المهندس علي الجشي

المَلَكات القيادية وحاجة الشباب اليها (الجزء الثالث) – علي الجشي

مهارات وميزات القائد

الكفاءة القيادية تعني القدرة على التأثير في الآخرين، ولتحقيق ذلك يجب أن يمتلك القائد القدرة على التكيف، ومراقبة نفسه بشكل أفضل، والتصرف بشكل مناسب في المواقف الحرجة، وتتبع المواقف لفهم الأحداث، والحرص على إرشاد الآخرين، فهم “الصورة الكبيرة”، والسعي للتغيير من خلال الابتكار وتعلم وتوظيف مهارات جديدة.

في بعض الأحيان قد يعتقد شخص أنه قائد كفء عندما يقود فريقًا في المدرسة أو الأصدقاء في نزهة. لكن حقيقة الأمر هي أنه عندما يتم وضعه في موقع يسمح له بقيادة الناس في الحياة الواقعية، سيكتشف أنه يفتقر إلى المهارات اللازمة للقيادة. فليس من السهل أن يكون الشخص قائدا مرموقاً دون أن يملك مهارات وميزات القائد.

فالشخصية القيادية الفعالة تحتاج لميزات ومهارات متعددة تشمل العديد من العناصر المركبة التي تلعب دورًا في تطوير وإتقان فنون القيادة؛ ومنها وضوح الرؤية، وتحديد الهدف، والصدق والأمانة، والاجتهاد والمثابرة، وخدمة الآخرين، والاستماع الفعال، والتواصل المؤثر، وأخذ زمام المبادرة واتخاذ القرار الصائب، والتشجيع، والإيجابية، وتحمل المسؤولية. ومطلب اكتساب مهارات القيادة من الأساس أو تطويرها وتحسينها يمكن اتقانه بتعلم مجموعة من المهارات والميزات القيادية الراقية ومنها:

1- الرؤية

المسؤولية الأولى للقائد هي تحديد الرؤية، فجوهر القيادة وجود رؤية واقعية وعملية تبين ما يريد تحقيقه مستقبلاً. الرؤية لا تركز على معدلات النمو أو الإيرادات وكم تم كسبه ولكنها تركز على المستقبل، وعلى تحديد ما يراد إنشاءه من أجل تحقيق كيان يقدم خدمة أو منتجًا ذا قيمة يكون مردوده الجيد بعيد المدى. فالرؤية لا تعني تحديد الأهداف قصيرة المدى ومحاولة تحقيقها ومعالجة مشكلاتها فور ظهورها لكنها تعني معرفة المسار ورؤية نقطة الوصول بما تمثله من نتائج مرجوة.

عادة ما يصف بيان الرؤية الأهداف طويلة المدى للمؤسسة أو كيان مشابه بعبارات سامية وطموحة ولا تحتوي على تفاصيل أو خطوات لتحقيق تلك الأهداف. فقد يكون بيان المهمة “كل عميل يتلقى خدمة متميزة”. بينما يكون بيان الرؤية “أن يصبح اسم الشركة مرادفًا لخدمة العملاء المتميزة حول العالم”. وبيان الرؤية يجب أن يكون مباشر، واضح وموجز كما هو في بيان رؤية ايكيا: “تتمثل رؤيتنا في خلق حياة يومية أفضل للعديد من الأشخاص”.

regionweek.com

ويشير بيان رؤية شركة مايكروسفت الى “مساعدة الأفراد والشركات في جميع أنحاء العالم على تحقيق إمكاناتهم الكاملة”. يوضح بيان الرؤية هذا أن الشركة تقدم منتجاتها التجارية والحاسوبية كأدوات يمكن للأفراد ومؤسسات الأعمال استخدامها لتطويرها. يحتوي بيان رؤية شركة مايكروسفت على النقاط الثلاث التالية:

1. المساعدة

2. الناس والشركات في جميع أنحاء العالم

3. الإمكانات الكاملة

يوضح بيان الرؤية هذا أن شركة مايكروسفت تقدم منتجاتها التجارية والحاسوبية كأدوات يمكن للأفراد ومؤسسات الأعمال استخدامها لتطويرها. فبيان الرؤية للشركة لم يتناول كيفية القيام بذلك، أو إلى متى سيتطلب ذلك – لقد حدد فقط ما يريدون القيام به.  بينما تشير مهمة شركة مايكروسفت الى “تمكين كل شخص وكل مؤسسة على هذا الكوكب لتحقيق المزيد”. يوضح بيان المهمة هذا أن العمل كله يتعلق بتمكين الأفراد والمؤسسات. يتم تحقيق هذا التمكين من خلال الاستفادة من منتجات الحوسبة للشركة. فمكونات بيان مهمة شركة تتكون من ثلاث نقاط:

1.  تمكين

2.  كل شخص وكل منظمة على هذا الكوكب

3.  تحقيق المزيد

ويجب أن يكون للقائد إيماناً راسخاً بالرؤية التي يتبناها وعليه أن يجعل تابعيه يتيقنون بها تيقناً تاما. فتحقيق الرؤية يحتاج الإيمان بها، وبدون هذا الإيمان لن يكون هناك اخلاص وتفاني وإبداع لتحقيق أهدافها. فمن الضرورة أن يرى من تشملهم هذه الرؤية الحاجة إليها ومنطقيتها ليكونوا قادرين على ربط عملهم وجهدهم بها. كما يجب أن يكون هناك توافق بين ما يقوم به القائد من أعمال ورؤية ومهمة المؤسسة التي يترأسها. الجمع بين بيانات الرؤية وبيانات المهمة رغم اختلاف عباراتهما يساعد على تحديد الأهداف.

2.  الهدف

تحديد الهدف من أسرار النجاح، إذ لا يمكن السير على غير هدى في طريق نجهل وجهتنا فيه. فهل نتصوَّر قائد طائرة يُقلِع ولا يدري الى أين هو ذاهب، وليس عنده خارطة تدله إلى المكان الذي يريد الوصول إليه أو الهدف من رحلته؟

 تحديد الهدف + اتخاذ الإجراء المناسب = النجاح

فالهدف هو النتيجة المرجوة التي نتصورها ونخطط لتحقيقها ونلتزم بأداء متطلباتها ونتفاعل معها. ويمك أن يكون الهدف كائن مادي أو كيان معنوي له قيمة جوهرية. وعلينا دائماَ أن نقرر ما نريد القيام به. بينت كثير من الدراسات أن النَّاجحين في تحقيقِ ما يصْبُون إليه يكون لديهم تعلُّقٌ بهدفٍ معيَّن، وأنه بمجرد تبيُّنِ الهدف واِتِّضاحه، فإن إمكانات المرء تتضاعف لتحقيقه ويزداد نشاطُه ويتيقَّظ عقلُه وتتحرَّك دوافعه وتتولَّد لديه الأفكارُ التي تخدُمُ غرضه.

فتحديد أهداف قصيرة المدى وطويلة المدى، مهما كانت متشعبة أمر لازم للقيادة حتى تتمكن من الوصول الى مبتغاها على المدى القصير والمدى البعيد.  من خلال تحديد أهداف مدروسة  ، والأخذ في الاعتبار رأي وافكار الفريق الذي سيعمل على انجاز الأهداف عند وضعها ، سيمكن القائد والفريق التابع له من تحقيق الرؤيا التي تبناها. فتحديد الهدف يُمكِن القادة من معرفة أولوياتهم وجعلهم قادرين على تقديم ملاحظاتهم بموضوعية لفريقهم.

عند تحديد الأهداف يلزم أن تكون هناك شفافية فالقائد الناجح لابد وأن يبتعد عن الأنانية التي تسبب له الفشل المحتوم ولن تمكنه من نيل ما يأمل تحقيقه على المدى الطويل ، وإذا ما حقق نجاحاً فسيكون هذا النجاح محدوداً بالرغم مما يتمتع به هذا القائد من ذكاء ودهاء. كما إن وضوح القائد ومشاركته لفريقه في تحديد وبيان الأهداف ستساعده من ناحية على تطوير مهاراته القيادية وجعله أكثر كفاءة وفعالية، ومن ناحية أخرى ستجعل منه قدوة حسنة لفريقه مما يساعدهم على تحقيق المزيد في أدوارهم ويكسبهم مهارات التخطيط والتطوير والنمو للعب ادوار قيادية أكثر فعالية.   3- التركيز

يواجه الأشخاص كثير من المعاناة لتحقيق أهدافهم، وقد يكون تحديد الأهداف ووضع استراتيجية لتحقيقها هو الخطوة الأكثر تحديًا في كثير من الأحيان. ولكن الأشخاص والمؤسسات الذين يتخذون نهجًا استباقيًا (استراتيجية) لتحديد أهدافهم ومتابعتها يكونون أكثر نجاحا.

وفقًا لدراسة أجراها الدكتور جيل ماثيو في جامعة الدومينيكان في كاليفورنيا، نجح 70 بالمائة من الأشخاص الذين اوضحوا أهدافهم وعملوا بشكل منتظم وفق استراتيجيات مرنة مقارنة بـ 35 بالمائة ممن أبقوا أهدافهم سرية. الأمر الذي يتطلب وجود استراتيجية شفافة يستخدمها القائد وفريق عمله بوضوح وفهم ودراية. كما يجب ملاحظة إن الاستراتيجيات ليست ثابتة وقد تتغير طوال الوقت مما يستلزم اجراء مراجعات جذرية لها والقيام بالخطوات التصحيحية المناسبة لها في الوقت المناسب.

التركيز ضرورة لإصابة جوهر الهدف، وهو شيء أساسي للنجاح، فالصياد لن يصطاد فريسته ولن ينال المريد مبتغاه ولن يبني قائد شخصيته دون تركيز. والتركيز هو ببساطة القيام بربط “ماذا ” و “كيف ” و “لماذا ” بكل نشاط نقوم به. وعكس التركيز ليس ضبابية الرؤية بل هو التشتت الذي تسببه الملهيات والمغريات الطارئة، والتي تشكل أكبر عائق أمام بناء كيانات شخصية أو مؤسساتية ناجحة تحقق رؤيتها.

فبسبب المحفزات الداخلية والخارجية لتتبع المغريات التي تصاحب الكثير من الخيارات نجد أنفسنا بين الحين والآخر على مفترق طرق قد تحرفنا عن وجهتنا الصحيحة.

فكيف يساعد القائد تابعيه على السير في الطريق الصحيح واتخاذ القرارات الصائبة في ظل هذا التشتت؟

الجواب هو بمساعدتهم على التركيز. يتحمل القائد مسؤولية جعل التابعين له يركزون على الخطوات المهمة لتحقيق الهدف ومساعدتهم في عدم الاهتمام المقلق بتوافه الأمور حتى لا يتشتت تركيزهم لأنهم بدون التركيز سينسون الرؤية وتتبدد جهودهم وينحرفون عن الطريق الذي تم تحديده لبلوغ الهدف.

يمكن تشبيه التركيز بالشمعة التي نحتاج ضوأها لنرى المكان الذي نحن فيه لكنها تحتاج إلى الكثير من العناية والحماية لإبقائها مشتعلة ومشرقة. سيستمر الشمع والفتيل تحت اللهب في التقلص. في النهاية سوف تحترق الشمعة، فمن الصعب إبقائها مضاءة اذا لم نقم بتجديدها.

التركيز هو ضوء الشمعة التي تضيء طريقنا ونحتاج تجديده باستمرار كي لا يخيم الظلام على قدراتنا الفكرية فنسهو ونغفو.  والتركيز لا يمكن أن يكون تاما بالكامل، فهو مصطلح نسبي. في علم البصريات، تعرف النقطة المحورية بأنها النقطة التي تتجه أشعة الضوء نحوها. لكن على الرغم من أن التركيز هو نقطة محددة من الناحية المفاهيمية، إلا أن نقطة التركيز الفعلية لها مدى مكاني، يسمى دائرة التمويه، وهي مكان للمناورة والمرونة. فالتركيز ليست مسألة مطلقة ولا بد أن تصاب بشيء من التشتت.

غالباً ما يشعر الناس بالراحة حين يكونون في المنطقة الآمنة اثناء ادائهم لأعمالهم ويتكون لديهم ميل للبقاء فيها، وبناء عليه يحاولون التكيف بناءً على الاستجابة المرضية لما يحتاج اليه ويطلبه الآخرون مما يبدد التركيز.

المرونة مطلوبة ولكن يجب ان تكون في اطار التركيز للوصول للهدف وتحقيق الرؤية. يمكن لجوهر الأداء أن يتقوى أو يتطور أو حتى يتحول بمرور الوقت، لكن لا ينبغي له أن يكون سائباً فيكون العمل مبعثراً، كيفما اتفق.  يتطلب بناء كيان له قيمته أن تجذب إليه كل الاهتمام والموارد التي يحتاجها ومنحه الوقت الكافي ليعطي نتيجة ذات مغزى. هذا لا يحتاج عبقرية، الا إنه يتطلب العزيمة والثقة والإيمان والقدرة غير العادية على الهدوء والثبات في عين العاصفة التي تظهر بين الحين والآخر.

وعلينا ان نفكر في التركيز كنقطة مركزية ، بل علينا أن نراه كجسر يربط ما بين بين الداخل والخارج على مسار خطي. ولكي يكون القائد ناجحاً خالدا، عليه تحمل مسئولية قيادة الأزمات للوصول الى الهدف المنشود بنجاح في خضم المعركة، وتحمل كل ما يحدث من خطأ، وجعل الفضل في حسن الأداء للمرؤوسين. هذه الاستراتيجية ستخلق علاقات إنسانية صحية لتكوين جو من الثقة بين القائد وبين تابعيه من ناحية وبين التابعين بعضهم ببعض من ناحية أخرى ، مما يساعد على الوصول للهدف وتحقيق الرؤية.

فمهما كانت الرؤية واضحة وعملية وذات مغزى والأهداف مدروسة، فالناس بشر، يصيبون ويخطئون ولا بد أن تكون هناك أشياء تحدث خارجة عن إرادتهم فينشغلون بها مما يؤدي إلى انشغال بالهم بها وتشتت فكرهم وعلى القائد اعادة البوصلة في الاتجاه الصحيح باستمرار من خلال مساعدة فريقه على التركيز.

4. الصدق والأمانة

الصدق والأمانة من أهم صفات القادة الخالدين الذين تكون سلطتهم اخلاقية. فإذا لم يرى الناس الصدق في افعال القادة ويعتقدوا بمصداقيتهم فلن يصدقوا كلامهم.

والمرء ليس بصادق في قوله *** حتى يؤيد قوله بفعاله

القادة الصادقون لا يستخدمون الغش، بل يتخذون موقف سلبي تجاهه ولا يؤيدون من يقوم به وهذا يبين اماناتهم، والناس تقدر امانة الآخرين بل يحتاجونها لأنها تؤمِنهم من الغدر والخيانة وبالتالي تحقق سلامتهم ومصالحهم وتغلق عنهم باب من ابواب الشر. يقوم القادة الصادقون بأداء عملهم بشكل أخلاقي مما يكسبهم ثقة عالية سواء عند زملائهم في العلاقات الشخصية أو أثناء العمل في مهام جماعية لخدمة المجتمع.

والمرءُ بالأخلاقِ يسمو ذكْرهُ *** وبها يُفضلُ في الورى ويوقرُ

فكون الشخص فعالاً وقادراً لا يكفي لجعله قائداً فلا بد أن يكون للقائد الناجح مجموعة من السمات المعتبرة، أهمها أن يكون حسناً أخلاقيا. فالأخلاق أساس صلاح الأفراد وصلاح الأفراد هو صلاح المجتمع والأمة. وتشمل الأخلاق مجموعة من القيم والمبادئ كالعدل، والمساواة، واحترام الكبير ومراعاة الصغير.

 إنمـا الأمـم الأخلاق مـا بقيـت *** فإن هم ذهبت أخلاقـهم ذهبــوا

فهناك عبر التاريخ الكثير من القادة الفعالين الذين لا حصر لهم ، ولكنهم لم يكونوا من النوع البناء ودائماً ما يذكر في هذا الشأن أدولف هتلر كقائد سيء الصيت وفاشل بل يُعتبر من النوع المدمر رغم العديد من الميزات القيادية التي ملكها. نظر بعض المؤرخين لهتلر بأنه شخصية فريدة في التاريخ الألماني، حاولت تحسين الظروف السياسية والاقتصادية للشعب الألماني في فترة حكمه. وعلى الطرف الآخر، يعتبر مؤرخون آخرون أن هتلر واحد من أكثر الشخصيات دموية في التاريخ الحديث؛ حيث تسببت سياساته في قتل ملايين البشر، خلال الحرب العالمية الثانية.

إِذا أنتَ حملْتَ الخؤونَ أمانةً *** فإِنكَ قد أسندْتها شَرَّ مسندِ

glenn-group.co.uk

5. الاجتهاد والمثابرة

من صفات القائد الطبيعية بذل قصارى جهده دون كلل، وبذلك يصبح مثالاً يقتدي به الآخرون ويتبعونه. فللعمل الجاد تأثيره الايجابي في الآخرين. القائد لا يقف مكتوف الأيدي امام العوائق ولكنه يجتهد ويثابر. سريع الحركة، كثير النشاط. حماسته وقدرة تحمله بلا حدود.

اعزم وكد فإن مضيت فلا تقف *** وأصبر وثابر فالنجاح محقق

ليس الموفق من تواتيه المنة *** لكن من رُزِق الثبات موفق

والمِنَّةُ هي العطية (الإحسانُ والإِنعام) أي إن الإنسان الموفق هو من يجتهد ويثابر لتحقيق هدفه ونيل مبتغاه وليس ذلك التي ينال شيء بالصدفة.

القادة الذين يعملون بجد وعندهم شغفًا حقيقيًا ظاهراً بموضوعهم يعكسون قدرتهم القيادية ويكونون مصدر إلهام للآخرين للاعتقاد بأنه يمكنهم أيضًا بل ويجب عليهم السعي لتحقيق التميز مثل اقرانهم. وهكذا يُلهم القادة المجتهدون زملائهم وتابعيهم ويدفعونهم للقيام بالمزيد من العمل.

في الروح إصرار وفي أعماقنا أمل *** لا يعتري خطواتنا يأس ولا سأم

وإذا الحياة مصاعب سنخوضها جلدا *** وإذا الجبال طريقها فطموحنا القمم

6. قوة الشكيمة

لا بد للقائد أن يكون قوي الشكيمة.  الشَّكِيمَةُ في اللغة تعني “قوة القلب”. القائد يؤلمه الجرح ولكنه يتسامى فوق الألم بالأمل.  وُلِدَ لاحد العائلات طفلاً ضعيفا ومريضا جدا. كان يعاني من الربو، وضعف البصر، والنحافة الشديدة، وكان والديه قلقين على مستقبله. عندما بلغ هذا الطفل الثانية عشرة من عمره، قال له والده: “لديك العقل، ولكن ليس لديك الجسم، وبدون مساعدة الجسم، لا يمكن للعقل أن يؤدي مهامه. يجب أن تبني جسمك. كان الطفل الصبي قوي الشكيمة، استوعب معنى كلام والده وطبقه حرفياً.

 إن الأسود أسود الغاب همتها … يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها … تنال إلا على جسر من التعب

 بدأ الصبي يقضي اوقات كل يوم من ايامه في بناء جسمه وعقله، وقد فعل ذلك لبقية حياته. بحلول الوقت الذي تخرج فيه الصبي من جامعة هارفارد، كان مستعدًا للتعامل مع قضايا العالم وقادراً على الولوج في معترك الحياة بقوة وصلابة. هذا الصبي اصبح فيما بعد قائداً عظيماً. لكنه لم ينل هذه الصفة بين عشية وضحاها. كان طريقه إليها طويل والنمو فيها بطيء لكنه كان مستمراً لم يتوقف، وكانت قراءة كتاب هو آخر شيء فعله في حياته.

خلال تدرجه في المناصب المختلفة بدأً من مسئوليات بسيطة، استمر هذا القائد في التعلم والنمو، استمر في تطوير نفسه. وفي الوقت المناسب أصبح قائداً يشار اليه بالبنان، وحصل على جائزة من جوائز نوبل. الغاية من هذه القصة، إن القائد يحتاج أن يبذل الجهد المناسب ليبني قوته الجسمانية والعقلية، وإن هذا الأمر ممكن تحقيقه مع وجود عاملين اساسيين وهما التشجيع والإرادة.

وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً *** تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ 

وهذه نقطة مهمة يجب الالتفات اليها وعدم اغفالها {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}. وعادة ما يستقوي الناس على الضعيف {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي}.

7. التواصل

يحتاج أي واحد منا للتأثير على شخص ما في وقت ما. لكن السؤال هو ليس التأثير بحد ذاته، بل بالأحرى كيف نؤثر في ذلك الشخص؟ والجواب هو أخذ زمام المبادرة وتوظيف التواصل الفعال. فالقيادة تتطلب أخذ زمام المبادرة وفعل الأشياء الصحيحة بالطرق الصحيحة وفي الأوقات المناسبة.

العزم في غير وقت العزم مَعْجَزةٌ *** والازدياد بغير العقل نقصانُ 

يتم تعريف الاتصال الفعال على أنه الكلام اللفظي أو غيره من طرق نقل المعلومات التي تعبر عن نقطة معينة. فمن اساليب وطرق التواصل الفعال، التحدث بعبارات واضحة وبسيطة تجعل تجعل الآخرين يستمعون الينا ويفهمون وجهة نظرنا. وتمثل القدرة على التواصل مع الناس بشأن الشيء الذي يريدونه تسعون بالمائة من مقومات القيادة.

shrm.org

فالاتصال بالآخرين يحتاج الى مركبة تناسب السير على الطريق الذي يوصل الى محطة الوصول. فمن الطبيعي انه لا يمكننا استخدام سيارة فارهة معدة لشوارع ممهدة للسير في طرق وعرة. وكذلك فأن استخدام سيارة معدة للسير في طرق وعرة على طرق ممهدة لن يكون مريحاً وربما يؤدي الى حدوث تلف في الطريق. فالحكمة تقتضي حمل الأمر على حقيقة مقصده، حتى لا تختل الموازين.

 ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلا *** مُضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى 

وعلى القادة تفادي الوقوع في فخ الافتراض – في ظل الفكرة الخاطئة بأنهم يقودون “الموارد البشرية” بدلاً من البشر، فالناس في نهاية المطاف لن يثقوا بقادتهم ويتبعونهم ببساطة فقط لأنهم مؤهلون بدرجة عالية. سأل نبي اللَّه موسى عليه السلام ربه سبحانه وتعالى أن يشرح صدره ويحلل عقدة لسانه ليستطيع التواصل مع الآخرين بطريقة مؤثرة. ففي الآية المباركة ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ مضامين مهمة لحاجة القائد إلى التوفيق إلى بعض المطالب والمقاصد التي تكون له عوناً كالإيمان والحكمة، حتى يتحمّل الصعوبات بكل أنواعها الكلامي والفعلي؛ وتهوّن عليه الشدائد.

8. الاستماع

حسن الاستماع من سمات القادة أصحاب التواصل الفعال المهمة وهي تميز الشخص ذو الروح القيادية عن اولئك الذين يكون استماعهم ظاهري بدون اصغاء. بعض الناس يستمعون بطريق فعالة ويستفيدون مما يقال بينما يكون استماع البعض الآخر مشتت وغير فعال.

certusrecruitment.com

القياديون يستمعون إلى أفكار ومخاوف الآخرين في مجموعاتهم، اما غير القادة فلا يكون لديهم اهتمام بمخاوف ومشاكل الناس وكما يقال: “أذن القائد تطن بأصوات الناس” ، بمعنى إن القادة يهتمون بأمور وشئون الآخرين ، بينما الناس العاديين قد لا يهمهم هذا الأمر ولربما عمدوا للشوشرة والتشويش على الآخرين.

وفي المقابل يكون القادة أكثر تقبلاً لتعليقات الآخرين ومستعدون لتقديم تنازلات من أجل مشروعهم الذين يسعون لإنجازه. وقد أثبت علماء النفس الاجتماعي أن الاستماع الجيد إلى الآخرين يزيد من أواصر المحبة والتقارب الروحي والعاطفي بين الناس. ففي كثير من الأحيان، لا يحتاج الناس لمتكلم متألق بليغ مثل حاجتهم الى من يتكلم لهم بإخلاص.

9. التشجيع

التحفيز أو التشجيع يبني العقول المستنيرة وينعش النفسية ويجددها ويعالج ما بها من إحباط ويجنب التوتر والخوف من الفشل ويقي من الفتور ويفتح آفاق الإبداع والتميز. جاء في معجم المعاني الجامع، شَجَّعَ البَطَلَ: حَمَلَهُ عَلَى الشَّجَاعَةِ وقَوَّى عَزِيمَتَهُ، وشَجَّعَ الوَلَدَ: قَوَّى قَلْبَهُ؛ وشَجَّعَهُ عَلَى العَمَلِ: حَثَّهُ وَبَعَثَ فِي نَفْسِهِ الرَّغْبَةَ فِي العَمَلِ.

والتشجيع ربما يكن مادياً بالمال والعطايا والهدايا أو معنوياً بكلمة أو ايمائه تؤثر بشكل إيجابي على أداء الفرد واستجاباته في نطاق بيئته وتحفيزه لبذل مجهودات ذات قيمة بقصد تحقيق الهدف.

وطرق التشجيع عديدة أولها الابتسامة. في بعض الأحيان، قد تكون الابتسامة في الوقت المناسب هي كل ما تحتاجه لمنح شخص ما القليل من التشجيع الذي يكون في أمس الحاجة إليه. ويقصد بالابتسامة هنا الابتسامة الصادقة المشجعة وليس الابتسامة الصفراء. طبيب الأمراض العصبية الفرنسي، دوشين، اكتشف علمياً أن المرء حينما يبتسم بعفوية تتحرك عضلات وجهه في منطقتين؛ حول فمه وعينيه، في حين وجد أن تصنّع الابتسامة يحرك فقط المنطقة المحيطة بالفم الا انها رغم تصنعها تبقى مفيدة لأن الابتسامة ببساطة تعزز صحة القلب وتخفف من وتيرة نبضاته أثناء الضغوطات الحياتية. وبقدر ما تريح الابتسامة صاحبها، تولد شعوراً مريحاً لدى من يستقبلها وتكون مصدراً لتشجيعه.

wearesmile

كما إن بضع كلمات تشجيعية سيكون لها دور السحر في بناء علاقة معه مبنية على الثقة وبالتالي التمكن من معرفة المشكلة وتفهم المشاعر وتشجيعه في التغلب عليها. تشجيع الناس بحماس ومشاركتهم أفكارنا الإيجابية عنهم بمجرد أن تخطر ببالنا لها أثر بالغ في كسب محبتهم وولائهم لقيمنا.

في دورات الإدارة وفي كتب التربية يرددون النصيحة: “أمسك بهم وهم يفعلون شيئًا صحيحًا واجعلهم يعرفون أنك لاحظت ذلك”. فالعمل بهذه النصيحة فعال للغاية لأنه يُظهر للشخص أنك لاحظت أنه يبذل الجهد، مما يشعره بتقدير إيجابي لذاته. فمدح الجهد والإنجاز في الاتجاه الصحيح مهما كان صغيرا من أفضل الطرق لتشجيع شخص ما على الاستمرار في اجتهاده.

وكلما كنت أكثر وضوحاً في تحديد العمل الذي قام به واعطيته تفاصيل عن كيفية تأثيره الإيجابي عليك وسبب انبهارك به زاد تأثيرك فيه، وبالتالي تشجيعه على عمل المزيد وزيادة مساهمته في تحقيق الهدف. ومن المهم ايضاً رفع الروح المعنوية عن طريق الثناء الصادق على الشخص الذي تحاول تشجيعه أمام الآخرين، فلريما بعث تشجيعك له الحصول على تشجيع منهم ايضاً.

 إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ              رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَـالِ            يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ          وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر” 

10. الإيجابية

الإيجابية تولد التفاؤل، والتفاؤل يغرس الأمل في النفوس ويعطي الأنسان طاقة معنوية تجعله اكثر ايماناً بقدراته وتمكنه من غرس الثقة في نفوس الآخرين ليكونوا أكثر عطاء وإنتاجية.  كما أن الإيجابية تعطي القادة قوة جاذبة لمريديهم وتابعيهم وتخلق عندهم الرغبة لصحبتهم والعمل معهم، فالإيجابية مفتاح مهم من مفاتيح التفوق. وبشكل عام فإن الشخص الإيجابي يرى الأمور بطريقة أفضل وهذا السلوك يشيع جو من التفاؤل.

 أعللُ النفس بالآمال أرقبها *** ما أضيق العيش لولا فُسحة الأمل 

الموقف الإيجابي يؤدي إلى التفاؤل، والتفاؤل يؤدي إلى النجاح. ذلك لأن الأشخاص الإيجابيون يتمتعون بقدر أكبر من الطاقة والأمل ويكونون أكثر ثقة بأنفسهم مما يمكنهم من رؤية حلول متعددة للمشكلات المختلفة واتخاذ قرارات أفضل بشأنها، وبالتالي خلق المزيد من فرص النجاح وتسهيل المهمات. اما الموقف السلبي فيكبح زمام المبادرة ويعيق تحقيق الهدف. ولهذا السبب يكون سقف طموح الإيجابيين عالية، وبالتالي يقومون ببدل المزيد من الجهد من أجل الوصول إليها.

إِن للآمال في أنفسِنا *** لذة تنعشُ منها ما ذَبل

لذة يحلو بها الصبر على *** غَمَرات العيشِ والخَطب الجلل

thevillagefamily.org

يركز المتفائلون على الأشياء الجيدة في حياتهم، ويجدون الفرح في الأشياء البسيطة، ويدركون أن في الحياة كثير من الأشياء التي لا يمكن التحكم فيها بشكل مباشر، الا إنه يمكنهم التحكم فيما يختارون ويركزون عليه. وهكذا يمكن للأشخاص ذوي المواقف الإيجابية أن يظلوا متفائلين ويرون الأفضل حتى في المواقف الصعبة. والقادة العظماء يدركون أهمية هذه الحالة النفسية ويعملون بها ليتغلبوا على الظروف الصعبة التي لابد وأن يمروا فيها ويواجهوا صعوباتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *