الأستاذ عدنان أحمد الحاجي

البشر لا يزال يتطور (ويمكننا مشاهدة ذلك وهو يحدث) – ترجمة عدنان احمد الحاجي

Humans are still evolving – and we can watch it happen
(بقلم: إليزابيث بينيسي –  Elizabeth Pennisi)
مراجعة وتقديم: عادل عبد الله البشراوي، متخصص في علم الانسان القديم

بفضل قواعد البيانات الضخمة يستطيع الباحثون من التعرف على السمات المتطورة، كلون الشعر الأشقر في بريطانيا

مقدمة عادل عبد الله البشراوي

رغم الطبيعة التخصصية الشديدة التي تميز بها المقال المترجم أدناه، إلا أن محاولة قرءاته والتدبر في أفكاره من شأنها إيضاح غموض شديد يكتنف الكيفية التي تجري من خلالها آليات التطور. وحقيقة، وكما ألاحظ، فإن الغالبية من الناس وبمن فيهم بعض المتخصصين، يعانون من أفهام مغلوطة عن آليات عمل التطور في البيئات المختلفة للكائن.

من ملاحظاتي في هذا الجانب رسوخ بعض الأفكار النمطية التي تجنح بالبعض لتبني تصورات بعيدة عن الواقع كأن يطرح سؤال عن الأسباب التي تمنع كائنات أخرى أن تصل إلى مرحلة البشر!! وهو سؤال يستبطن فهماً يفترض أن آلية التطور تسير وفق مسار خطي ثابت، تواجه عبره الأحياء ذات الضغوط البيئية، فتتفاعل وتستجيب لها بأدوات ثابتة، وأن هذه الأدوات تشترك جميع المخلوقات في حيازتها. بينما الأمر بعيد جدا عن هذا التصور، حيث أن الكائنات تواجه ضغوطاً بيئية مختلفة، وهذا حتى لو تجاورت في السكنى. لأن ضغوط البيئة ليست مقتصرة على حالة المناخ والتضاريس، بل تمتد إلى التفاعلية البينية بين هذه الكائنات المتجاورة، والتي تكون أحياناً من نفس النوع. حيث أن هذه الأنواع المتجاورة في السكن سوف تتصارع للحصول على حصتها من الغذاء، وضمان بقاء الكائن مكفول للأفراد الأوفر حيلة على الحصول على ما يكفيها من الغذاء والمأوى والقدرة على اتقاء الإفتراس.

كما أن تجهيز الكائن الفيسيولوجي هو الذي سوف يستمد منه الكائن أسلحته في هذه المعركة. فتجهيز النمر، على سبيل المثال، يختلف عن تجهيز الحية، ولكل منهما أسلحته التي يستطيع استغلالها في المعركة، وهذا وإن كانا متجاورين في السكنى كما أسلفنا. وكذلك فإن هذا التجهيز الفيسيولوجي هو الذي سوف يكون منطلق تطور الكائن، بحيث أن الألائل الجينية المتوفرة في جينوم النمر سوف تتشكل وتستجيب لتفضيلات الإنتخاب الطبيعي التي تتيحها هذه الألائل، ووفق النسخ الأليلية التي تنتجها طفرات جيناته المعينة، والتي وإن اشتركت في بعض منها مع جينات الحية، إلا أن الفروق الأليلية الشاسعة بين جينات الحيوانين لا تتيح لها التماثل.

study.com

وهناك عدد كبير من الأفكار النمطية العالقة في أذهان البعض والتي، لو شئنا حصرها فلن نستطيع مع هذه العجالة. وهو مايجعلنا نركز في هذه المقدمة على الفكرة التي تطرق لها التقرير.

الفكرة التي تمحور حولها التقرير والتي تظهر في عنوانه والتي يحاول توضيحها هي “لماذا لا يظهر على البشر آثار تطور؟”، وللتوثيق، فهذه تعتبر فكرة متقدمة على فكرة أخرى منتشرة تتساءل عن السبب في توقف تطور البشر!! والفكرتان كما سيتضح في التقرير أدناه ناتجتان عن تصورات مغلوطة.

كما ينقل التقرير عن عالمة البايلوجيا التطورية مولي بريزورسكي قولها “أن الدراسات بينت كيف يستجيب الجينوم البشري سريعاً الى الحالات بطريقة خفية لكنها مفيدة”. وهذا يعني أن جينات البشر في نسخها (الألائل) تتغير بشكل لا يمكن رصده إلا عبر دراسات معمقة وباستخدام تقنيات بالغة التعقيد. فالتطور ماض ولكن تصعب مراقبة عمله.

ولنتفق على قاعدة نوضح من خلالها المشهد المعقد، فالتطور هو سمة الحياة، وما دامت الحياة ماضية فالتطور مستمر. وهذا يتوضح لنا في ظاهر الطفرات (التحورات) ، فما دامت أجساد الكائنات الحية مستمرة في تجديد خلاياها فإن الطفرات هي قدر لا مفر منه. حيث أن أنسجة الجسد التي تتجدد على وجه دائم، تحتاج لإعادة نسخ كامل الشفرة الوراثية في نواة وميتوكوندريا كل خلية حديثة التخلق. ومع عمليات النسخ الهائلة للخلايا التريليونية التي يقوم بها جسد الكائن تحدث أخطاء في إعادة نسخ هذه الشفرة المعينة. وعادة ماتحدث هذه الطفرات دون أدنى أثر، لأنها تبقى في حيز ذات الأليل، فلا تستطيع طفرة مايكروية واحدة تحقيق تغير واضح. ولكن تراكم الطفرات مع وجود عوامل بيئية تسهم في تفضيل صفات معينة أكثر ملائمة لها، هو الذي سوف يحدث هذه الفروق ويجعلها بادية للعيان.

وعندما نتحدث عن البيئة، فمجدداً نحن لا نتحدث فقط عن مناخ وتضاريس، بل وكما أسلفنا فإن التفاعلية التي تنتج عن تساكن الكائنات في بيئة واحدة لها أيضا تأثيراتها الهامة. وكما يناقش التقرير، فإن سكان بريطانيا ازدادت لديهم نسبة حاملي صفات الشعر الأشقر والبشرة الفاتحة بشكل كبير خلال الألفي سنة الماضية، ويعزي حدوث الظاهرة إما لاستجابة الأجساد لطبيعة السماء القاتمة، حيث أن الشمس غائبة أغلب الوقت، وهو ما يفرض ظروف تفضيل انتخاب طبيعي للبشرة البيضاء التي تتيح قدرة أكبر على الإستفادة مما يتوفر من أشعة الشمس التي يستمد منها فيتامين “د”. ولكنه لا يستثني أن يكون المتسبب في ذلك هو مجرد ظاهرة ثقافية منتشرة بين البريطانيين في تفضيل الإرتباط بأزواج شقر وذوي بشرة بيضاء. وهو ما يزيد من التفضيل الإنتخابي لحاملي هذه الصفة. وكذلك الأمر في صفات أخرى كطول القامة وغيرها من الصفات التي تميز كل منطقة جغرافية على مدى البسيطة.

التقرير المترجم 

يعتقد كثير من الناس ان التطور يتطلب آلاف او ملايين السنوات ولكن يعرف البيولوجيون انه يمكن ان يحدث سريعاً. الآن بفضل الثورة الجينومية، يستطيع الباحثون في الواقع تتبع المستوى السكاني للتحولات الجينية التي ترسم خط التطور وهي في سير عملها – وهم يطبقون هذا الآن على البشر. قُدمت دراستان في اجتماع بايلوجيا الجيونومات هنا في نيويورك في 10-14 مايو 2016 وتظهر كيف تغيرت جينوماتنا على مدى قرون أو عقود، التتبع لكيف تطور البريطانيون ليكونوا  أطول قامة وأفتح بشرة منذ العصور الرومانية، وكيف فقط في الجيل الأخير تضاءل تأثير الجين الذي هو في صالح تدخين السجائر في بعض المجموعات.

القدرة على ان النظر في الإنتخاب الطبيعي حال سير عمله مسألة مثيرة كما تقول مولي بريزورسكي عالمة البايلوجيا التطورية من جامعة كولمبيا. تقول مولي برزيورسكي (Molly Przeworski) أن الدراسات بينت كيف يستجيب الجينوم البشري سريعاً الى الحالات الجديدة بطريقة خفية لكنها مفيدة. “وهذا يغير كثيرا في فهمنا للتطور”.

فقد ركز علماء البايلوجيا التطورية على دور الطفرات الجديدة في انتاج سمات جديدة.  ولكن حين تنشأ طفرة جديدة، يجب أن تنتشر في مجموعة سكانية.  كل شخص يحمل نسختين من كل جين لكن يمكن ان تختلف النسخ اختلافاً طفيفاً فيما بينها وكذلك فيما بين الأشخاص.  الطفرات في نسخة واحدة قد تزيد من الطول؛ وتلك الطفرات في النسخة الاخرى، او “ال أليل – allele”، قد تقصر منه.

إذا فرضت الظروف المتغيرة أوضاع تفضيل، طول القامة على سبيل المثال،  فالناس طوال القامة سيكون لهم نسل اكثر، والمزيد من النسخ من المتغيرات التي ترمز لطول القامة سوف تعمم على المجتمع السكاني.

بمساعدة  مجموعات من البيانات الجينومية الضخمة، يستطيع العلماء الآن تتبع هذه التحولات التطورية في تواتر الأليل (راجع 1 للتعريف) على امتداد فترات زمنية قصيرة.  جوناثان بريتشارد (Jonathan Pritchard) من جامعة ستانفورد في بالو ألتو، كاليفورنيا، وطالبه في مرحلة ما بعد الدكتوراه يائير فيلد (Yair Field) قاما بذلك عن طريق عد تغيرات قاعدة مفردة معينة، والتي توجد في كل جينوم. هذه التغيرات المنفردة النادرة، أو كما تعرف ب (singletones – الفرديات) قد تكون حديثة لأنها لم يتح لها الوقت للانتشار بين المجتمع السكاني. نظرًا لأن الألايل تحمل الحمض النووي المجاور معها أثناء انتشارها، فيمكن استخدام عدد الفرديات (singletones) هذه الموجودة على الحمض النووي المجاور كساعة جزيئية تقريبية ، مما يشير إلى مدى سرعة تغير هذا الأيائل في التواتر.

وأيضا فإن ازدياد شدة تفضيله الإنتخابي سرّع من تراكم القواعد المفردة في جواره. اعتماد هذا النموذج يمكننا من التعرف على الصفات المنتخبة عبر المئة جيل السابق أي خلال حدود الألفي سنة الماضية.

نتالي تيليز (Natalie Telis) و إيڤان بويل (Evan Boyle) طالبي الدرسات العليا حينئذ في جامعة ستانفورد مع الباحث بعد الدكتوراه زيو غاو (Ziyue Gao) وجدوا بعض القواعد المفردة بجوار الألائل تثبت قابلية تحمُل (هضم) اللاكتوز – وهي خاصية تسهل على البالغين هضم الحليب – وهذا ترميز لمستقبلات (receptors) مناعية معينة. هذه الألائل ثبَّتت شدة تفضيل انتخابها بين البريطانيين فانتشرت بكثرة بينهم. وجد الفريق العلمي أيضا تغيرات مفردة (singletons) أقل بجوار الألائل التي تعطي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، مما يعني أن هذه الصفات أيضا انتشرت بشدة فقط خلال الألفي سنة الماضية، والفريق ذكر ذلك في تصريح ليائير فيلد في محاضرته وفي 7 مايو 2016 على موقع (bioRxiv.org).  وقد تكون طبيعة الأجواء القاتمة في بريطانيا هي المهيء لهذه الظاهرة التطورية: جينات الشعر الفاتح اللون مسؤولة أيضا عن البشرة الفاتحة، وهذه الصفات تتيح انتاج كمية أكبر من فيتامين “د” في الأجواء التي تفتقر إلى أشعة الشمس. أو أن يكون الإنتخاب الجنسي هو المسبب، أي أن يكون مدفوعًا بتفضيل الإرتباط بأزواج من ذوي الشعر الأشقر.

وجدت التقنية ترحيباً من عدة باحثين، حيث يقول عنها سڤانتو بابو (Svanto Pääbo) وهو عالم جينات تطورية في معهد ماكس بلانك لدراسات التطور الأنثروبولوجي في ليزبيك (Leizpiq) بألمانيا: “قد تتيح لنا هذه التقنية قدرة أكبر على تلمس إشارات تفضيل انتخابي خفية ولكنها منتشرة”.

وكدليل على فاعلية هذا الأسلوب، فقد تمكن فريق بريتشارد من التعرف على مظاهر انتخاب تفضيلي الصفات لا يتحكم بها جين واحد فقط، بل بمتغيرات طفيفة جدا في مئات الجينات. بين هذه الصفات، الطول، ومحيط رأس الأجنة، وحجم حوض الإناث – وهذا بالغ الأهمية في عملية ولادة الأجنة. وبالنظر لكثافة المتغيرات المفردة (singletones) لأكثر من 40 مليون اختلاف في الحمض النووي، تمكن فريق بيتشارد من اكتشاف التفضيلات الانتخابية لهذه الثلاث الصفات المذكورة حدثت فقط خلال الألف سنة الأخيرة.

أما جوزيف بيكريل (Joseph Pikrell)، وهو عالم جينات تطورية في مركز نيويورك للجينوم في مدينة نيويورك، فقد اعتمد استراتيجية مختلفة، ولكنها أكثر فاعلية تتمكن من تحديد مظاهر التطور في العمر الزمني لحياة الفرد الواحد. نظر هو وبرزيورسكي بتركيز شديد على جينومات تعود لـ 60,000 شخص من ذوي الأصول الأوروبية والذين تم تصنيفهم الجيني من قبل قيصر بيرمانانتي (Kaiser Permannente) في شمال كاليفورنيا و  150,000 شخص بريطاني من مشروع بايوبانك المملكة المتحدة (UK Biobank). أرادوا من وراء ذلك التعرف على ما إذا كانوا يستطيعون مراقبة عمل الإنتخاب التفضيلي عبر جيل أو جيلين، من خلال دراسة تفاوت التواتر الجيني عبر أفراد من أعمار مختلفة. احتوى مشروع بايوبانك المملكة المتحدة  على عدد قليل نسبياً من المسنين، ولكنه تضمن بيانات عن آباء (الأب والأم أو أحدهما) أصحاب العينات (المشاركين في التجربة) التي قدمها المشروع، وهو ما وفر للفريق الحصول على معلومات تفيد علاقات بين وفايات الآباء وتواتر الألائل في أولادهم.

وجد الباحثون في بيانات جيل الآباء الجديد، على سبيل المثال، علاقات بين الموت المبكر في الرجال ووجود أطفالهم (وهو مايشير إلى وجود هذه الظاهرة في الآباء) وبين أليل مستقبل النيكوتين، وهي الألائل التي تجعل ترك التدخين صعبًا. الكثير من الرجال الذين توفوا في فترات شبابهم ومن الذين بلغوا شبابهم في خمسينيات القرن الماضي في بريطانيا، وهي الفترة التي تعود فيها الرجال هناك على تدخين علبة سجائر يوميا. في المقابل، تواتر هذا الأليل في النساء وفي سكان شمال كاليفورنيا لم تظهر تفاوتاً مع العمر، وهو ما قد يعود لقلة عدد الذين كانوا يدخنون بشراهة، وعليه فإن الأليل لم يكن له تأثير على بقائهم على قيد الحياة. وبتغير عادة التدخين، فإن ضغوط اجتثاث هذا الأليل توقفت، وبالتالي فإن تواتره لم يتأثر في الشباب من الرجال، كما يشرح بكريل. ويعلق بريزورسكي قائلا “أظن بأننا سوف نكتشف الكثير من تأثيرات التفاعلات الجينية البيئية (Gene-by-environment effects).

وبالتأكيد فإن فريق بيكريل تعرفوا على تحولات أخرى. ومن بينها، مجموعة من المتغيرات الجينية لها علاقة بتأخر بدء الدورة الشهرية في النساء الطويلات الأعمار (المعمرات)، مما يوحي أنه يؤخر من الموت، وهو ما يفترض أنه يساهم في إطالة أعمارهن. وقد صرح بيكريل أيضا بتراجع تواتر أليل صميم البروتين الشحمي (ApoE4) (انظر 2) ذي العلاقة بمرض ألزهايمر في المعمرين لأن حاملي الجين يموتون في عمر مبكر. يقول بيكريل “نستطيع التعرف على التفضيل الإنتخابي في أقصر نافذة زمنية ممكنة، أي في فترة حياة الفرد الواحد”.

علامات التفضيل الإنتخابي في الفترات القصيرة سوف تبقى معرضة للتقلبات. ولكن وجود هذين المشروعين الآنفي الذكر معًا “يشير إلى قدرة المشاريع البحثية الكبيرة على توضيح أسباب قدرات البقاء والتكاثر في مجتمعات اليوم البشرية” كما قال سفانتي بابو.

مصادر من خارج النص:
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/تواتر_الأليل
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/صميم_البروتين_الشحمي_E

المصدر الرئيسي: 
https://www.sciencemag.org/news/2016/05/humans-are-still-evolving-and-we-can-watch-it-happen?utm_campaign=news_daily_2016-05-18&et_rid=17034967&et_cid=496889

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *