الأعشاب الطبية .. هل هي آمنة وفعالة كبديل للدواء؟ – الدكتور غسان علي بوخمسين*

يسود الاعتقاد بين معظم الناس أن الاعشاب الطبية والمكملات الغذائية ينبغي استخدامها في الوقاية والعلاج من الأمراض والحفاظ على الصحة، كونها تعتبر بديلاً فعالاً وأكثر أماناً من الأدوية الكيميائية المصنعة في المختبرات. ولأنها أتت من مصدر طبيعي واستخدمها البشر منذ الاف السنين في الوقاية والعلاج من المرض، فهي تحظى بقبول واسع في كل انحاء العالم. ومازال معظم البشر خصوصاً في الدول النامية والفقيرة يستعملونها لرخص ثمنها، إما لوحدها أو إلى جانب الأدوية الحديثة.


لكن الأطباء والصيادلة يردون على هذا الاعتقاد، بأنه لا توجد أدلة علمية كافية تدعم الدعوى المطروحة بفعالية وسلامة الأعشاب لاستخدامها في الوقاية والعلاج؛ لأنها تفتقر الى الدراسات الاكلينيكية التي تثبت هذه الدعاوى.

هذا المقال يحاول الإجابة على السؤال الصعب التالي: لماذا لاتوجد دراسات اكلينيكية كافية لإثبات فعالية وسلامة الأعشاب الطبية في العلاج؟

تعتبر ممارسة طب الأعشاب من أقدم الممارسات الطبية، فقد عرفها البشر منذ فجر التاريخ ، وأضحت هذه الممارسة طباً متكاملاً بحكم التراكم المعرفي والتجارب الشخصية المتوارثة للمعالجين بالأعشاب. لكن في عصرنا الحديث القائم على المنهج العلمي في كشف الحقيقة ، لا يمكننا القبول بمجرد دعاوى ورثناها عن الأسلاف عن فعالية عشبة ما في علاج مرض ما، بل لابد التأكد من تلك الدعاوى عن طريق العلم وذلك بإجراء دراسات إكلينيكية.
أعلنت منظمة الصحة العالمية قبل أيام عن نيتها إجراء دراسة إكلينيكية على بعض الأعشاب لعلاج مرض كوفيد١٩، التي يدعي المعالجين العشبيين أنها تعالج من المرض، وتهدف الدراسة للتحقق من هذه الدعوى، ونحن بانتظار ما ستكشف عنه هذه الدراسة.
من الملاحظ ندرة الدراسات الإكلينيكية على الأعشاب الطبية وهذا يطرح التساؤلات عن الأسباب، ترجع هذه الندرة لعدة عوامل منها:

١/ العامل الاقتصادي

الأعشاب الطبية من نتاج الطبيعة ومتوفرة للجميع وليست مصنّعة ، لذلك فهي تفتقر لبراءة الاختراع او ما يسمى (patent) بحيث تملك شركة محددة حقوق حصرية في الانتاج لمدة معينة، يضمن لها تحقيق أرباح وتغطية تكاليف التطوير والأبحاث، فغياب مثل هذا النوع من الملكية يحرم الشركات من احتكار المنتج، ما يجعل الشركات غير راغبة في اجراء الدراسات الاكلينيكية كونها مكلفة جداً، حيث يصل تكلفة الدراسات الاكلينيكية الموسعة لعشرات ملايين الدولارات ، وهذا يجعل حتى المراكز البحثية الرسمية غير قادرة على القيام بهذه الدراسات المكلفة والمعقدة ولغياب التمويل والدعم الكافي لها.

٢/ العامل المتعلق بالأعشاب الطبية

لأن الأعشاب الطبية والأغذية منتجات طبيعية ، فهي محكومة بعوامل الطبيعة المتفاوتة والمختلفة، فلا يوجد تقييس أو نظام معياري دولي دقيق يضبط الأعشاب الطبية خلاف الأدوية الكيميائية المضبوطة والمعايرة جيداً بدساتير ومقاييس متعارف عليها دولياً.


الأعشاب عادة تحوي مواد كيميائية متعددة قد يتضارب مفعولها ويتداخل مما يصعّب تحديد المادة الفعالة للأثر المعين، وحتى في حالة فصل المادة الفعالة المطلوبة، قد يختلف تركيزها بين العشبة الواحدة، لاختلاف الفصائل او المنطقة الجغرافية أو وقت الحصاد او طريقة استخلاص المادة الفعالة او طرق التخزين وغيرها من العوامل المؤثرة في جودة وفعالية المادة الفعالة في العشبة.

٣/ العامل المتعلق بتصميم الدراسات الاكلينيكية

يتطلب الأمر قبل إجراء الدراسات الإكلينيكية إجراء دراسات أولية في المختبرات على الحيوانات لمعرفة الكثير عن المادة الفعالة مثل الجرعة الفعالة والسامة والتعارضات الدوائية بين المواد الفعالية والأعراض الجانبية الرئيسية ، وغيرها من المعلومات الواجب توافرها قبل اجراء الدراسات الاكلينيكية، وهذا غير متوفر في الأعشاب مما يزيد صعوبة العملية.
يوجد عامل مهم قد يحول دون نجاح الدراسات الاكلينيكية في الأعشاب ، وهو الاعتقاد القائم وراء المعالجة بالأعشاب بين كثير من المستهلكين للمنتجات الشعبية، حيث يّتبع المعالجون (منهج الجسد والعقل) باعتبارهما شيئًا واحداً ومترابطاً تماماً، وهذا يستلزم الايمان والاعتقاد بالمعالِج وما يقدمه من علاجات. وهذا ليس المشكلة في حد ذاته، ولكنه مخالف لجوهر الدراسات الاكلينيكية في عدم التحيز والعامل النفسي المؤثر على النتائج ، مما يعيق التوصل إلى أن المادة الفلانية هي سبب التأثير الفلاني بمعزل عن العوامل المؤثرة الأخرى. إذ أن الدراسات الإكلينيكية قائمة على مبدأ علمي واضح، وهو عامل استبعاد التحيز او المصادفة او العامل النفسي، لذلك تتميز الدراسات الإكلينيكية العشوائية المعمّاة المضبوطة (RCT) بأنها أقوى أنواع الدراسات الاكلينيكية واكثرها أثراً ومصداقية، كونها تتغلب على عوامل المصادفة والتحيز، لكنها تعاني من التعقيد والصعوبة والتكلفة العالية والوقت الطويل.


٤/ العامل المتعلق بسوق الأعشاب الطبية

يعاني سوق الأعشاب الطبية حالةً من الفوضى وضعف التنظيم، فكل ما يحتاجه مسوّق الأعشاب هو تسجيل منتجه لدى الجهات المختصة دون أن يُطلب منه توفير بيانات السلامة والفاعلية التفصيلية، بل يُكتفى بالحد الأدنى منها مثل شروط التصنيع الجيد ، بينما الحال في الأدوية يتوجّب على المنتج للدواء توفير المعلومات بتفاصيلها لدى التسجيل عند السلطات الصحية. فاذا كان الحال كذلك من السهولة والبساطة، فلماذا يتجشّم منتج الأعشاب إجراء الدراسات الإكلينيكية الصعبة والمكلفة.
لا يمكن إغفال جهود السلطات الصحية مؤخراً، في ضبط سوق الأعشاب الطبية والمكملات الغذائية، لكن كمية العمل المطلوب كبيرة جداً نظراً لحجم وتنوع المنتجات.

خلاصة القول، ممارسة العلاج بالأعشاب ممارسة قديمة وعريقة ويستعملها مليارات البشر حول العالم، ولكن لا يمكننا الإتكاء على ما وصلنا من معلومات وخبرات سابقة من الماضي واعتبار الأعشاب البديل الفعال والآمن للأدوية المصنعة ، بدون إجراء الدراسات الاكلينيكية المطلوبة عليها.
توجد بعض الجهود الجادة في دول مختلفة مثل الهند والبرازيل وغيرها لاستكشاف الفائدة العلاجية في الأعشاب ، لكنها كما أسلفنا عملية مكلفة وبطيئة ومعقدة، فحتى ذلك الوقت لا ينبغي الانجرار وراء الدعاوى العلاجية غير المثبتة التي يطلقها مسوّقوا الأعشاب الطبية دون وجود دليل علمي يدعمها.

*الدكتور غسان علي بوخمسين ، صيدلاني أول ، مستشفى جونز هوبكنز.

مصادر الصور:

  1. https://www.truerelaxations.com/benefits-herbs/
  2. https://www.motherearthliving.com/healthy-home/natural-cleaning/15-uses-for-mint-zmhz13mazmel
  3. https://www.discoverimages.com/latest/20191004-jai-5/spices-herbs-sale-amman-market-amman-jordan-19486371.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.