناً للفقراء منهم. كان الأطباء في ذلك الوقت يخرجون من عياداتهم حاملين حقيبة الاسعافات الأولية لزيارة المرضى الذين لا يستطيعون المجيء إلى العيادة ويقومون بالكشف عليهم ووصف العلاج لهم في منازلهم.  وكان الدكتور مصطفى لا يرد من يأتي إليه يطلب زيارة مريض في بيته لأنه لا يستطيع المجيء إلى العيادة. لم يعرف عن الدكتور انه رد احداَ لأي سبب كان بل كان يقوم بذلك على مدار 24 ساعة في اليوم وعن طيب خاطر وابتسامة. فإذا أحتاج احد المرضى لزيارة منزلية، يقوم بذلك ‏دون تردد أو سأم ولم يكن ليل تلك الأيام مثل هذه الأيام، ففي تلك الأيام كان “الليل لباسا والنوم سباتا”، يبقى الناس في منازلهم ويخلدون للنوم مبكراً إذ لم يكونوا يعرفون السهر الا للحراسة، أو أن تسهر أمٌ على رعاية أبنٍ لها مريض.

حقيبة الاسعافات الأولية لزيارة المرضى

كان الدكتور مصطفى يعمل عمليات العيون على وجه التحديد في عيادته الخاصة وإذا أحتاج المريض للتنويم ولم يكن في بيته مكاناً مناسباً للتنويم والطبابة قام بتنويمه في العيادة والا فيتم تنويم المريض في بيته ويقوم الدكتور بزيارة المريض يوميا في البيت لمتابعة حالته.

عمل الدكتور مصطفى جمال الدين في المستشفى الحكومي ولكن تم إيقافه عن العمل فيه واستمر في العمل في عيادته على عادته لعلاج المرضى حتى توفاه الله في مقر سكناه وكان الدكتور مصطفى يسكن في نفس المبنى الذي فيه عيادته.

اما عيادات الأطباء الخاصة الأخرى المشهورة في ذلك الوقت في القطيف والتي استمرت طويلاً، كانت تعد على أصابع اليد ومنها عيادة الدكتور الذيباني الذي كان مديراً لمستشفى القطيف فترة من الزمن وعيادة الدكتور السيد نصار وتخصصه جراحة والدكتور محمد غنيم والدكتور سليم (سوري) والدكتور عبد الغفور (باكستاني) كما كانت هناك عيادة لطب الأسنان تخص طبيب اسنان سوري من عائلة النابلسي وعيادة أخرى للأسنان يعمل بها مركب الأسنان عبدالله تركستاني، وهو فني اسنان وليس طبيب اسنان، وكانت تسمى في ذلك الوقت “عيادة مركب أسنان”.

قدمت هذه العيادات على تواضعها خدمات جليلة للمجتمع، فشكلت نقلة كبيرة في الخدمات الطبية ساهمت بفضل الله في انقاذ حياة العديد من الناس وحسنت الوضع الصحي للكثير. وقد كانت هذه العيادات تعمل جنباً الى جنب مع المستشفيات الحكومية أو ربما كانت مكملة لها. في ذلك الوقت كان النظام يسمح للطبيب الذي يعمل في المستشفيات الحكومية بأن يفتح عيادة خاصة به، ويعمل بها خارج وقت الدوام الحكومي الرسمي اذ كانت الطبابة حينها موسومة بالصبغة الإنسانية وأبعد عن الماديات وتحقيق الأرباح المالية، وإن كانت لم تخلو من بعض التجاوزات أو الشبهات بسبب تضارب المصالح ولكن في الأعم الأغلب كان النفع أكبر من الضرر.

فمعظم الأطباء إن لم نقل كلهم حينها كانوا يعتبرون مهمتهم إنسانية وإن كانوا يحتاجونها لكسب المعيشة وفي قصة الدكتور الشاعر إبراهيم ناجي الذي جاءه مريض فقير يبحث عن علاج ‏وبعد أن فحصه الدكتور ناجي شَخص سبب علته بسوء التغذية ‏وأعطاه بضع جنيهات ليشتري له دجاجة إلا أن المريض لم يقتنع بذلك وأخذ الجنيهات وذهب إلى طبيب آخر لأنه كان يعتقد أنه يحتاج إلى دواء وليس الى غذاء. كان الدكتور ابراهيم ناجي يؤثر الفقراء على الاغنياء إذ كان يجد في علاج المساكين إنسانيته ولا يكتب في الروشتة إلا دواء واحدا فقط وكانت عيادته مفتوحة مجانا للفقراء (المصدر -4).

ولكل طبيب من الأطباء خصائص يتميز بها، فالدكتور مصطفى كما ذكرنا لطيف بشوش متواضع رحوم ، أما الدكتور عبد الحكيم فقد تميز بالسخرية والنقد اللاذع وكان مباشرا في التعامل مع المرضى ، ومما يذكر انه كان يشخص المرضى بالنظر، إذ كان الكشف السريري من مميزات ذلك العهد في الطب بسبب عدم وجود الأجهزة الطبية المتوفرة هذه الأيام ‏كما كانت الفحوصات المخبرية قليلة ونادرة، بدائية وبسيطة وشحيحة فكان الاعتماد على الفحص السريري هو الأساس ، وقد اشتهر الدكتور عبد الحكيم بذلك. كما كان كثير النصح للناس بعدم السكن في الأماكن التي لا تُرِدها الشمس وتحسين تهوية المنازل، وتحسين نوعية الأكل، وشرب المياه النظيفة وكانت البلاد في ذلك الوقت تخطو خطواتها في هذا الاتجاه لتحسين الصحة العامة التي كانت متأثرة بالوضع البيئي القديم.

اما الدكتور سيد نصار فكان جراح ماهر واشتهر باسم “القصاب” نظراً لطبيعة عمله ، ولكنه كان حتى بعد أن ترك العمل في المستشفى الحكومي وتفرغ لعيادته الخاصة يقوم بتشخيص الحالات وتحويلها إلى المستشفى الحكومي لاتخاذ اللازم وإجراء العملية المطلوبة فكسب بذلك تقدير الناس. اما الدكتور محمد غنيم فكان طبيب نساء وولادة وهو هادئ وخجول بطبعه وكثيرا ما تدخل إلى إنقاذ حياة الكثير ، وجاءت بعد الدكتور غنيم الدكتورة نجوى التي نالت شهرة واسعة في علاج النساء ، وكان زوجها ايضاً طبيب ماهر وقد كسب شهرة وثقة الناس مثلما كسبها الأطباء الذين سبقوه. ونأتي للدكتور عبد الغفور الباكستاني ‏الذي كان ملاذا للكثير من المرضى الذين يأتونه من نواحي القطيف ويقدم لهم العلاج وكان الكثير من المرضى يثقون به ويرتاحون له.

وفي احد المرات أصيب الدكتور عبد الغفور بمرض الصفراء وتم تنويمه في المستشفى الحكومي بالشويكة اكثر من 14 يوما لكن حالته صارت تتفاقم ، فما كان من احد مرضاه إلا أن أتى له بدواء شعبي يسمى “الحيج” وطلب منه أن يشرب منه وما كان عند الدكتور خيار إلا أن يفعل بعد أن الح عليه زواره بذلك ووعدوه بالشفاء فشرب الحيج وطاب ، وكانت قصة للتندر والفخر بفوائد الطب الشعبي وأدويته ، وكان اهل القطيف اذا اصيب احدهم بداء الصفراء، الذي ينعت محلياً بابو صفار لأنه يجعل بشرة المريض صفراء، يداوونه بمحلول أو شراب الحيج‘ والحيج هو نبتة أو براعم سطحية (wild sprouts) تنمو على اطراف الترع والجداول وبها شوك كثير. اما الأطفال الذين يصابوا بداء الصفراء فيعالجون بدواء أسمه “خيار الشنبر” ،وكذلك بفرش سرير الطفل بورق السدر.

نبتة الحيج

وفي قصة مشابهة ‏ذكرها خالد البسام في كتابة “حكايات من البحرين” التي جمع فيها قصص حدثت هناك خلال القرن الماضي بناءً على ما استوفاه من مكتب الهند (India office) في لندن – انكلترا تحت ‏عنوان “عبقرية الطب الشعبي” ص 19 حيث تروي السجلات، كما ذكر، أن أحد أهم أطباء المستشفى الأمريكي بالبحرين وهو الدكتور “ستورن” ‏قد أصيب بمرض الصفراء وطالت مدة اعيائه فلم ‏يشفى إلا بعد أن تناول مرغما دوا شعبي مصنوع من نبتة موجودة بالقرب من عين عذاري وبعد يومين فقط من تناول هذا الدواء الشعبي ‏تحسنت صحته بشكل ملحوظ وما هي إلا أيام أخرى حتى شفي تماماً.

نعود من شقيقتنا البحرين إلى القطيف حيث كون الأطباء الاوائل فيها علاقات اجتماعية وألفة مع الناس الذين ‏اتخذ بعضاً منهم عيادة بعض الأطباء مجلس يوميا لهم يساعدونهم في التواصل مع المرضى بالكلام الطيب والتعريف بالحال، كما ساهم هؤلاء الأطباء بتعليم وتثقيف نخبة من ابناء البلد ليكونوا من ضمن الكادر الصحي الذي يدعم اداء المستشفى ويقدم خدمات صحية للمجتمع ، ومن هؤلاء المرحوم الحاج احمد ابو الليرات (ابو عبد الرزاق) الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة لكنه عمل صيدلياً وأصبح عميد صيدلية المستشفى الذي يُعتمد عليه في تحضير الأدوية وكان اغلبها في ذلك الوقت محاليل تحضر محلياً وتصرف للمريض في اغراش الكولا الفارغة، كما كان يقوم بصرف الأدوية إذ تمكن من فك رموز الروشته (الوصفة) التي يكتبها الأطباء بطريقتهم ولا يمكن للقارئ العادي معرفة ما بها، فكان رحمه الله كالدينمو يعمل لخدمة المرضى بكل اخلاص ودون كلل أو ملل.

الصيدلي احمد علي العبد الوهاب (ابو الليرات) رحمه الله.

ومن الكوادر الصحية الذين تدربوا دون الذهاب للمدرسة أو كلية رسمية الكثير من الممرضين الذين ساهموا حينها في خدمة البلاد بما اكتسبوه من علم ومعرفه من هؤلاء الأطباء الذين خدموا بإخلاص مجتمع كان في أمس الحاجة إليهم فحملوا على عاتقهم تقديم خدمات صحية للناس بما يملكونه من امكانيات.

كما ساهم هؤلاء الأطباء في دعم ‏صيدليات ذلك الوقت حيث تحول بعض من الحواجين وهم من يبيع الأدوية الشعبية ويصفونها للمرضى الى أصحاب مخازن أدوية يديرونها كصيادلة. ومن هؤلاء طيب الذكر المرحوم عبد الكريم مهنا أبو سعود (أبو عادل) الذي تحول إلى‏ صيدلاني مستفيدا من هؤلاء الأطباء ومن تأسيس عياداتهم الخاصة ومن مساعدة عديله السيد سعيد السيد مجيد العوامي الذي هو أول صيدلاني سعودي وعلى مستوى منطقة الخليج، وقد حذا به حبه لعلم الأدوية الى التخصص في هذا المجال الطبي فدرس في الجامعة ‏الأمريكية في بيروت مبتعثاً من شركة ارامكو وحصل على درجة البكالوريوس في الصيدلة، في عام 1960 م.

مصدر الصورة: موقع واحة القطيف (المصدر- 5)

فما بين إرث المهنة التي أخذها عبد الكريم (ابو عادل) من الآباء، حيث كان جده الشيخ عبد الكريم المهنا حكيماً و “حواج” ، أي ما يعني طبيب بمفهوم هذا العصر ، استطاع ابو عادل إنشاء أول صيدلية أهلية مرخصة ومعتبرة ، بفضل تعاونه وتعامله مع الأطباء (الذين كانت لهم عياداتهم الخاصة) بالإضافة الى إرشاد ومعاونة عديله وصديقه السيد سعيد العوامي (أبو زكي) ، وكانت تعرف “بمخزن أدوية المهنا” ، هكذا كانت تُسمى في ذلك الوقت.

أما مخازن الأدوية الأخرى المرخصة بالقطيف حينها فكانت “مخزن أدوية العمران” لصاحبها سعيد العمران (أبو خالد) و “مخزن أدوية المصطفى” لصاحبه أحمد المصطفى (والد الدكتور المهندس رياض المصطفى‏)، تبعهم بعد ذلك مخزن أدوية الغريافي لصاحبها عبد الله بن سلمان الغريافي (أبو شوقي) رحمه الله. وبينما لم يستمر كلٌ من العمران والمصطفى ‏في مزاولة مهنتهم وأغلقوا مخازن ادويتهم، توسعت صيدلية المهنا بقيادة الصيدلاني عادل ابن المرحوم عبد الكريم المهنا حيث تخرج صيدلاني متخصص من جامعة الملك سعود بالرياض يساعده اخوه وعضيده علي (أبو حسن) في الادارة حيث توسعت الصيدلية ‏وأصبح لها فروع عديدة في جميع مناطق محافظة القطيف مما جاء بنفع كثير للناس وتطوير لاقتصاد المنطقة.

مخزن ادوية العمران

اما أبو شوقي صاحب مستودع أدوية الغريافي وكان موظف في عيادة أرامكو في الظهران فقد احتفظ بمستودع الأدوية وطوره ليكون صيدلية‏ مرخصة ما زالت تعمل حتى تاريخه تحت مسمى صيدلية الغريافي لكنه لم يتوسع بإنشاء فروع جديدة.

الصيدلي عبد الله بن سلمان الغريافي (ابو شوقي). المصدر: عبد الرسول الغريافي.

اما الحواجون الآخرون الذين كانوا في القطيف وهم كثر، وقد انكفأوا ولم يبقى منهم إلا بضع نفر، منهم الحواج الشهير محمد الخميس (أبو خالد) المعروف باسم (محمدون) وإبراهيم الجامع الذي استمر ‏حواجاً يقصده البدو والحضر وتوارث مهنته أولاده إلى اليوم ويُعد من أشهر الحواجين الباقين في المنطقة. ومن اللطيف ذكره إن الصيدليات أو مخازن الأدوية في ذلك الوقت كانت تتناوب لتقديم الدواء للمريض على مدار الأربع والعشرين ساعة، وكان اسم الصيدلية المناوبة في جميع مدن المملكة تبث مع نشرات الأخبار يومياَ.

يرتبط الطب الشعبي في منطقة الخليج ارتباطا تاريخيا وثيقاً مع ثقافة المجتمع. وقد تناقل الناس الكلام عن براعة الشيخ بن نمر الذي كان حكيما‏ يعالج الناس بالأدوية الشعبية والكي وكذلك عن مهارة الحكيم عبد الله ابن حسين ابو السعود الذي اشتهر بمهارة فائقة في هذا المجال. ومن أشهر الذين استخدموا العلاج بالكي ابو حبيب “الآي” الذي كان يسكن بيتاً في منطقة الزريب بالقلعة حيث كان يداوي مرضى أبو جليجل بالكي، وأبو جليجل ‏التهاب كان يصيب السنة الأطفال مما ينكد معيشتهم إذ لا يستطيعون الأكل بسبب هذا الالتهاب فيأخذهم اهلهم إلى “الآي” الذي كان يقوم بتسخين سيخ من الحديد ويقوم بلسع مكان محدد خلف رقبة الطفل لسعة خاطفة فيكون له علاج ناجع.

كما كان يُستخدم الكي لعلاج ‏تشنج الأعصاب حيث كانوا يقومون بكي بعض المواضع في الاصابع للتغلب على التشنج. وممن اشتهر بالعلاج الشعبي وخاصة علاج الكسور والفسوخ “المشهدي” من أهالي العليوات في عنك والذي طالما لجأ إليه الرياضيون في بداية نشأت الرياضة في المنطقة لعلاجهم من الإصابات الرياضية. ومن الذين كانوا يجبرون الكسور المرحوم صالح بن ليث (بن ليف) الذي كانا قائما على المسجد الشهير بالقلعة المعروف بمسجد بن ليف كما كانت هناك حكيمة تمارس الطب الشعبي من النساء اشتهرت في الزمن الغير بعيد وتدعى أم عبد العظيم ‏، كانت تسكن مياس والتي ذاع صيتها واشتهرت فصار النساء يلجؤون إليها لعلاجهم من امراض قد لا يجدون لها علاجات في المستشفيات العامة ومن اشهر طرقها المراخ أي المساج الموضعي ببصيرة لمعرفة العلة.

ولا بد لنا هنا أن نشير الا ان كثير من الأدوية كانت تصنع محلياً في القطيف وتباع بأسعار زهيدة ومن هذه الأدوية المرقدوش والزموتة وماء اللقاح (القروف) والتي يتم استخدامها لعلاج بعض امراض الجهاز الهضمي وتسكين الألم. وممن عملوا في مهنة صناعة الأدوية بالقطيف المرحوم الشاعر الكبير الحاج أحمد بن سلمان الصايغ الملقب بـ “الكوفي” وكذلك المرحوم سعيد الحوري.

اما ما يخص العلاج النفسي فقد تواجد في القطيف من يلجأ الناس إليهم لعلاج مشاكلهم النفسية والاجتماعية وقد اشتهر منهم على وجه الخصوص “العوى” في حي المدارس و “بزرون” في حي مياس والحاج علي أبو شومي في باب الشمال حيث كان يلجأ ‏إليهم الناس من أطراف المنطقة القريبة والبعيدة بدو وحضر لعلاجهم اما كيفية العلاج فكانت تتم بقراءة الأدعية وآيات القرآن الكريم وعمل ما كان يعرف بالحجاب.

وفي العهد الحديث بدأ الأطباء المتخصصون من ابناء الوطن خريجوا الكليات الطبية المحلية والعالمية  المساهمة في خدمة بلادهم ومنهم الأستاذ الدكتور حسن بن العلامة الشيخ محمد صالح البريكي (جراحة) والذي أنشأ مجمع عيادات البريكي مع تطلع لتكون نواة مستشفى متكامل يقدم الخدمات الطبية المرجوة  في القطيف لكن هذا المشروع لم يكتمل وأُغلق مجمع العيادات. ومن رعيل الأطباء الأوائل ايضاً الأستاذ الدكتور سيد باقر بن السيد حمزة العوامى (أطفال) والأستاذ الدكتور حسن الزاير (جلدية) وهم خريجوا الجامعات الألمانية ومن بعدهم الأستاذ الدكتور السيد ماجد ابن السيد محمد العوامى الذي أكمل بكالوريس الطب في جامعة شيراز مبتعثاً من الحكومة مع زميليه الدكتور عبد الرؤوف الخميس والدكتور عبد الكريم الزاير (أكمل دراسته في بغداد) وقد أكمل الأستاذ الدكتور السيد ماجد دراساته العليا في جراحة القلب في الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد ذلك، بدأ الأطباء يتخرجون من كليات الطب في الجامعات المحلية التي بدأت في جامعة الملك سعود بالرياض، تلتها كلية الطب بجامعة الملك عبد العزيز بجدة وتلتهما كلية الطب في جامعة الملك فيصل بالدمام وهذه الكليات خرجت من الأطباء الأعداد الكبيرة من الأكفياء التي غطت احتياج البلاد مدعومة ببرامج الابتعاث التي اولتها الدولة فائق رعايتها لتجعل المملكة في مصاف أرقى الدول التي تقدم الرعاية لمواطنيها والمقيمين فيها.

تطور تقديم الخدمات الصحية في منطقة القطيف شيئاً فشيء اذ افتتح أول مستوصف طبي حكومي في البلد عام 1939م وكان العلاج في ذلك الوقت داخل المستوصف علاجا بسيطا ومبدئيا فكان هناك الأسبرين، ومزيج لعلاج المغص، ودواء آخر لحكة الجلد، وأدوية محدودة جدا. وكان الأطباء هنود لا يعرفون اللغة العربية مما استدعى وجود مترجمين ممن يعرفون الإنجليزية من أهل البلد.

بعد ذلك تم إنشاء مستشفى البحر وهو أول مستشفى بني في القطيف في حي الوارش بالقلعة، وبعد هدمه انتقل إلى عمارة القفاص في الشريعة ليستمر هناك فترة ليست بالقصيرة في العمارة المستأجرة ، بعدها انتقل إلى مقره في الشويكة الذي تم إنشائه في نهاية الستينات الميلادية.

ومن ثم تم إنشاء مستشفى القطيف المركزي في الجش ‏والذي يقدم اليوم للناس خدمات صحية كبيرة. وأخيرا تم افتتاح مستشفى الأمير محمد بن فهد في العوامية.

ومن الجدير ذكره أنه كان هناك مستشفى في الربيعية في الستينات الميلادية من القرن المنصرم، فكان يقدم خدمات صحية لجزيرة تاروت وباقي مناطق المحافظة وكان فيه مكان لإجراء العمليات والتنويم.  كما حظيت القطيف في ذلك الوقت بمعهد صحي في مدينة صفوى والذي خرج اعداداَ كبيرة من المتخصصين في الخدمات الصحية كمساعدي صيادلة ومساعدي جراحين وممرضين ومراقبين صحيين ، وقد خدم هؤلاء الخريجون الشباب البلاد بتقديم رعاية طبية متطورة للمواطن الذي توفرت لهم الخدمات الصحية من خلال المستشفيات الحكومية والمراكز الصحية العديدة التي انتشرت في كل حي وقرية لتقدم للناس الخدمات الصحية الراقية.

كما كانت لمساهمة رجال الأعمال في بناء المستشفيات الأهلية الخاصة، مثل مستشفى المواساة الواقع في حي المنيرة ومستشفى الزهراء العام الواقع على الملك فيصل المعروف بشارع المحيط الدعم المثابر في تقديم الخدمات الصحية في المنطقة والتي نفعت البلاد وأنقذت الأرواح، ولكننا لا ننسى الوفاء لأولئك الذين بدأوا مسيرة الخدمات الطبية قي بلادنا والتي مازالت رغم تقدمها القياسي في حاجة لمواكبة التطور العالمي في مجال الخدمات الطبية الراقية.

المصادر:

  1. (https://www.rd.com/article/why-people-with-glasses-look-smart/)
  2. https://www.healthline.com/health/types-of-smiles#embarrassed
  3. https://www.mdedge.com/content/improve-patient-satisfaction-smile-and-ear
  4. https://gate.ahram.org.eg/News/2405395.aspx
  5. (http://www.qatifoasis.com/?act=artc&id=1523)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *