الحفاظ على التوازن النفسي والاجتماعي أثناء أزمة كورونا وما بعدها (2) – د. رضي حسن المبيوق*

اللقاح سيعالج الجانب الصحي للبدن ولكن الآثار النفسية (قليلها أو كثيرها) قد تكون طويلة الإستمرار والبقاء وخاصة إذا تركت وشأنها. لابد أن ينال الجانب النفسي درجة كبيرة من الإهتمام، ومفردة “الجانب النفسي” عامة وأتمنى من خلال أسئلتكم أن نسلط الضوء على جوانب نفسية معينة. أتطلع بإهتمام إلى أسئلتكم ومداخلاتكم.

 

السؤال الأول: أرجو أن تسلط الضوء على تأثير القلق والخوف من الفيروس على الاطفال نفسيا وجسديا بحكم كونهم حُبسوا في حدود ضيقة ومعايشتهم القلق الشديد من الاخبار. هذا الظرف له أثرا كثيرا على عقلياتهم بشكل يختلف عنا نحن؟

***

مشاعر القلق والخوف عند الأطفال من كورونا هو إنعكاس لمشاعر الكبار من آباء وإخوان وأخوات ولما يسمعونه من كلام عن الجائحة التي سرقت كل الأضواء والإنتباه في الأخبار وفي وسائل الإتصال الإجتماعي. بمعنى آخر, الكبار يصبحوا كأجهزة إرسال (transmitters) لمشاعر القلق والخوف لأطفالهم.

الأطفال قويي الملاحظة ويرصدون التغيرات التي تطرأ في بيئة البيت والعالم من حولهم ويبدأوا بطرح الأسئلة، والأطفال بطبعهم كثيري الأسئلة (وأعطيهم وسام على مهاراتهم في التحقيق والمثابرة على طرح الأسئلة حتى يقتنعوا من اجابة الآخرين عليها). الأطفال في عمر الروضة وما فوق تنصب أسئلتهم عن سبب إغلاق المدرسة وهنا يأتي دور المربي والمربية في إختيار الكلمات المناسبة وإعطاء الجواب بشفافية وبحساسية. بمعنى آخر، الإجابة عن تساؤلات الأطفال بهدوء وبطريقة لا تثير القلق او الخوف. اللغة الهادئة والمطمئنة مهمة جدا في تخفيف مستوى القلق والخوف عليهم.

تأثيرالقلق على الأطفال

القلق والخوف قد يتجلى في سلوك الطفل بأشكال شتى: الإلتصاق الشديد بالأم او الأب أو الإثنين معا ويصبح شديد الملازمة (clingy). وهذا السلوك قد يسبب ضغط على الأبوين الذي أصبح البيت مقر عملهم. فعلى الأبوين الإتفاق على برنامج وجدول رعاية الطفل وقضاء الوقت معه/ها بشكل متوازن. ترك عبئ الرعاية على أحد الأبوين مرهق ومتعب وينعكس على جودة الرعاية والوقت الذي يقضيه المربي مع الطفل.

من سلوكيات الأطفال القلقين هو الإلتصاق الشديد (أكثر من ذي قبل) بقطعة قماش كالبطانية الناعمة الملمس والمألوفة لدى الطفل وتكون مصدر هدوء وأمان نفسي للطفل. كذلك اللعب والنوم مع الدمى (stuffed animal) المفضلة لديه ولربما يقضي الطفل يومه وهو يحمل لعبة الحيوان ويأخذها من مكان لآخر.

ومن تأثيرات القلق (خاصة الشديد) هو التبول اللاإرادي أثناء النوم وخاصة بين الأطفال الذين تخطوا هذا المرحلة وصار عندهم تحكم في هذه العملية.

لماذا يخاف الأطفال؟

مايجعل الأطفال أكثر عرضة من الكبار للقلق والخوف له علاقة بنمو المخ والذي يكون في عملية تشكل مستمر الى مابعد مرحلة المراهقة، اي صدمة عاطفية يتعرض لها الطفل يجعل جهاز التحكم (amygdala) في العواطف كالقلق والخوف يسيطر على ردود أفعال الطفل. في هذه المرحلة نقطة التواصل لل amygdala مع المنطقة الأمامية من المخ والتي تسمى ب frontal cortex تكون غير كاملة النمو. وهذه المنطقة تتحكم بالتفكير المنطقي او المعقول. وبما أن الروابط بين هاتين المنطقتين ضعيفة, الأطفال يتصرفوا بانفعال وعاطفية مع الأشياء والأحداث.

مايجب أن يعمل الأباء  والكبار لتخفيف القلق والخوف

 الآباء والكبار من مدرسين وغيرهم يجب عليهم تهدئة الطفل وقد لا يكون هذا شيئا سهلا لأن حياتهم مليئة بالقلق وعدم الوضوح أثناء الأزمات. الخبراء ينصحون تهيئة أجواء وبيئة ثابته ومؤطرة لما لها من دور في بعث مشاعر الطمأنينة والأمان في الطفل. وبما أن عقول الأطفال مهيئة لحل المشاكل فانهم يستجيبوا للتعليمات المطمئنة والضامنة للتحكم من انتشار الفيروس كغسل اليدين والبقاء داخل المنزل.

يجب على أولياء الأمور أن يستمعوا الى مخاوف الطفل بهدوء والمراعاة الشديدة على تجنب إظهار التململ التي ترفع من حدة مخاوفهم وقلقهم.

وهناك عدة توصيات أخرى لحماية الوضع النفسي والعاطفي للطفل:  

 إعرف طفلك جيدا فالأطفال يتفاوتون في ردود أفعالهم للجائحة. البعض قد يكون حساس جدا ومن النوع الذي يميل للقلق أكثر. والبعض الاخر يكاد يكون محصنا من القلق ويبدون أكثر مرونة (resilient) وخاصة في وقت الأزمات.

  • يجب أن يتحلى المربي بالحساسية والتجاوب مع الطفل.
  • أن يخبر المربين أطفالهم بأن التباعد الاجتماعي لا يعني العزلة التامة وتجنب اللعب مع المربين و أفراد أسرتهم.
  • اعطاء الارشادات التي تتناسب مع عمر الطفل.
  • خلق جو وبيئة عاطفية تركز على التأكيد على سلامة الطفل والمحافظة على الروتين الذي اعتاد عليه الطفل وتدريب الطفل تدريجيا على طرق التحكم وادارة مشاعرهم كالاسترخاء والجلوس بهدوء والقيام ببعض تمارين التنفس التي تحد من مشاعر القلق.
  • أحرص على أن يكونوا الأطفال مشغولين حتى لا يقعوا فريسة للملل الذي يرفع مستوى القلق والعبثية والمشاغبة.
  • ركز على رفع الكفاءة الذاتية لطفلك وذلك بزرع الثفة في قدرتهم على مساعدة أنفسهم ومساعدة أسرهم ومن حولهم. هذه الثقة تنعكس مع الوقت الى قدرة في ادارة مشاعرهم بأنفسهم.
  • التحلي بالايجابية والأمل وتعزيز نقاط القوة لدى الطفل.
  • يجب عرض الطفل على اخصائي نفسي اذا زادت حدة القلق والخوف عنده أو عندها.

* أستاذ بجامعة شمال أيوا الأمريكية ومدير المعهد البحثي بمدينة شيكاغو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.