“صوت صدى” من أيام الصبا – علي الجشي

باب الشمال “صوت صدى” من أيام الصبا ينادي ويسترجع الذكريات: باب الشمال ديرة تتوسط القطيف ، عزيزة على القلب ، كلما إبتعدت عنها تناديك ، فيتقرب اليها الفؤاد ، فهذا يسأل وذاك يجيب:

باب الشمال

ما بها؟

حارة طيبة

كيف؟

سكنت بها وعشت فيها ودرجت في أزقتها فهي مرتع صباي وفيها إشتد عودي.

هل تحبها؟

أحن إليها. لم أمر فيها عابر سبيل، بل إبن مقيم. كثيرة هي الأماكن التي ننزل فيها وأكثر منها التي نمر بها، ولكن مقر النشأة، ومرتع الصبا، يبني نفسياتنا ويحرك سلوكنا ويوقد جذوة حضورنا ويوجه تصرفاتنا ويحفز عطائنا. ارتباط الإنسان بالمكان واستمرار حنينه إليه طبع فطري في بني البشر. تذكرني بقول أبي تمام:

 “كم منزل في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه أبداً لأول منزل”

ولكن ما الذي يعجبك فيها؟

طيبة أهلها.

كيف؟

ما رافق الطيب شيء إلاّ زانه.

وماذا ايضاً؟

بساطتهم.

من أي ناحية؟

يتعاملون مع الأمور بيسر وبساطة ونية طيبة فتسهل عندهم الصعاب. “إن مع العسر يسرى”. صدق الله العظيم.

ولكن كيف يتغلبون على صعوباتهم؟

بالقناعة.

هل كانوا فقراء؟

لا. الفقير الذي لا يملك قوت يومه أو ذاك الذي لا يقوى على كسب قوت سنته.

ليسوا أثرياء؟

كانوا مستورين.

يعيشون على الكفاف؟

يجدون ما يقيم معيشتهم ويستمتعون بحياتهم.

من كان يقطن فيها؟

عائلات من مختلف نواحي القطيف.

وماذا جمعهم؟

الحاجة الى السكن والعمل.

ماذا كانوا يشتغلون؟

سكانها الأصليون صيادين – صيادين أسماك – كما كان فيها فلاحين يعملون في البساتين القريبة.

عبد الرسول الغريافي (علوم القطيف)

وهل كان فيها بساتين؟

كانت فيها بعض البساتين ، كما كانت هناك بساتين كثيرة متاخمة لها ، وتوجد في بعض احواش بيوتاتها نخيل وأشجار.

وماذا عن الوافدين اليها؟

يعملون في شتى المهن.

مثل ماذا؟

قراءة الفال, تجارة الخضار, المواصلات, بيع الأسماك, تربية الأبقار, تربية الدواجن, الاسكافة, الخياطة, تجارة الخردة, بيع التجزئة, الحمالة, الطب الشعبي, الخبازة, الصفارة, الحدادة, اصلاح الأجهزة.

ما شاء الله، مهن وحرف كثيرة!

نعم. كانوا يطرقون ابواب الرزق اينما وكيفما كان.

أشداء!

كانوا لا يُسلِمون للعوائق مصيرهم ولا يمدون يدهم للعطية. – سلسلة متواصلة من الكفاح لكسب المعيشة ومكابدة حياة فيها من المشاق مالا ينظر بعين الرأفة إلى أحد فلم يكن هناك ما يخفف من اعبائها فلا ضمان اجتماعي يكفل, ولا جمعية خيرية تساند , ولا صندوق عقاري يساعد في بناء مسكن – كانت هناك معادلة واحدة: إعمل كي تكسب قوتك وتبني دارك وتربي اطفالك والا فشيصة التمر الغذاء والصندقة أو العشة المسكن والتخلف الحصاد.

وكيف كانوا ينظمون حياتهم؟

بالعلاقة الطيبة.

كيف؟

بالاحترام والتقدير والستر والفزعة والمساعدة والمساندة والتواصل. علاقة المجتمع السوية تبدأ بحسن الجوار.

كيف كانوا يتواصلون؟

بإفشاء السلام ولقاء بعضهم البعض بالبشر والبدئ بالتحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزجر المعتدي ومؤازرة المخذول والتخفيف عن المصاب ومواساة المنكوب وحل الخلافات وإشاعة الفرحة والرأفة والرحمة فيما بينهم.

وأين كانوا يلتقون؟

في المجالس والحسينيات.

ما هي؟

مجلس “سليس” وحسينية بن عصفور وحسينية جويريد.

والنساء؟

في مجالسهم الكثيرة؟

مجالس حسينية؟

نعم.

والصبيان؟

يتجمعون في الطرقات والساحات ويشكلون فرق الحواري ويذهبون سوية للتجول بين البساتين والسباحة في العيون الغزيرة ويفزعون لبعضهم للدفاع عن انفسهم وليس لغريب غير معروف مكان في ديرتهم.

أي العيون يذهبون إليها؟

الخباقة وحمام أبو لوزة والقصاري والرواسية وهذه العيون لم تكن واقعة ضمن سيطرة قرى معينة وبالتالي يسهل الوصول اليها دون مشاكل.

اسماعيل هجلس (علوم القطيف)

وماذا عن العيون الأخرى؟

المربعة والقصير قريبتان من التوبي وتحدث مع صبيانها بعض المناوشات, مع صغار السن بالتحديد ولكن كان ذلك بشكل محدود جداً فلم يكن عائقاً.

وماذا عن اللبانية؟

يذهب اليها الكبار لأنها بعيدة نسبياً.

لم تذكر الخناق والخرارة؟

الخناق مجرى ماء معتدل التدفق دائم الجريان اشبه بنهر صغير يتمكن الصبية الصغار من السباحة واللعب فيه, فهم يقضون وقتهم فيه للترفيه.

والخرارة؟

الخرارة غدير ماء جميل. بركة طبيعية من المياه تحيط بها الخضرة والبساتين من كل جانب. وهي تقع في منتصف الطريق بين الخناق وحمام أبو لوزة ، كما يتفرع منها طريق يأخذك الى عين القصاري وعين المربعة وعين القصير. طريق جميل ساحر. اذا سرت فيه, لا ترغب للمشي أن ينتهي. كما يوجد في “الخرارة” مسجدان متجاوران. أحدهما مسقوف والآخر غير مسقوف.

لماذا؟

ربما المسقوف للشتاء والذي بدون سقف للصيف فلم تكن هناك مكيفات ولا مراوح في ذلك الوقت.

هل كانت أبوابها تقفل؟

لم يكن لهذه المساجد أبواب حتى تقفل وحتى المساجد التي كانت لها أبواب لم تكن تقفل وهذا ما كان عليه الحال في جميع نواحي القطيف. بل حتى بعض البيوت لم تكن تقفل (أبوابها). (وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) صدق الله العظيم.

والمساجد في باب الشمال؟

يوجد بها ثلاثة مساجد. أكبرها مسجد الشيخ علي بن يعقوب وهو مسجد كبير جداً وربما كان من اكبر مساجد القطيف في ذلك الوقت ويقع في طرف الحي الشمالي ويتميز بأرضيته المرتفعة بشكل ملحوظ ومسجدان آخران, احدهما في الوسط والآخر في الطرف الغربي ومساحته كبيرة بالنسبة لذلك الوقت. كما أن إرتفاع ارضية هذين المسجدين ملاحظ ايضا.

لماذا يا ترى؟

ربما للطهارة وضمان النظافة.

ولماذا سمي مسجد شيخ علي بن يعقوب بهذا الاسم؟

طالما سألت نفسي عن سبب هذه التسمية ومن هو شيخ علي بن يعقوب لكني لم أسأل أحد ولم ابحث عن الجواب. سؤال يحتاج إلى إجابة. كما تعلم القطيف كانت تعج بالعلماء وكانت تسمى بالنجف الصغرى ولا بد إنه كان أحد هؤلاء العلماء الأتقياء. تسمية المسجد بإسمه وبقاء هذا المسمى دون تغيير على مر العصور يُنبئ بأن لهذا الشيخ مكانة كبيرة. رحمه الله رحمة الأبرار وحشره مع محمد وآله الأخيار.

وماذا عن النوادي الرياضية؟

احتضنت باب الشمال نوادي القطيف الرياضية منذ وقت مبكر.

البدر والشاطئ؟

نعم وقبلهما النور وبور سعيد والتآلف. هذه اسماء قديمة للبدر والشاطئ اللذان اندمجا ليُكونا نادي الترجي. وقبل ذلك إندمج نادي الخط في نادي البدر.

وماذا كان تأثير الأندية الرياضية؟

قوي جداً.

كيف؟

كانا المكانين الرئيسين لتجمع ولقاء اليافعين والشباب والكبار. كان مقر الناديين مركزين ترفيهيين بامتياز.

هل كانت تقام فيهما حفلات؟

نعم. أقيمت في نادي البدر حفلة للمثل المشهور عبد العزيز الهزاع والمشهور ب “أم حديجان”.

موقع جهينة الإخبارية

وما هي العائلات التي كانت تقطن باب الشمال؟

اكبر عائلتين كانتا تسكن باب الشمال هما آل أبو عزيز, والصفار. وأظنهما من أقدم العائلات التي اقامت في باب الشمال ذلك لأنهما تتكونان من مجموعة أسر ممتدة, اما باقي العائلات فتتكون من أسر (نووية) وربما امتد بعضها ليشمل تجمع أخوة.

ومن هي هذه العوائل الأخرى؟

كثيرة ربما لا استطيع حصرها.

أذكر ما تيسر؟

ابو شومي, السليس, المختار, الشماع, العبكري, الجشي, السيد شبر, الخباز, آل فاضل, شلفاح, امان, العبد الوهاب, العصفور, السادة المروحن (السماك), الخنيزي, الفخر, القطري، السنان، الخميس، الخباز، طلاق، الشاقر، الصمصام, العسيف, الزاير, الهنقامة, الجامد, السادة, الزبيل, القفاص, السكيري, القرعان, الشاخوري, المحروس, جويريد, الرمضان, المياد, السويعي, المسعود, الزهيري, الشمالي, البيات, البيش, نصر الله, العيد, آل عبيد, المحسن, آل نور, العوامي, المرهون, البلال, العطل, آل جلود، والبعض الآخر ممن لم يحضرني اسمه.

ما شاء الله, خليط من الأسر!

نعم. ولكن تفاعلهم مع المجتمع لم يكن على مستوى واحد. البعض كان مندمجاً تماماً والبعض كان منكفأً على نفسه ، وما تبقى تفاعله بين بين.

هل هناك من خصوصيات تميز “باب الشمال”؟

كان فيها نعيم وشقاء, متعة وألم , إعياء وشفاء , عطاء وحرمان , لذة ومرارة , تعب وراحة – حَوت كل المتناقضات لكنها حافظت على شيء واحد دون نقيض , حافظت على الحب – ذلك لأن معظم أهلها بل كلهم دون تخصيص أو تعميم لم يملكوا من المال ما يخزنونه ولم يرثوا من الأطيان ما يتنازعون عليه أو يقطعون من أجله صلة ذوي القربى ولم يكن لهم مطلب في جاه يرجون به منازل رفيعة ولا رقي الى منصب يسعون إليه الا ما قل منهم وندر.

الفنان منير الحجي

والنتيجة؟

باب الشمال بوتقة انصهرت فيها مزيج من الثقافات والطباع لِتكون فسيفساء من التراث القطيفي الأصيل ولترسم ملامح لجزء من الشخصية القطيفية بما فيهم من صعلكة ونقاء ووفاء وصدق وواقعية، وهذه الثقافة التي قد يسميها البعض ثقافة شوارع تكمن فيها من القوة ما يصقل شخصية المرء على مر الزمان. فارتباط الإنسان بالمكان يقوى عندما يستمتع بإقامته فيه ويمر عبره بمراحل مفصلية تحدد مسار حياته ويتعلم منه شيئا يحتفظ به لذاته وتبقى له منه ذكريات بغض النظر عن شقاوتها وتعاستها أو جمالها وحلاوتها, فلا شيء يأتي من فراغ وكذا بناء شخصية الإنسان.

تعليق واحد

  1. Avatar
    احمد الرهين ابوناصر

    ماشاء الله ابو حسن. مقال ممتع وطريقة عرض جديده تحثك على متابعة القرائه.وفقك الله لكل خير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *