شغف والتزام عباس محمود العقاد بالقراءة – علي الجشي

بالأمس استمعت الى مقابلة مع عباس محمود العقاد – كانت مقابلة جميلة رائعة – عرفتني بالكثير عن هذا العبقري الذي كانت شخصيته لي جاذبة مرعبة – كنت قد كونت عنه من اسمه “العقدة” وكان عليّ أن أراجع عبقرياته المقررة علينا مواضيعها في المرحلة الثانوية – عرفت أن إسم العقاد مأخوذ من أسم مهنة ، فالعقاد هو المشتغل في حياكة الحرير وهو ما كان يمتهن جده الأكبر.

كانت لي رغبة خفية بمعرفة المزيد عن العقاد – لم يكن الحديث عن شخصيته وتاريخه متداولا كثيراً في حديث الناس وفي متناول الجميع كما كان الحال بالنسبة لطه حسين – العقاد في شهرته ككاتب ومفكر لا يقل مقدار أنملة عن طه حسين بل أنه حين يُذكر إسم أحدهما يتداعى الى الذهن أسم الآخر فهما من بلد واحد وولدا في عام واحد (1889 ميلادية) وهي السنة التي ولد فيها ايضا هتلر ونهرو والممثل الكوميدي الشهير شادلي شابلن – الا إن طه حسين الضرير البصير درس في جامعة السوربون ونال شهادة الدكتوراه منها وأصبح عميداً لكلية آداب جامعة القاهرة والعقاد لم ينل حظه من التعليم الجامعي وربما كانت شهادته لا تتعدى الابتدائية وهي شهادة يعتد بها في ذلك الوقت فقد كانت تؤهله للإلتحاق بكلية الزراعة الا ان مشورة صديق للعائلة اخذته ليعمل موظفاً في الحكومة كما عمل أباه وجده – هذه المقابلة كشفت أن العقاد كان مناضلاً محباً لوطنه ولعروبته وإسلامه وللسلام وللعالم دون أن يبخس مبادئه ومواقفه شيء وهو انسان جم التواضع رغم صرامة وجهه وعمق نظراته، وهو راقي في اسلوب حديثه ورقيق في لغته يعرف ما يريد ويعبر عن مكنوناته بلغة بسيطة جاذبه وليس كما كنت اتصوره اثناء دراسة كتب عبقرياته الشهيرة. طور العقاد قدراته الأدبية من خلال القراءة المكثفة والموجهة فهو يقرأ باستمرار وعن كل شيء فالاطلاع هو سبيل نيل العلوم والمعرفة – نشأ العقاد في مسقط رأسه بمدينة أسوان التي فتحت له أبواب الفكر من ثلاث أبواب إذ كان يرى معالم الحضارة المصرية القديمة وأثارها ويتلمس حضارة وثقافة السائحين الأوربيين وهم يزورون اسوان (وهي من اكبر مشاتي العالم ان لم تكن من اعظمها) كل شتاء ويشاهد حضارة مجتمعه الملتزم حيث لم يكن باستطاعته معرفة امه وهي تسير في الطريق – هناك عاملان آخران أثّرا على فكر العقاد وهم جيش الدراويش الذي كان تهدد غاراته اسوان (التي تستهدف الأطفال في المدينة بالخطف حتى لا ينشئوا على الكفر) والاحتلال الانجليزي لمصر والسودان اللتان كانتا وحدة سياسية واحدة آنذاك – هذه النشأة علمته الاستعداد لمواجهة الأخطار في كل وقت والقدرة على الإحاطة بالتناقض في مظاهر المعيشة والحضارة  – لم يتزوج العقاد لا لأنه لا يؤمن بالزواج فهو من المؤيدين له بقوة بل لأنه كان مطارداً لمواقفه السياسية حينئذ ولم يرغب أن يربط احداً بمصيره الغير مأمون فهو يؤمن بضرورة استقرار الحياة العائلية ويؤيد ان يكون المقام والمكان الأول للمرأة هو البيت – يقول العقاد إن الرجل خلق للحاضر والمرأة خلقت للمستقبل فهي أقدر على تربية الأجيال من الرجل يقول العقاد انه منظم جداً ويتبع نظاماً وقتياً يومياً دقيقاً في القراءة والكتابة وفي تناول طعامه وممارسة الرياضة وهي المشي يوميا.

يقول العقاد انه تعلم النظام من والديه فقد تعلم التنظيم من والده الذي أخذ على عاتقه تنظيم مكتبة مخطوطات اسوان بعد أن كانت مبعثرة وتعلم التنظيم من أمه التي كانت شديدة الالتزام بمهامها – يرى العقاد ان سلوكيات الأولاد مبنية في الأساس على سلوك الوالدين وخاصة الأم – ويعزو العقاد ان التزام والديه بالنظام كان اساسه الالتزام بأوقات الصلاة – فبعد الالتزام بأوقات الصلاة التزاماً دقيقاً تترتب الأعمال الأخرى كأوقات تناول الطعام والعمل وأداء الوجبات الأخرى – تأثر العقاد منذ صغره بالشيخ محمد عبده الذي قابله وأحبه ويعتبره متنورا وقد توقع محمد عبده (الذي كان يتردد على اسوان ويزور المدرسة الذي كان يدرس فيها العقاد) مستقبلا أدبياً رفيعا للعقاد بعد أن اطّلع على أسلوبه وطريقته في الكتابة خاصة تلك التي تتعلق بالنقائض وشجعه على امتهان الأدب – أُعجب عباس محمود العقاد بشخصية جمال الدين الأفغاني أيضا والذي يعتبره شخصية إسلامية متنورة تماما كما هو الحال بالنسبة للشيخ محمد عبده ، فكلاهما كانا قدوته بالأخلاق وطريقة العمل والإصلاح – عمل العقاد موظفاً حكومياً كأبيه وجده الا انه لم يستسغ الوظيفة وقرر تركها سريعاً والعمل في الصحافة والكتابة – فصار مشتغلاً في تأليف الكتب ففي الصباح يكتب للتأليف وفي المساء يكتب للصحافة وكتابته في الصحافة أتت اليه بكثير من المتاعب كما انه انخرط في النضال من اجل مصر والسودان وكان متأثراً بسعد زغلول ومن المؤيدين لحزب الوفد فقد كان العقاد يميل للسياسة في عمله وهو يعتبرها فرضاً قدّرته ظروف زمانه – ويربط العقاد صلة الأديب بالسياسة بالواجب المقدس للدفاع عن الوطن ، فبما ان للأدباء الاستعداد الطبيعي للكتابة وجب عليهم تجنيد اقلامهم للذود عنه تماما كما يسخر الجنود اقدامهم لاقتحام ارض المعارك ، فللأديب دوره في الخدمة الوطنية فكل اديب تمر بلده في أزمة أو دور من ادوار النهضة فمن واجبه أن يؤدي دوره بقدح فكره وتسخير قلمه – لم يمل العقاد الى المدرسة الفكرية الأدبية للجيل الذي سبقه من امثال مصطفى كامل واحمد شوقي وحافظ ابراهيم وتوفيق البكري فهو من ناحية لم يختلط بهم لفارق السن ولم يكن يفكر بنفس عقلياتهم فبدأ يقرأ في الأدب الأوروبي وفي الأدب العربي القديم الذي يعتبره العقاد أدب رفيع قوي ذو أصالة راسخة – والعقاد شاعر جزل وشعره من نوع خاص مميز وهو يعارض بشدة نمط الشعر الحر ويعتبره مهزلة ويقول اذا تحرر الشعر من البحور والقوافي فذاك يعني إن الشعر قد تحرر من الشعر فالشعر من وجهة نظره لا يفهم دون قواعد ، وقواعد الشعر العربي هي البحور والقوافي وهو لا يرى وجه مقارنة بين الشعر العربي والشعر الأوروبي فالشعر الأوروبي ليس له بحور وقواعد ولكن له قواعده الخاصة التي تناسب لغته فهو يلاحظ السطر والمقطع والنبرة وكذلك الزمن فالفن العروضي للشعر الأوروبي لا يزال ناقص ويعول على الفنون الأخرى مثل الرقص والغناء ووقع القدم ولذلك هم يسمون العروض (الفوت) أو القدم وذلك من وقع القدم اثناء الرقص وهو فن قاصر بخلاف فن الشعر في اللغة العربية الذي هو اتقن فن في لغات العالم لأنه استغنى عن الغناء وعن الرقص فيمكن ان ننشده دون أن نغنيه أو نرقص على إيقاعه وهناك فرق هائل بين اللغة العربية واللغات الأوروبية فاللغة العربية لغة اشتقاق تقوم على الوزن واللغات الأوروبية هي لغات نحت لا علاقة لها بالوزن على الإطلاق فكل كلمة في اللغة العربية لها وزن وليس من المعقول أن يكون لكل كلمة عربية وزن ولا يكون الشعر العربي موزونا ومن هنا يرى العقاد إن أي إنسان يعرف للغته كرامة لن يسعى لتغييرها لا لشيء الا لتصبح مثل لغة أخرى – وقد امتلك العقاد أربعة مكتبات في حياته بقيت منها الأخيرة اما الأُخريات فقد فقدن لأسباب متنوعة منها عدم امانة من أؤتمن على الأولى وبيع الثانية للحاجة إلى نقودها وتأثير المطر على الثالثة – وأول كتاب ألفه العقاد هو “خلاصة اليومية” وهو كما يدل عليه إسمه مجموعة مذكرات جمعها في بداياته وهو لم يستفد منها ماديا في حينه اذ لم يتم الإقبال عليه الا بعد أن داع صيته في الصحافة وبدأ في تأليف كتب أكثر قيمة وللعقاد ما يقارب مجموعه الثمانين كتاب – وهو يكتب عبقرياته عن الأشخاص الذين يحبهم ويتعاطف معهم فقط أولائك الذين يكون بينه وبينهم قضية ، اما اذا كان الأمر “بين بين” فإنه يتجنب الكتابة عنهم حتى لا ينقص مما كتبه الآخرون عنهم وضرب مثلاً على ذلك بإحجامه عن الكتابة عن صلاح الدين الأيوبي ففي رأيه إن أغلب ما كُتب عن صلاح الدين مبني على العاطفة – يقول العقاد انك لتفهم انسان يجب أن تحبه ، فالإنسان اذا كره انسان لا يمكن أن يفهمه – لا يعتبر العقاد طريق الأديب شاقاً إذ جعله مجال للنضال يشحذ فيه همته ليزيد عطائه و يستحث قدراته عل بدل المزيد – ويرى العقاد إن التاريخ لا يصنعه العظماء وإنما العظماء لازمين للتاريخ ودورهم في الحياة الإنسانية كمثل القادة للجيوش فالقادة بدون جيوش لا يستطيعون عمل شيء وفي الوقت نفسه لن يفعل الجنود شيء بدون قادة – فالعقاد يرى إن معرفة معالم الطريق في التاريخ تستوجب معرفة الأعلام البارزة فيه ، فالجماهير لا يمكن أن تُحصر ولا يمكن تحديد خطاها لكنه يمكن تحديد خطى الأبطال والعظماء والتعرف على اتجاههم من اعمالهم ومن ذوات شخصياتهم وإن هذا المفهوم للأبطال والعظماء هو سبب اهتمامه بدراسة العبقريات والشخصيات – ويرى العقاد إن التاريخ له اتجاهين مرتسمين الى الأبد أحدهما الحياة العامة وهو الانتقال من الجماعة الصغيرة الى الجماعة الكبيرة وهو خط مضطرد باستمرار من العائلة الى القبيلة الى الأمة الى الوحدة الإنسانية فكل الأمم والشعوب والقبائل تبدأ صغيرة وتتجه للوحدة الإنسانية ، ام الاتجاه الأخر فيتعلق بالفرد وزيادة الاحساس بالشخصية الإنسانية وكرامة الإنسان ، فالفرد في اوائل التاريخ لم يكن له حساب وهو جزء من القبيلة ليس إلا وكان يُضحى به من أجل شخص آخر من القبيلة فاتجاه التاريخ هو من الجماعة الصغيرة الى الكبيرة ومن الكم المهمل الى الشخصية المعتبرة التي لها كرامة.

العقاد يقرأ في كل شيء وعن كل شيء وهو يحب القراءة عن الحشرات وفي مكتبته مئة كتاب عنها في زاوية واحدة وهو مغرم بتعقب الطيور المهاجرة والعناية بالأزهار – يقول العقاد ان دراسة الحشرات هي أهم دراسة نفسية يمكن أن يطلع عليها الأنسان لأنها بروفات أولية للطبيعة الإنسانية تظهر فيها الحقيقة فالحشرة نسخة للنفس الإنسانية الساذجة مع الفارق الكبير بين الإنسان والحشرات ، فهو يعد فهم سلوكيات الحشرات مدخلاً اساسياً لمعرفة سلوك ونفسية الانسان لان سلوكياتها هي سلوكيات لكائن حي بدائي ، وفهمها يفتح الأبواب لتفهم سلوكيات الإنسان المتطورة – يقول العقاد أن جميع المواضيع رغم تشعبها يجمعها موضوع واحد الا وهو الاستزادة من الإحساس بالحياة وتوسيع المجال الذي يتيحه اليه هذا الإحساس – حارب العقاد التشاؤم ووضع أمامه صورة لبومة وهي مثال للتشاؤم ليثبت إن مصادر التشاؤم مجرد مصادفات وقد تعلم التنجيم ليَدحَضه – ومن تجربته في شبابه يستنتج إن اكثر ما يهز الشاب هو فقده ثقته في مجتمعه وممن حوله فينظر إلى الناس ولا يجد منهم نجدة ولا انصاف ولا معونة – لأن ذلك يزعزع نفسيته ويجعله يقدم على المكروه من الأمور – يوضح العقاد إن داروين لم يقل ان اصل الإنسان قرد ولا يُفهم من مذهب داروين إن كل إنسان متسلسل من قرد ، وإنما ما يفهم من داروين هو إن الفقاريات العليا مثل الشمبانزي هم من جذر واحد أي يرجعون لأصل واحد أو حلقة مفقودة وهذا لا يعني ان الإنسان اصله قرد – لقد كنت معجباً بالعقاد واتاحت لي هذه المقابلة معرفة الكثير مما كنت أجهله عنه – الا ان ما دعاني لكتابة هذه السطور هو إن العقاد وحين بلغ من العمر أرذله كان يقرأ ثلاث ساعات يومياً ولما لم يكن قادرا على إتمامها دفعة واحدة فكان يقسطها على ثلاث فترات ، اما في شبابه فكان يقرأ سبع ساعات متواصلة طوال الوقت وباستمرار يومي وكان عندما يبدأ في قراءة كتاب اول الليل لا يتركه حت وجه الفجر – لقد أصابني الخجل فانا احاول المواظبة على القراءة منذ علمت بفائدتها الا اني لم استطع الوفاء لها ولو لمدة ربع ساعة يومياً بانتظام.

في الرابط ادناه تجدون المقابلة كاملة مع المفكر عباس محمود العقاد (المتوفي عام 1964) تحاوره الصحافية أماني ناشد:

تعليق واحد

  1. Avatar
    انور باقر الخنيزي

    افدتنا بهذه المعلومات عن شخصية بقامة الأديب العقاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *