المباني صديقة البيئة ،،، هدف المستقبل – عبد العظيم الخاطر*

تختلف طرق ومواصفات البناء والمواد المستخدمة من منطقة لأخرى وتتطور من خلال تجارب تراكمية عبر العصور المتتالية وبحسب إختلاف الأجواء السائدة. ففي المناطق الشديدة البرودة، مثلا، تجد أسقف الجملون الشديدة الانحدار بهدف منع تراكم مياه الأمطار والثلوج فوقها ومنع انهيارها، وكذلك تجد المداخن للتدفئة وإخراج الأبخرة.

blueridgechimney.com

أما في المناطق الشديدة الحرارة، مثل منطقة الخليج العربي، فقد تمكن الأسلاف من تطوير طرق بناء محكمة تتناسب مع الظروف المناخية القاسية القائمة. وقد تحقق ذلك بعدة طرق من بينها استخدام مواد بناء ملائمة من البيئة المحلية مثل الصخور البحرية والطين والأخشاب ، وخاصة جدوع وجريد وسعف النخيل وهذه المواد مجتمعة عازلة للحرارة. إضافة إلى استخدام طرق تهوية من بينها ملاقف الهواء “البادقيرات” ، وفكرتها عمل فتحات بطريقة مدروسة في الجدران الخارجية للمباني بحيث يدخل منها الهواء عندما يصطدم بها ، مندفعا لداخل المبنى وهي فكرة هندسية بسيطة وفاعلة لتهوية المباني، وفي نفس الوقت تضفي رونقا وجمالا على المباني من الخارج. وكذلك استخدام الظلال من خلال رص المباني ببعضها وربط كتل المباني بأزقة ضيقة يتراوح عرضها في الغالب من متر إلى ثلاثة امتار ، بعضها مغطى بالساباط ما يوفر ظلالا للمباني والمقيمين فيها ويقيها من حرارة الشمس ويحميها من الأمطار. وكانت المباني تطل على الداخل ويندر وجود النوافذ والبلكونات المطلة على الخارج.

ومع اكتشاف البترول في الخليج وتسارع وتيرة الحياة لم تصمد طرق البناء المحلية طويلا لشحة المواد الطبيعية ما أدى لدخول مواد بناء جديدة كالاسمنت وبعدها الخرسانة المسلحة والطابوق، وكذلك شكل تزايد أعداد المباني المتنامي ضغطا لا يحتمل على أعداد البنائين المحليين ما أدى لاستقدام عمالة اجنبية بخلفيات بناء مختلفة. كل ذلك أدى لظهور مواد بناء وطرق بناء جديدة، وهي التي تعتمد على الهياكل الخرسانية المسلحة أعمدة حاملة وجسور مع استخدام الطابوق الإسمنتي للجدران، عوض الجدران الحاملة السائد في المباني القديمة. وأيضا اختلفت تصاميم المباني لتصبح مطلة على الخارج من خلال النوافذ والبلكونات التي انتشرت سريعا، بحيث قل إن تجد منزلا جديدا يخلوا منها، ولكنها لم تدم طويلا لاختلاف الأعراف الإجتماعية بين سكان دول الخليج وسكان مناطق الشام مثلا.

البلكونات ظهرت في كثير من المباني المسلحة ولكنها اختفت لاحقا لاختلاف الاعراف والتقاليد.

وكما هو معروف فالتطورات في جميع المجالات ومنها العلمية والحياتية لا تقف عند حد، لذلك تم اكتشاف عيوب المباني الخرسانية وعدم ملائمتها لأجواء الخليج لذلك استمر البحث لايجاد بدائل ومنها إضافة العوازل المائية والحرارية على نظام البناء الشائع في هذا الزمن.

وعلى المستوى العالمي، يعمل مهندسون معماريون على ابتكار مبان صديقة للبيئة تتناغم وتتكامل معها، وتتيح العيش بطريقة فريدة مع الطبيعة من حولها. أفكار المشروع تتمحور حول تصميم مباني تكون مكتفية ذاتيا من خلال استخدام مواد بناء ملائمة تقلل الانبعاثات الحرارية وفي نفس الوقت تكون مصدر للطاقة النظيفة وتندمج من خلالها مع البيئة المحيطة بها.

designboom.com

أحد الأمثلة مشروع “Mitosis” وهو من تصميم شركة “GG-loop” المعمارية الهولندية التي أسسها المهندس المعماري جياكومو جارزيانو في أمستردام عام 2014 م. مشروع “Mitosis”، كما وصفه جارزيانو في مقابلة له على (CNN)، صمم استجابة للظروف المناخية القائمة والإزدياد المضطرد في عدد سكان العالم، والتصميم مستوحى من حركة “Metabolism” اليابانية، والتي تهدف لجعل مباني المستقبل مكتفية ذاتيا، بشكل يماثل الأجسام البشرية، إلى جانب مقدرتها على التجدد.

وهو ايضا مصمم وفق ظروف ومؤشرات أداء محددة، ما يجعله قادراً على التوسع، والتمتع بالمرونة، بفضل ما يتوفر فيه من عناصر أصغر يمكن الإضافة عليها أو استبدالها مع مرور الزمن. والتصميم روعي فيه امكانية التطور بشكل مستمر مع سكانه ومحيطه، من خلال إعادة إنشاء النظم البيئية المناسبة للمناخ والموقع.

يأتي اسم المشروع من عملية الانقسام الخلوي “’Mitosis” التي تنقسم فيها خلية واحدة إلى خليتين متطابقين، ويجسد المشروع “قابلية التركيب، والتكيف، كما هي طبيعة أي كائن حي، وكل وحدة سكنية تتعايش جنباً إلى جنب مع الوحدات الأخرى، وبيئتها.

وفي العقود الماضية، تجسدت الرغبة في إعادة التواصل مع الطبيعة في الهندسة المعمارية عن طريق دمج الأنظمة الخضراء في الهواء الطلق، مثل الواجهات الخضراء، والحدائق المتواجدة على الأسطح، إلى جانب بيئات داخلية مثل الجدران الخضراء، وأواني النباتات. ويهدف المفهوم لدمج الحياة النباتية والحيوانية في جميع أنحاء مبانيه، ما يسمح للسكان بالتعايش بانسجام مع التنوع البيولوجي للنباتات والحيوانات المحلية للمنطقة التي يتواجد بها.

يستخدم “Mitosis” مواد بناء بيولوجية مثل الأخشاب المصفحة المتقاطعة (CLT) التي تحبس ثاني أكسيد الكربون. وعن طريق اختيار هذا النوع من المواد، يبني المفهوم بيئة تتميز بكونها تنتج طاقة أكثر مما تستهلك. والمفهوم صديق للبيئة أيضاً لأنه يستخدم مواد حيوية مثل الألياف الطبيعية كمادة عازلة، والشمع والطلاء المائي للاستخدامات المتعلقة بالطلاء.

يتوقع جارزيانو إنشاء مشروع “Mitosis” في المستقبل القريب في المدن ذات البرامج البيئية طويلة المدى، مثل أمستردام، وسنغافورة، وباريس.

*عبد العظيم حسن مهدي الخاطر مهندس معماري وعضو المجلس البلدي سابقا. له عدة مقالات هندسية وإجتماعية جمع بعضها عام 1432هـ في كتاب ” التخطيط العمراني …. آراء وأفكار “.

مصادر الصور:

  1. https://www.designboom.com/architecture/gg-loop-biophilic-collective-housing-proposal-amsterdam-parametric-timber-facade-11-18-2020/
  2. https://blueridgechimney.com/what-the-winter-weather-does-to-destroy-your-chimney/
  3. أرشيف المؤرخ عبد الرسول الغريافي.
  4. file:///C:/Users/LenoVo/Downloads/Austria_TUGraz_Ringhofer_corrected.pdf
  5. http://www.structuraltimber.co.uk/assets/InformationCentre/eb11.pdf

3 تعليقات

  1. Avatar
    هلال الحبيل

    كانت البيوت (الأكواخ) قديما في النخيل صديقة البيئه كونها مبنية داخل النخيل فهي دافئة شتاء خاصة بعد تبطبنها (بالسميم) من الداخل وفي الأعلى ، والعرشان لطيفة في الصيف خاصة إذا كانت تشاهد الشمال والشرق مع جداول المياه الرقراقه والأشجار المتنوعة ، فتجد الفلاح ومن يعيش معه صحيح الجسم والحواس وفق البيئة التي يعيش فيها بين الجداول والأشجار والنخيل. كذلك طعامه وشرابه طازج من أسماك ودجاج وما تجود به النخيل من رطب وتمور والأشجار من فواكه وخضار ، كالتين والرمان واللوز والخضار بجميع أنواعها والألبان بجميع ماتنتجه. كل ذلك كان له دور في حياة الفلاح ومن يعيش معه. مع تحياتي….

  2. Avatar
    علي أحمد الرضي*

    موضوع في غاية الأهمية بما يحمله من إشارات للاجيال القادمة. اتمنى من ادارة التخطيط العمراني المسؤولية عن اعتماد مخططات الأحياء ان تراعي مساندة تطبيق هذا الهدف حيث تقسيمات الحي وتقاطعاته وضوابط مساكنه ومبانيه تلعب الدور الرئيس في تحقيق الأهداف، ولا غنى عن المكاتب الهندسية والمقاولين. هل ضريبة المواد صديقة البيئة منخفضة؟
    شكراً لك مهندس عبدالعظيم.

  3. Avatar
    عبدالرسول علي الغريافي

    وليكن هذا أول الغيث وفي انتظار المزيد عن الفنون المعمارية من افكار المتخصصين وذوي الخبرة أمثالك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *