الجمعة , نوفمبر 15 2019

ما حدود الصدفة وحدود الاحتمال في الحياة؟

وما مدى حدود التزامن في حدوث الأشياء أو تكرار حدوثها؟
الزوجان ألبرت وبيتي شيتهام سجلا رقماً قياسياً في تحقيق «الاحتمال المستحيل» في بداية عام 1997 عندما قاما برحلة إلى تونس ليجدا نفسيهما على مائدة الطعام مع زوجين متقاعدين آخرين مماثلين لهما هما البرت وبيتي رايفرز.
وبالطبع ليس غريبا التقاء أشخاص متقاعدين على مائدة طعام وليس غريباً أيضاً أن يكون لكل من الرجلين الاسم الأول نفسه، ولكن ما أفرزته المعرفة التالية كان كذلك فقد كان شيتهام يعمل موظفاً في شركة سكة حديد وكذلك رايفرز، كما عمل كلاهما بعد ذلك في مكتب بريد، وقد كان زواج العائلتين في اليوم نفسه والسنة نفسها 15/8/1942 والأغرب أن الزواج حدث في الوقت نفسه تماماً من ذلك اليوم «الثانية بعد الظهر» وماذا بعد..؟ لقد أنجبت كل من العائلتين ولدين ذكرين، ولكل عائلة خمسة أحفاد.
وماذا عن رؤساء الولايات المتحدة، هل صدفة أن سبعة من ثمانية رؤساء للولايات المتحدة ماتوا في أثناء رئاستهم كانوا قد انتخبوا في سنوات تبعد كل منها عن الأخرى 20 سنة خلال الفترة بين 1840 و 1960، وكان الوحيد الذي شذ عن ذلك رونالد ريغان الذي انتخب في عام 1980 بعد 20 سنة من جون كيندي، وقد كسر ريغان هذه الحلقة المتكررة بنجاته من محاولة اغتيال تعرض لها.
وقد يكون التماثل بين الرئيسين لينكولن وكيندي فريداً من نوعه، فالأول انتخب للكونغرس في عام 1846 وانتخب الثاني له في عام 1946، وانتخب الأول رئيساً للولايات المتحدة في عام 1860م وانتخب الثاني في 1960 وكلاهما نجح بفضل الجنوبيين واغتيل من قبلهم، وكلاهما نجح بفضل جنوبي اسمه جونسون، وقد كان خليفة لنكولن اندرو جونسون الذي ولد عام 1808 وخليفة كيندي ليندون جونسون الذي ولد عام 1908، وكان لكل من الرئيسين ولد مات في أثناء رئاستهما، واهتم كلاهما بالحقوق المدنية للزنوج، واغتيل كلاهما يوم جمعة، وبطلقات في الرأس، وكان القاتل لكل منهما يعرف باسمه الثلاثي، وقد اغتيل القاتل في كل حالة قبل تقديمه للمحاكمة، وقد ولد قاتل لينكولن واسمه جون وایلکس بوث في عام 1839 وولد قاتل كيندي واسمه لي هارفي اوزولد في عام 1939.
احتمال تکرار حدث معين عند الناس شائع جداً، والقصص عنه كثيرة ومن ذلك ما حدث للبريطانية أن ايفرت التي قتلت في عام 1995 على سكة الحديد في المكان نفسه بالضبط الذي قتل فيه زوجها في عام 1984 فقد أحضرتها ابنتها الى المكان لتخلصها من خوفها من المرور فوق سكة الحديد منذ أن صدم قطار زوجها، وعندما اطمأنت الابنة لخلو السكة من اي قطار، طلبت من امها قطعها، ولكن وبينما الام تسير على السكة ظهر قطار فجأة ليصدم الام ويقتلها.
التزامن يذهلنا دائما، والعلماء يقولون أن لا منطق فيه كلياً، ويؤكدون بوجود تفسير منطقي لكل حالة، ولكن هل يوجد تفسیر حقا لكل حالة؟
خذ مثلاً إحدی حالات التزامن الشائعة جداً عندما تكون تفكر في صديق مثلا، فيضرب جرس الهاتف لتسمعه يتحدث على الخط، فهل هذا إدراك حسي فائق، أم انه مجرد «ذاكرة انتقائية».. ای أننا نتذكر فقط ونتحدث عن حالة كهذه حدثت وننسى ألاف الحالات الأخرى التي لا يحدث فيها تزامن؟
العلماء يؤكدون وجود «الذاكرة الانتقائية» وبها يفسرون الكثير من حالات التزامن اليومية، وأحد الأوائل الذين أدركوا ذلك الفيزيائي الأميركي المبدع لويس الفاريس ففي احد ايام عام 1965 كان يقلب صفحات الصحيفة اليومية عندما خطر بباله صديق له عرفه منذ 30 سنة، وبعد خمس دقائق فقط من ذلك وجد نفسه يقرأ نعی صديقه في الصحيفة. فما تفسير ذلك؟؟
لم يتجاهل لويس الأمر بل قرر تقدير مدى شيوع مثل هذا التزامن، فاستخدم تقديرات أولية لعدد الناس الذين عرفهم في حياته، ومدى تفكيره فيهم، وتوصل إلى أن احتمالية تفكيره بشخص معين قبل دقائق من قراءته لنعيه يبلغ 3 من مائة الف في السنة تقريباً.
ان التزامن مثل اليانصيب الوطني، فاحتمالية ربح الشخص للجائزة الأولى ضئيلة جداً مقارنة بالعدد الكبير من الناس الذين يبتاعون بطاقات اليانصيب في كل مرة.
الا ان التزامن قد يحدث باحتمالية أكبر أحيانا، ومن ذلك احتمالية معرفة شخصين لهما يوم عيد الميلاد نفسه، أو التعرف في مكان ما على شخص له أصدقاء بعضهم من اصدقائك.
وبالرجوع إلى حالة المتقاعدين البرت اللذين التقيا صدفة في تونس يمكن القول انها تمثل تزامناً نادر الحدوث فعلًا، ولكن ما مدى ندرة ذلك؟ لنبدأ بالاسمين، فبالعودة إلى عشرينيات هذا القرن، عندما ولد الرجلان نرى أن الاسمين البرت وبيتي كانا ضمن الأسماء العشرة الأولى الشائعة آنذاك. وكانت مكاتب البريد وشركات سكة الحديد هي الأكثر توظيفا للناس آنذاك، وكان شهر آب هو الثاني من حيث كثرة حفلات الزواج فيه «بعد شهر تموز» وكانت الساعة الثانية بعد الظهر هي المفضلة عند الكثيرين لعقد الزواج فيها، وكانت العائلات ذات الأطفال لديها طفلان غالبا وكانت عائلة من كل اربع عائلات لديها ولدان.

في ضوء ما سبق يقول العلماء أن فرص حدوث التزامن للأشياء ليس نادراً في الحقيقة كما نعتقد، ولكن الحقيقة هي أننا لسنا جيدين في تقدير الأمور، فقد وجد علماء النفس ان الناس يميلون إلى استخدام قواعد بسيطة في تقدير احتمالية حدوث التزامن، وهي قواعد تثبت عدم دقتها وموثوقيتها فمثلا يقدر معظم الناس ان مجموعة من 300 شخص او اكثر ضرورية ليمكن ايجاد شخصين فيهم يشتركان في يوم عيد الميلاد نفسه. وفي الحقيقة، فإن العدد أقل من ذلك بثلاث عشرة مرة، جرب أن تتعرف على يوم عید میلاد ال22 لاعباً مع الحكم في اية مباراة في كرة القدم لترى ان هناك احتمالية كبيرة لوجود اثنين منهم يشتركان في يوم عيد الميلاد نفسه.
على أية حال يقول العلماء أن ذلك لا يعود لكوننا أغبياء، وإنما لأننا نميل لان نعمل جيدا في الأمور التي تدربنا عليها، ومن الطبيعي أننا جميعاً لم نحصل على تدريب كاف في مجال حالات التزامن النادرة في حياتنا.

 

المصدر: آفاق علمية وتربوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *