المهندس هلال الوحيد

مسكينُ ابن آدم! – هلال الوحيد

نحنُ أقوى وأعقل من كلِّ ما سوانا من مخلوقات. شيدنا المصانع، عبرنا البحار، وطفنا فوق السحاب. ثم عاملٌ ممرضٌ صغيرٌ جداً لا يمكننا مشاهدته بالمجهرِ الضوئي يتكاثر داخلَ أجسامنا فَيميتنا! هذه هي حدودُ قوتنا؟

مسكين ابن آدم فعلاً حين يعد نفسه لا يُغلب وهو يموت من الخوفِ والهلع. يخاف من كلِّ شيء تقريباً وعندما يفرط في الخوفِ يضخ جسمهُ هرموناتٍ توصله إلى الموت. معاركه مع بني جنسه يخسرها أحياناً ويربحها أحياناً أخرى، لكن معاركه مع الجسيماتِ الدقيقة التي لا يراها ليس من السهلِ عليه أن يفوزَ بها.

لابد انك سمعتَ عن النمرود الذي ادعى الربوبيةَ ورمى ابراهيمَ الخليل (ع) في النارِ ثم ماتَ بأحقرِ المخلوقات!
يحكي التاريخُ أن اللهَ أرسلَ البعوضَ على نمرود، واجتمع منه في عسكرهِ ما لا يحصى عددا، فلما عاينَ نمرودُ ذلك انفردَ عن جيشهِ ودخلَ بيته وأغلقَ البابَ وأرخى الستورَ ونامَ على قفاه مفكراً فدخلت بعوضةٌ في أنفهِ فصعدت إلى دماغهِ فتعذبَ بها أربعينَ يوماً إلى أن كان يضرب برأسهِ الأرض، وكان أعز الناس عنده من يضرب رأسه، ثم سقطَ منه كالفرخ وهو يقول: كذلك يسلط اللهُ رسله على من يشاء من عباده ثم هلك حينئذ!

وصف الامامُ علي (ع) حدودَ قوةِ الإنسان فقال: “مِسْكِينٌ اِبْنُ آدَمَ مَكْتُومُ اَلْأَجَلِ مَكْنُونُ اَلْعِلَلِ مَحْفُوظُ اَلْعَمَلِ تُؤْلِمُهُ اَلْبَقَّةُ وَتَقْتُلُهُ اَلشَّرْقَةُ وَتُنْتِنُهُ اَلْعَرْقَةُ”. حقاً هو مسكينٌ فلا يدري متى وكيف يموت، عللهُ وأمراضهُ مخفيةٌ لا يعلم بها حتى تهيج عليه، عمله محفوظٌ صغيرهُ وكبيره، قرصُ البقة يؤلمه والشَرقةُ بالماءِ تقتله، وإذا عَرق أنتنتهُ قطرةُ ماءٍ واحدة وأبعدت عنه أقربَ الناسِ منه. أليس مسكينٌ من هو على هذه الصفات؟

كان الإنسانُ في القديمِ يقفل داره وإذا عجز أقفل قريته ويحتمي مما يأتيه من عوامل مرضٍ غير مألوفةٍ ومعروفةٍ لديه. أما الآن فالعولمَة جلبت معها الخيرَ والشر، فصارت تأتيه العللُ من حيث لا يدري من أين تأتيه. وضعته جسيماتٌ تافهة في “حيص بيص” فكادت تتوقف حياته وتعود عولمتُه بدائية مرةً أخرى! فهل من هذا هو حدود قوته ينبغي له أن يأمنَ أو يفخر؟

لا يزال يصدح صوتُ من خلقَ الإنسان (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وكأنّه يهتف فيه: ألا ترى كم أنت ضعيف ولا تزال ضعيفا (ضعف الطالب والمطلوب). كيف إذن إذا كان خصم الإنسانِ أصغرَ بكثيرٍ من الذبابة؟ لا يستطيع أن يراه أو يمنعه من الدخولِ من منافذِ جسده إلا بأشد الحيل. يتلون ويتشكل ولا يشفى منه إلا بما يناسبه من دواء!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *