الجمعة , فبراير 28 2020

شذرات من جينات دوكنز الأنانية (1) – عادل البشراوي*

هل سبق ولاحظتم البذور المجنحة؟

هل تعجبتم من كيفية تشكيلها بهذه الطريقة التي تحي وكأن شخصا ما جلس وهندس لها الأجنحة بطريقة تشبه في تصميمها صناعة الطائرات المحلقة؟

أليس غريبا أن تتمكن آلية التطور من الوصول بخاصية بايولوجية لكائن ما إلى بلوغ هذه المرحلة من الإتقان؟

إن كان متاحا لديكم مشاهدة بذور مجنحة فالقوا نظرة عليها.. سوف يتملككم العجب (2).

واقع الأمر فالطبيعة البايولوجية للأحياء تحوي ظواهر بهذا الإحكام التصميمي وغالبا بأشكال أكثر تعقيدا.

أحد هذه الظواهر مايعبر عنه بالـ Body shape أو التركيب الجسدي. هذه الظاهرة التي نلاحظها في تشابه جسد القرش والدولفين ,على سبيل المثال.
فبالرغم من إنتماء الحيوانين لمملكتين حيوانيتين منفصلتين تماما, حيث يلتقيان في القرابة إلى فترات ظهور الفقاريات قبل أكثر من ٤٠٠ مليون سنة, إلا أنهما يتشابهان في التركيب الجسدي.

تشابه جسدي الدولفين والقرش لم يحدث لقرابة بين الكائنين, وإنما شكلته متطلبات بيئية تناسب المعيش في طبيعة بيئية معينة تتطلب نمط حياة يؤهلها لحجز ذات الموقع في السلسلة الغذائية. وسوف نلاحظ أن تركيبة الجسد هذه معتمدة من قبل أنواع من الديناصورات والزواحف القديمة التي كانت تجوب عباب المحيطات (3).

عودا للبذور المجنحة المتقنة التصميم.. ترى كيف تمت هذه العملية, وكيف تطورت هكذا بحيث أصبحت قادرة على التحليق – لكي لا نقول الطيران؟ بل كيف طورت كل الأحياء أنشطتها الحيوية فتوفرت لها فرص أكثر للحياة؟

هذه بلا شك أسئلة ثقيلة ومتطلبة في الوصول إلى فهم واضح لها فضلا عن توفير أجوبة مباشرة عليها. ولكننا سوف نتعرض لبعض الظواهر الحيوية علنا نوفق في توضيح ملامح إجاباتها.

تتخذ الكائنات الحية الحيل لإنجاح أنشطتها التكاثرية التي هي الضمان الأول لبقائها. وفي النباتات الزهرية (4) عادة ما تتم عملية التكاثر عن طريق اجتذاب بعض أنواع الحشرات والطيور الصغيرة لتساعدها في نقل حبوب اللقاح الذكرية من زهرة لأخرى.

ولكي تتم العملية بنجاح فهي تحتال لتوفير المغريات فتحاول تقديم الرحيق ذا الطعم الأكثر تفضيلا لحشرات وطيور بيئتها. ولهذا فرحيق سلالة نباتية زهرية معينة يختلف في طعمه عن رحيق سلالة قريبة لها في بيئة أخرى. وببساطة لأن حشرات البيئات الأخرى تفضله بطعم آخر. وقد تتوفر في بيئة واحدة سلالات مختلفة من نفس النبات تصنع عصائر رحيقية مختلفة, وذلك لتواجد حشرات وطيور ضمن نفس البيئة تختلف في تفضيلاتها لطعم الرحيق.

وكذلك فإن هذه النباتات الزهرية تختار ألوانا وأشكالا متفاوتة لبتلات ومياسم ومتوك زهورها. والأعجب أنها تختار أقلام مياسم بمقاسات تلائم خراطيم الحشرات ومناقير الطيور التي تتغذى على رحيقها.

واقع الحال فإن العملية تفاعلية ويعبر عنها بمصطلح (Coevolution (5 , فالحشرات والطيور أيضا تحاول التوائم مع أزهار بيئتها.

عذرا.. هل تحدثت عن اختيارات تقوم بها النباتات؟ قد يكون الأفضل أن أقول أنها تجارب!!

ولكن من هي الجهة المعنية بالتجريب؟

هل يجوز القول بأن الحشرات تقوم بعمليات التخطيط المعقدة جدا فتحدد أهدافا وترسم استراتيجيات وسيناريوهات وتتحضر بخطط “أ” و “ب” لكي تصل لأهدافها؟

أم أنه كيان عاقل آخر من يقوم بعملية التجريب/الإختيار؟

هذا النقاش سوف يأخذنا قسرا إلى كتاب ريتشار دوكنز المعنون بالجينة الأنانية The Selfish Gene, ففي الكتاب يقول دوكنز بما معناه أن الجينات تستخدم الأحياء مطية تسخرها لضمان بقائها في سلالات الكائن.

ولعل أول ما يتبادر لفهم متصفح الكتاب بأن ما يقصده دوكنز هو إسباغ صفة العقل المخطط والواعي لهذه الجينات بحيث تقوم برسم خطط تستغل من خلالها جسد الكائن لتحقيق مآرب تفيد بقائها.

فهمي المتواضع لهذه الحيثية المعقدة هو أن ما قام به دوكنز هو استغلاله للرمزية المطلقة للوصف، وإلا فالجين وهو عبارة عن عدد محدود من الأحماض الأمينية يكون مع آلاف الجينات الأخرى شريط الـ DNA، وهو قطعا لا يمتلك دماغا ولا أنوية عصبية ولا حتى خلايا تمكنه من رسم الخطط لبلوغ الأهداف.

أما الرمزية فتتمثل في أن ما تنتجه مجمل أنشطة الكائن يصب أخيرا في حفظ جيناته أو على الأقل أكبر عدد منها عبر الأجيال. وهي عملية ينتج عنها حفظ الجين الذي نعلم بالقطع أنه لا يعي ما يجري حوله. بمعنى أن حفظ الجين هو نتيجة جانبية وتلقائية لم يتم التخطيط لها لا من قبل الكائن ولا الجين.

كل ما في الأمر هو أن للكائنات الحية ماكنة بايولوجية لا تتوقف نسميها الطفرات (Mutations (6, وأن هذه الماكنة لا تهدأ أبدا بل مستمرة مع انقسام الخلايا, فالخلايا الجديدة التي تستولد يجب أن تحمل نسخ جينية متطابقة مع الخلايا التي انقسمت عنها. وفي عملية إعادة النسخ تحدث أخطاء في أشرطة الـ DNA للخلايا الجديدة. ومع استمرار ظهور هذه الأخطاء وتراكمها وفلترة ماهو صالح منها لبيئة الكائن وإبعاد مالا يصلح عبر الأجيال يتم تشكيل بل تصميم كائنات في مرحلة توائمية قصوى مع البيئة بحيث يحار المرء عند آخر مراحل الفلترة وهو يرى حشرة لها خرطوم هو بذات الطول والسمك لقلم الزهرة المفضلة لديها, وكأنهما صنعا في خط تجميع مصنع واحد.

*باحث في علم الإنسان القديم

المصادر:

  1. نسبة لكتاب عالم الأحياء التطورية ريتشارد دوكنز Richard Dawkins المعنون بـ الجين الأناني The Selfish Gene
  2. https://www.youtube.com/watch?v=2rX–Y5gCnE&feature=share
  3. https://ocean.si.edu/through-time/ancient-seas/form-equals-function-ancient-sea-lizards-and-modern-whales
  4. https://www2.palomar.edu/users/warmstrong/trmar98.htm
    https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B0%D9%88%D8%B1
  5. https://www.nature.com/subjects/coevolution
  6. https://ghr.nlm.nih.gov/primer/mutationsanddisorders/genemutation

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *