الحفاظ على التوازن النفسي والاجتماعي أثناء أزمة كورونا وما بعدها (7) – د. رضي حسن المبيوق*

اللقاح سيعالج الجانب الصحي للبدن ولكن الآثار النفسية (قليلها أو كثيرها) قد تكون طويلة الإستمرار والبقاء وخاصة إذا تركت وشأنها. لابد أن ينال الجانب النفسي درجة كبيرة من الإهتمام، ومفردة “الجانب النفسي” عامة وأتمنى من خلال أسئلتكم أن نسلط الضوء على جوانب نفسية معينة. أتطلع بإهتمام إلى أسئلتكم ومداخلاتكم.

السؤال التاسع:

ماهي الآثار المترتبة على فقدان الإحتكاك بالأقران وقلة كمية الترفيه وتفاقم حالة الملل والكآبة على الأطفال والمراهقين جراء الحجر الصحي؟ وماهي سبل التخفيف من هذه الإضطرابات النفسية؟

***

مقدمة

في أحد التقارير عن تأثير جائحة كورونا  الصادر من هيئة الأمم وبالتحديد الجناح المختص بقضايا الصحة، ذكر بأنه على الرغم أن الأطفال والمراهقون هم أقل عرضة للإصابة بالفيروس، إلا إنهم معرضون أن يكون أكبر ضحاياه من الناحية النفسية والإجتماعية وذلك من جراء تأثير الحجر الصحي الذي قد يسبب ضرر أكثر من نفع (ضرره أكثر من نفعه!) وقد تكون بعض التأثيرات السلبية على هاتين الفئتين العمرية طويلة المدى. هذا الكلام يطابق جوهر هذا السؤال.

فقدان الإحتكاك بالأقران

الإحتكاك مع الأقران هو غذاء لقلوب وعقول الأطفال والمراهقين وفقدان ذلك يؤدي إلى سوء تغذية إجتماعية – إذا صح التعبير. الأطفال يتعلمون عن طريق اللعب مع أقرانهم وهو يغذي وعيهم بأنفسهم وبالآخرين وكذلك يتعلمون الكثير عن قيم وتوقعات المجتمع منهم. أما بالنسبة للمراهقين، فالحاجة الى الإحتكاك بأقرانهم مهمة جدا لأنهم يمرون بمرحلة نمو جسمانية وادراكية واجتماعية. النمو الجسماني يسبب إرتباك او تشوش في نظرة وتقييم المراهق لنفسه والتحدث مع أقرانهم يشعرهم بأن ما يمرون به هو ليس شيئ خاص بهم وإن أقرانهم يمرون بنفس الحالة. وهذا يوحدهم ويجعلهم يبوحون بأحاسيسهم لبعضهم البعض ويطغى الشعور عند هذه الفئة بأن الكبار لا يفهمونهم ولا يعون ما يمرون به من ثورة نمو في الجانب الجسماني، الإدراكي، الإجتماعي والروحي أيضا. عدم  التلاقي وجه لوجه يُحد من بوح المراهقين لبعضهم البعض. صحيح إن المراهقون عندهم المرونة ويتأقلمون على التحدث والإلتقاء في العالم الإفتراضي الذي يتقنون آلياته أكثر من الكبار والأطفال.

احد علماء النفس المتخصص في سيكلوجية المراهقة قام بعمل دراسة هدفها إكتشاف أهمية الأقران لدى طلاب الثانوية (العينة كان عددها ٨٠٠٠ من مختلف الولايات الأمريكية)  فأرسل تبيان يحتوي على ثلاثة أسئلة فقط، وهي: ماهو السبب الأول الذي يدفعك للذهاب الى المدرسة؟ ماهو السبب الثاني الذي يدفعك للذهاب الى المدرسة؟ وماهو السبب الثالث الذي يدفعك للذهاب الى المدرسة؟ وكانت الإجابة: السبب الأول هو رؤية الأصدقاء، والسبب الثاني هو رؤية أو الالتقاء بالأصدقاء والسبب الثالث هو للتعلم. هذه الدراسة التي تؤكد ما نراه بديهيا أن الحاجة للتزاور وقضاء الوقت مع الأصدقاء لها أثرها البالغ في تعزيز الصحة النفسية للمراهقين.

قلة كمية الترفيه

الحجر الصحي سيف ذَو حدين: يحد من التعرض للوباء ويحد من فرص الترفيه وتغيير الأجواء. اذا لم تتوفر بيئة ترفيهية متنوعة في بيئة البيت أثناء الحجر الصحي سيرى الآباء والأمهات المعاناة في أولادهم وبناتهم وهذه المعاناة بالتالي تنعكس عليهم.  والمخاوف الكبيرة التي عبر عنها بعض علماء النفس هو أن الأطفال والمراهقون سيلجأون الى الإفراط في استخدام أدوات الترفيه المتاحة من مشاهدة الأفلام والبرامج والمسلسلات التلفزيونية وقضاء الوقت في ألعاب الفيديو ولعبها مع أقرانهم او لاعبين متواجدين على الإنترنت. هذه الوسائل لها مغناطيسيتها وجاذبيتها ومتعتها الخاصة مما تسبب الإدمان عليها. يصبح الطفل والمراهق في دوامة/دائرة شرسة (vicious circle): يعالج الملل وعدم القدرة على الخروج من البيت بشيئ ترفيهي، والشيئ الترفيهي يتحول بفرط الإستخدام الى حالة إدمان والتي قد تستمر وتتزايد بعد رفع الحجر الصحي.

 تفاقم حالة الكآبة

الكآبة تقسم الى نوعين: أنية وعابرة (state) تنتهي بعد ان تمر الأزمة والنوع الثاني هي الكآبة الكلينيكية والغير آنية (Trait) فتكون ملازمة للطفل او المراهق وهذه الحالة تتطلب تشخيص طبي ومن ثم تلقي العلاج المناسب الذي عادة يكون دوائي يبدأ بتحديد الجرعة المناسبة ومراقبة تأثير الدواء على الطفل او المراهق المكتئب. وتشخيص الكآبة في مرحلة المراهقة أمر ليس بالسهل. كيف ذلك؟

في مرحلة المراهقة المبكرة التي تتزامن مع طفرة النمو وجموح نشاط الهرمونات،  تنتاب كثير من المراهقين والمراهقات مشاعر الكآبة، فإذا شُخص المراهق بحالة كآبة لا بد بأخذ عامل النمو في عين الإعتبار وهذا يتم بالتنسيق بين الطبيب الجسماني والطبيب النفساني.

سبل التخفيف

وعي الأبوين بالتأثيرات المُحتملة للعزلة الإجتماعية التي تحرم الأطفال والمراهقون من الإحتكاك بأقرانهم عامل أساسي يساعد الأبوين في التفكير (بمشاركة الأطفال والمراهقين في ذلك) في طرق ابداعية لخلق أجواء ترفيهية لأبنائهم ، وتخصيص أوقات رفاهية لكل أفراد العائلة.

قرأت عن فكرة ناجحة اتبعتها احدى العوائل لترفيه عيالهم وهي المشاركة في إعداد طبق حلوى يومي. القرار مشترك بين الأباء والعيال ومن ثم بطريقة غير مباشرة يبدأ الآباء بالسؤال مثلا عن أحد المكونات كالسكر مثلا: من البلد المصدر للسكر، وأسئلة أخرى عن مناخ تلك البلد، طبيعة التربة، وماهي عملية تصنيع السكر وكيف يصل السكر الى هنا ومن يحدد سعر السكر، وماهي استخدامات السكر وما أثر السكر على الجسم. وهكذا أسئلة تفتح المجال للبحث بحيث كل فرد يبحث عن جانب معين على حسب عمره ورغبته واهتمامه. هذه الفكرة ترفيهية وعلمية وطريقة مثمرة لإستخدام الوقت. الإبداع في طرق مختلفة لتخفيف وطأة الحجر الصحي محدود بحدود فقط بمخيلة المربين/الآباء.

وهناك بعض الإقتراحات الأخرى:

١- تخصيص فترة معينة لممارسة نوع او عدة انواع من الرياضة لما للرياضة من فوائد للجسم والعقل، فهي تغير المزاج السلبي وتفرغ كثير من الطاقات السلبية.

٢- المحافظة على جدول معين لتناول الوجبات الرئيسية كعائلة ويستخدم هذا الوقت للمكاشفة والبوح عن اي مشاعر قلق او كآبة او خوف او غير ذلك. التحدث والبوح يريح الأعصاب ويعطي الفرصة لسماع توجيه من احد أفراد العائلة وخاصة من الآباء عن طرق معينة للتحكم في تلك المشاعر.

٣- تحديد مدة زمنية معينة  لألعاب الفيديو، وتوجيه اختيار الأولاد تجاه الألعاب المناسبة للعمر ولمحتوى الألعاب. يجب تجنب الألعاب االعنيفة.

٤- البحث عن برامج ترفيهية وتعليمية والمتوفرة بشكل كبير على الإنترنت.

٥- تخصيص وقت شبه يومي لزيارة الأقارب عن طريق احد البرامج كالزووم (Zoom).

٦- تشجيع الأطفال والمراهقين على التواصل الإلكتروني مع أقرانهم.

٧- مراعاة توفير الأكلات الخفيفة (snacks) التي لها فوائد غذائية وتجنب (أو التقليل من) الأكلات التي تحتوي على سعرات حرارية عالية ودهون وأملاح أو كميات عالية من السكر.

٨- تكرار رسالة التفاؤل وبث روح الإيجابية والتذكير بأهمية البقاء في البيت لتجنب الإصابة بعدوى الجائحة.

٩- يجب على الآباء مراقبة حالة أولادهم وبناتهم النفسية والتدخل السريع عند ملاحظة تغيرات مثيرة للقلق في مزاجهم او سلوكهم.

السؤال العاشر:

حرية التنقل هي أحد أهم حقوق الإنسان، والحجر الصحي يأتي ليحد من هذه الحرية، فيمر الأفراد بحالة من التقييد شبيهة نوعا ما بالسجناءأول ، ماهي أعراض هذه الحالة وماهي كيفية التواكب مع تقييد حرية التنقل؟ وهل يحتاج الأفراد إلى برنامج تأهيل للعودة للحياة العامة كما يحصل مع المساجين؟

***

حرية التنقل  وآثار تقييدها

معظم الناس – اذا ما جزمنا ان الكل – لا يطيق أي تقييد لحريته بشكل عام وحرية التنقل والتجول بشكل خاص. عند فرض القيود على التنقل ينسى الفرد بأن فترة التقييد محدودة وأنها فرضت لسلامته.  ولكن قدرة الناس وظروفهم تختلف، فالبعض يتحمل ولديه قدرة عالية على التكيف مع حالة التقييد والبعض يفتقد الصبر ولا يملك القدرة على تحمل القيود أكثر من أيام. وهناك أعراض للأفراد الذين هم من الفئة الثانية: الشعور كالسجين.

أعراض هذه الحالة

من أعراض هذه الحالة:  التشكي، الإمتعاض، التضجر، التوتر، القلق، الإنفعال السريع، النظرة السوداوية للأشياء، الحزن واحتمالية المخاطرة بمخالفة أنظمة الحجر الصحي. وكل هذه التداعيات تجعل هذا الفرد بمثابة قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار في أي وقت. تمظهرات هذه المشاعر عند الأطفال والمراهقين تكون باعتداء لفظي او جسماني على الإخوان والأخوات او حتى على الآباء، ومن الكبار انعكاس الحالة قد يأخذ منحى العنف اللفظي والعاطفي والجسدي، وهذا يؤدي إلى زعزعة أي مشاعر أمن وطمأنينة متبقية عند الأولاد او عند الأم أو الأب.

التواكب مع التقييد

المواكبة هو التوقع من وراء فرض الحجر بأن الناس ستدرك بأن الحجر جاء لحمايتهم لا لإيذائهم،  وأن الناس ستجد الوسائل المختلفة للتأقلم مع آليات منع انتشار الوباء وتقليل أو تصفير عدد الإصابات.  المواكبة تحتاج الى تغيير في النظرة الى القيود على أنها ضرورة وأنها مؤقتة. المواكبة تكون صعبة جدا في ظروف الفقر وعدم القدرة على شراء احتياجات الأسرة من غذاء وغيره. الظروف المادية للعائلة عامل مهم يساعد أو يعقد قدرة الناس على المواكبة.

هل من حاجة الى تأهيل بعد رفع الحجر الصحي

في إعتقادي، إنه لن تكون هناك حاجة للتأهيل بعد رفع الحجر. ورفع الحجر – بعقلانية وبتدرج – سيكون بمثابة الدواء السحري السريع المفعول. كثير من المساجين الذين يمضون فترات طويلة لا يحتاجون إلى تأهيل بعد إطلاق سراحهم. والتأهيل الذي يحتاجونه عادة يرتبط بإكتساب مهارات وظيفية تساعدهم على الحصول على وظيفة تؤمن لهم لقمة العيش. وهذا الجزء من السؤال مهم جدا لأنه يرتبط برؤية مستقبلية لليوم الذي يلي انتهاء الجائحة او السماح بالتنقل والتجول المحدود في البداية ويستمر حتى ترفع القيود كاملة.

وبما أن هذا السؤال له علاقة بالنداءات والمطالب لرفع الحجر في أنحاء العالم، سأتوسع في الإجابة أكثر عن هذا الموضوع عندما أجيب على السؤال رقم 15.

* أستاذ بجامعة شمال أيوا الأمريكية ومدير المعهد البحثي بمدينة شيكاغو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.