شيء من التاريخ ،، الفينيقيين – عبد العظيم الخاطر*

بعد كتابتي لموضوع سابق بعنوان “شيء من التاريخ ،، السويجة”، وفيما يخص إسم البلدة وهل الأصل هو: السويجة كما هو متداولا على ألسنة الآباء والأجداد وموجودا في بعض الوثائق ، أَم الشويكة كما هو الإسم الرسمي الحالي. وقد تواصل معي الجار العزيز والأخ الفاضل الأستاذ عبد الإله التاروتي حيث دخلنا في نقاش علمي وتاريخي مدعم بالوثائق ، وقد تبين لي وجود الكثير من الوثائق القديمة التي تثبت أصل الإسم ألا وهو الشويكة ومنها ما ورد في وثيقة قانون نامه والمؤرخة أوائل رجب سنة 959 هجرية والتي ذكرت قرية تابعة للقطيف تسمى شويكة. ومن باب الأمانة العلمية احببت التنويه بأن إسم البلدة الصحيح هو الشويكة.

تصوير خالد الطلالوة

ونظرا لوجود بلدة تحمل نفس الإسم “شويكة” في فلسطين، يجدر بي الإشارة إلى الفينيقيين الذين استقروا في سواحل شرق البحر المتوسط، إقليم الشام التاريخي (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن)، حوالي 3000 ق.م. يختلف الباحثون كثيرا في تحديد الموطن الأصلي للفينيقيين، وهذا ما لمسته من الاطلاع على بعض الأبحاث والمقالات حيث كان هناك بحر متلاطم من الآراء والآراء المضادة وتبين أنه ليس هناك رأي موحد يتفق عليه أو يرجحه جميع الباحثين.

بعض الباحثين عرفهم بأنهم شعب سواحلي، أي من سكنة السواحل، ونسبهم إلى الشواطىء الغربية للخليج العربي وخليج عمان وقبلها إلى سواحل البحر الأحمر الجنوبية (اليمن). وهذا الرأي يستند في جزء منه إلى وجود تطابق وتشابه بين أسماء بعض المدن والبلدات في الخليج العربي وخليج عمان والشام، فهناك صور في سلطنة عمان وصور في لبنان، وهناك القطيف في المملكة العربية السعودية والقطيفة في سوريا، وهناك الجبيل وتاروت في السعودية وجبيل وبيروت في لبنان، وهناك أرادوس (الإسم القديم لجزيرة المحرق) في مملكة البحرين وجزيرة أرواد في سوريا، وهناك الشويكة في السعودية وشويكة في فلسطين، وهكذا.

شويكة فلسطين (www.facebook.com/b7bekyashuwekh)

إضافة إلى ذلك ما اكتشفه بعض الباحثين للعديد من المقابر والآثار في منطقة الخليج العربي، واعتماداً على تشابه الأسماء رجح (تيودور بنت) بأن المقابر الأثرية التي اكتشفت في مملكة البحرين هي فينيقية. إلا أن باحثين آخرين عارضوا استنتاجاته وقالوا بأن هذه القبور يرجع تاريخها إلى عهد أقرب من عهد الفينيقيين وأن أرض مملكة البحرين، في الأزمنة السابقة استخدمت كمدفن للموتى الذين يؤتى بهم من السواحل الشرقية (أرض لنجة حتى بو شهر) والغربية للخليج العربي. ورأى تيودور بنت تدعمه استنتاجات هيرودوت وسترابون القائلين بأن هذه القبور فينيقية، ما قد يؤشر إلى أنها قد تكون فينيقية ثم استخدمت لاحقا كمدافن لأناس ينتمون إلى عصر أقرب من عصر الفينيقيين.

ويرجح بعض المؤرخين بأن الفينيقيين والكنعانيين هم شعب واحد، ويشير أمين الريحاني إلى ما يرجحه المؤرخون والآثريون بأن الفنيقيين مثل العرب ساميون، بل أنهم عرب الأصل، نزحوا من الشواطئ العربية الشرقية على الخليج العربي إلى سواحل البحر المتوسط في قديم الزمان. وهذا الرأي تبناه ايضا (هيرودوت)، كما أشار (سترابون) إلى أن سكان الخليج العربي كانوا يسمون مدنهم بأسماء المدن الكنعانية (صور، صيدا، أرواد، جبيل) ورجح أن تكون تلك المدن أقدم من التي على سواحل المتوسط. كما أن معابدهم القديمة تتشابه مع معابد الكنعانيين، فافترض أن الهجرة تمت من الخليج العربي الى بلاد الشام.

الفينيقيون (المصدر: dailymotion.com/video/x5jdhf3)

أبرز ما تمييز به الفينيقيون أنهم عرفوا بعبورهم البحر بوصفهم تجارا ومستعمرين، حسب القليل من النقوش الفينيقية المكتشفة والتى تثبت صحة هذا الأمر. وقد توسعت سيطرتهم على امتداد ساحل الشام، وأنشأوا عددا من المستوطنات مثل يافا وعكا وأوغاريت، وكذلك استوطنوا قرطاج في شمال أفريقيا والتي اصبحت فيما بعد قوة بحرية وتجارية رئيسية في منطقة غرب المتوسط.

أغلى الأشياء التى أنتجها وصدرها الفينيقيون كانت صبغة معروفة باسم تايريان “الأرجوانى” وهكذا عرف الفينيقيون أيضًا باسم “الشعب الأرجوانى”.

كما اشتهر الفينيقيون باختراعهم للأبجدية، وقد أسهم الفنيقيون في تطوير الكتابة بالأحرف الأبجدية، والتي كان لها دوراً في تطوّر الأدب اليوناني.

وأختم برأي للمؤرخ الأخ العزيز الأستاذ عبد رب الرسول الغريافي، مبني على تحليل شخصي، أرى أنه منطقيا حيث يربط بين الفينيقيين وزراعة النخيل. يرجح الأستاذ الغريافي بأن منشأ الفينيقيين الأصلي هو موطن النخلة أي الجزيرة العربيه. ويدلل على ذلك بأن إسم الفينيقيين أطلقه قدماء الإغريق وهو صفة مشتقة من فينيقيا (فينيشيا) الإسم العلمي لنخلة التمر (phoinix = φοῖνιξ) أو (phoinikos= φοίνικος)، فالإسم العلمي لنخلة التمر هو (phoenix) وهو جنس من النباتات يتبع الفصيله القوفليه لنخلة التمر (phoenix dactylifera)، وهذا سبب إطلاق الإغريقيون إسم فينيقي (phoenicia) عليهم.

وحيث أن طريقة تحويل بعض الأسماء إلى صفات في اللغة الإغريقيه واللاتينيه وبعض اللغات الإندويوروبين الحديثه (Indo-European Languages) تتم بإضافة (suffix) أي لاحقة في نهاية بعض الأسماء وهي: {ian، كما هو -مثلا- في: Egyptian و Indian و Pedestrian}. فمن الواضح عند إضافة اللاحقة (ian) إلى إسم النخلة العلمي فإنه يتحول إلى صفة فتصبح (phoenician)، والترجمة الدقيقة لهذه الكلمة هي (نخلاوي) كما في الشرقية (عند أهل القطيف والأحساء وبعض دول الخليج) أو (نخلي) كما في الغربية. فيتضح أن إسم فينيقي يعني فلاح متخصص في التعامل مع النخيل (نخلاوي او نخلي).

*عبد العظيم حسن مهدي الخاطر مهندس معماري وعضو المجلس البلدي سابقا. له عدة مقالات هندسية وإجتماعية جمع بعضها عام 1432هـ في كتاب ” التخطيط العمراني …. آراء وأفكار “.

6 تعليقات

  1. بحث رائع جميل وجهد مشكور لتوضيح شيء من التاريخ.

  2. د. عبد العلي عبدالله البحارنة أبو حسين / القطيف

    ابومحمود العزيز شئ جميل ربط الماضي بالحاضر وما يكتنزه هذا الربط من علم ومعرفه بالاجيال السابقه والحضارات التي نشأت وعاشت وتعاقبت على هذه المنطقه والتي كانت أيضا مهد للاديان وكثير من الأنبياء والاوصياء والصالحين. وفقك الله للمزيد من العطاء

  3. أستاذ أبو محمود : تحية طيبة وشكراً على هذه المعلومات المفيدة، و أقول هنا مستعمرة في فلسطين اسمها “غوش قطيف”

  4. غوش قطيف تقع في قطاع غزة وكانت مستعمرة صهيونية اما الآن هي بلده مرررة من مدن غزة على الطريق الواصل بين غزة ودير البلح

  5. خالد منصور ال قصاب

    ابو محمود بحث اكثر من رائع ومجهود تشكر عليه والقارئ المنصف يسلم بما توصلت اليه شكر يا هندسة

  6. وجبة وافرة في مجال البحث والتاريخ ، أضافت الكثير لي وانا مستمع بالقرآة التاريخية الموجزة للقطيف وما جاورها ، إذا انها موهبة اركولوجية لا يملكها إلا الباحثين أمثالك ، أ. عبد العظيم.
    شكرًا لك على هذا البحث.

اترك رداً على علي خضر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *