الجمعة , ديسمبر 6 2019

نفاياتنا تقتلنا – المهندس هلال الوحيد

غمرنا جمالُ الشاطئ، أنا وصديقٌ لي، حينَ زرناه في اعتدالِ نسائم هذا الشهر. كان الجلاسُ منشغلين به عن جماله، فلم يكن سوى الطيور المهاجرة، واقفةٌ على مراكبه القديمة، ارتمت في أحضان الشواطئ الدافئة هاربةً من الشواطئ الباردة في فصل الشتاء.

ذاكرتي بشواطئ البحر تعود بي في الغالب إلى ليالي الخريفِ والشتاء حين كان والدي وبقية البحارة من أصحابه يجتمعون ليلاً في انتظار استراحة أمواج البحر أن تكفَّ عن الهيجان حتى يدخلون إلى عمق البحر على دوابهم، يصطادون مما يجود به البحرُ يوماً ويعودون دونَ شيءٍ في اليومِ الذي بعده!

تغير شيئان منذ الصبا وحتى الآن: لم أعد أرى كثيراً من أنواع الأسماك التي كان البحر يعطيها لوالدي، أسماءٌ وأنواعٌ لا أراها إلا ما ندر في الأسواق. ولم يعد البحر عميقاً أزرقاً عند نهاياته، بل ينتهي بنفاياتِ البشر وما يرمونه فيه، فاختفى كلُّ ذلك الجمال العذري.

يحذر المختصون في العناية بالبيئة أن محيطاتنا وبحارنا بدأت تمتلئ بالنفاياتِ البشرية وأغلبها من مادة “البلاستيك” ومخلفات الصناعة. ويقولون أن عدد مواد البلاستيك ومخلفات المصانع سوف يفوق عدد الأسماك بحلول عام ٢٠٥٠م إذا لم يتمكن ذوو الإختصاص والمسئولون من المسارعةِ للحدِّ من هذا التلوث.

قد يكون هذا التحذير مبالغ فيه ومن باب الصرخة العالية في وجه من يسلب الجمالَ من البحار والمحيطات ويلوثها، وبالتالي يقول لنا: إنَّ هذه النعم لن تدوم ولن يكون في استطاعتها أن تواصلَ عطائها لنا من الحياة البحرية إن حاربناها. أو يكون واقعاً حيث رأينا في تلك الدقائق القليلة كمياتٍ كبيرة من القوارير البلاستيكية والنفايات البشرية خلفها زوار الشاطئ التي حتماً وجدت طريقها في البحر وسوف تبقى فيه مئات السنين قبل أن تختفي.

كم بودي أن أقول لك: نقطةٌ في المحيط لا تضر. ولكن الواقع يحكي أن ما نقذفه في البحر من أجزاء البلاستيك يجد طريقه إلى أمعاءِ الأسماك والطيور البحرية، ومن ثم إلى أمعائنا ما يجعل صحتنا في خطر بسبب تناولنا لهذه الأسماك.

كان الناس يحذرون في القديم من غدر البحر ويقولون “البحر غدار”، وبالفعل كانت المراكب الخشبية الصغيرة والبحارة ربما لا تعود ويغرقها البحر في أمواجه. أما الآن فحقٌ أن يشكوَ البحرُ من عقوق الإنسان له وإهماله.

زر البحر واستمتع بجمال شواطئه وناجيه، فالبحر خير من يحفظ الأسرار، وتذكر أن ما تقذفه فيه سوف يعود لك ولي ولو بعد حين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *