الطريق الى نبع الوجود (15) – د. جاسم حسن العلوي

الطريق الى نبع الوجود (15)

رحلة الحائرين إلى الله

قراءة في كتاب “وجود الله بين العلم و المنهج العلمي” 

القسم الثاني

الكاتب : علي ديلان

لكن هناك من وجه إعتراضات على موضوعية الحركة التكوينية الذهنية و بالتالي على موضوعية اليقين. يعرض الـ”ديلان” أحد هذه الاعتراضات و يناقشها.

الاعتراض

إن خلاصة هذا الاعتراض هو أننا لا نملك قبل هذا التحرك الطبيعي للذهن إلا على درجة تصديقية عالية هي نتاج التراكم الاحتمالي الموضوعي ، وإذا بنا نحصل على اليقين بسبب حركة في الذهن غير مبررة و هذا ما يؤدي بنا إلى الإرتياب في هذه الدرجة التصديقية الزائدة التي رفعت هذا التراكم الاحتمالي إلى درجة اليقين. فهذه الدرجة التصديقية الزائدة لم تنشأ من درجة تصديقية سابقة و بالتالي فهي من الدرجات التصديقية الذاتية التي ليس لها مبرراتها الموضوعية. و إذا كان التصديق ذاتيا فإنها تكون خارج الحدود المعرفية. و لا فرق حينئذ أن تكون هذه الدرجة التصديقية الزائدة التي تنقلنا إلى اليقين ذات مناشىء نفسية أو تكوينية (ص 221-222).

مناقشة الاعتراض

يوجه الـ”ديلان” في مناقشة هذا الاعتراض عدد من الأجوبة. أولا من الخطأ الإعتقاد بأن كل معرفة يجب أن تتولد من معرفة سابقة لأننا حينئذ سنقع في متراجعة لا نهائية. فالمعارف الأولية تمثل بدايات المعرفة البشرية ، و عن الأساس الذي تنبثق فيه هذه البدايات هو نفس الجهاز التكويني – الإدراكي ، فاستحالة اجتماع النقيضين مرجعه إلى هذا النظام الإدراكي عند الإنسان وهو تماما يشبة الحاسبة الإلكترونية حيث أن نظامها يرفض بحسب تكوينه أن (1+1) تساوي الرقم (3). وعلى هذا فإن الإعتقاد الموضوعي ببعض القضايا قد يفرض من قبل نفس التصميم الفطري للنظام الإدراكي فلا نضطر من أجل اكتساب الموضوعية غلى تحصيل معرفة سابقة. و الخلاصة أن المعارف الموضوعية قد تتولد من معارف موضوعية سابقة ، و قد تتولد من نفس التصميم التكويني للإدراك البشري. و أما ما التزم به القيلسوف الإلماني “هانز رايخنباخ” حيث يعتقد أن المعرفة البشرية تبدأ باحتمال و تنتهي باحتمال. و يبدي الـ”ديلان” اعتراضه على هذا القول بأن “كل إحتمال يكون متقوما بعلم اجمالي ، و هذا يستبطن بدوره وجود درجة تصديقية تامة في الموارد التي نطبق عليها نظرية الاحتمال عليها” (ص 224).

هانز رايخنباخ

ثم يبدي الـ”ديلان” تعجبه و تأسفه بانبهار البعض من قياس بدايات المعرفة التي هي نابعة من هذا التصميم الفطري بالنتائج المصطنعة على تجارب الفيزياء الكمومية. ثم يذكر الـ”ديلان” إن التعقيد الموجود في النظريات الكمومية يزيد من احتمال خطأها (ص 223).

لكن قد يختلط علينا ما هو ذاتي و ما هو موضوعي ، فكيف نفرق بين المعرفة الذاتية و المعرفة الموضوعية الناتجة من التصميم الذهني؟ و يجيب الـ”ديلان” بقوله ” أن المعرفة الموضوعية ذات منشأ تكويني و تمتاز بخصوصية إجبار الذهن على الإعتقاد بها ، كما و تبنى عليها أفكارنا جميعا ، في حين أن المعرفة الذاتية تتواجد في أذهاننا نتيجة عوامل نفسية و تأثيرات متلقاة غالبا من تراث مسبق من الآثار الاجتماعية و الثقافية” (ص 224).

و ثانيا إن القرائن التي تعزز من قيمة الاحتمال و تزيد من التراكم الاحتمالي للقضايا إنما تنظر إلى الجانب الإيجابي الذي يقوي الاحتمال و لا تنظر الجانب السلبي الذي يقلل من الاحتمال. فإذا قلنا بان عدد من القرائن أفادت بان الدرجة التصديقية لاحتمال نزول المطر هي 70% فهذا لا يعني أن احتمال الخلاف هو 30%. فهذا إيحاء خاطىء لأن القرائن إنما تنمي الاعتقاد إلى الحدود التصديقية المعينة و لا تثبت ما هو خلاف هذه الحدود. و بالتالي فإن القواعد الرياضيىة التي تنمي الاحتمال لا نحصل منها على احتمال الخلاف مما يسمح لنا بالتدخل لإدخال بعض العناصر المؤثرة على الاحتمال الضئيل و من ثم نفيه ، و يعتقد الـ”ديلان” أن التصميم الفطري و التكويني هو واحد من هذه العناصر المؤثرة و أهنها على الإطلاق (ص 225).

وثالثا قد يفهم من الاعتراض أن الدرجة التصديقية الزائدة الموصلة إلى اليقين تجعل النتيجة أكبر من مقدماتها مما يثبت عدم موضوعية اليقين. إلا أن الـ”ديلان” يؤكد أن النتيجة مساوية للمقدمات و أن الذهن لا يجد إختيار أو إرادة في التصديق اليقيني بالقضايا وذلك بعد حصول الذهن على درجات تصديقية عالية بسبب التراكم الاحتمالي. و هنا يطرح الـ”ديلان” المبررات التي تفي لإثبات اليقين الاستقرائي الموضوعي. فما هي أسباب اليقين الاستقرائي؟

يقسم اليقين إلى اليقين الإستنباطي و اليقين الاستقرائي . وفي اليقين الإستنباطي لم يحصل اليقين نتيجة التراكم الاحتمالي أو من منطق التكذيب بل يجد الذهن نفسه مرغما بالدرجة التصديقية التامة – اليقين. و من القضايا المتعلقة بهذا النوع من اليقين القضايا العقلية التجريدية كاليقين في المعادلات الرياضية و القوانين المنطقية و أوليات الفكر الانساني مثل استحالة اجتماع النقيضين.

أما اليقين الاستقرائي فهو ينتج من التراكم الاحتمالي و الحركة الطبيعية للذهن مما يوجب الدرجة التصديقية التامة في القضايا الاستقرائية من قبيل اليقين المتعلق بقضايا العلوم الطبيعية مثل (كل حبة اسبرين تعالج الصداع). يبحث الـ”ديلان عن اسباب هذا النوع من اليقين. فما هي المبررات التي تفسر حصول هذه الظاهرة في الذهن ؟ و هنا يذكر الـ”ديلان” عدد من هذه الاسباب:

1-    أن الدماغ البشري من حيث التكوين لا يوفر للانسان إمكانية استيعاب الاحتمالات الضئيلة جدا. و لو افترضنا أن الذهن الانساني أكثر تطورا و دقة لما هو موجود فعلا فهل يتحول الاحتمال الراجح الى يقين؟ فهل نقع في فخ النسبية؟ من كون التحرك الطبيعي للذهن يتبع في وصوله إلى اليقين طبيعة النظام الإدراكي من حيث الدقة و النضج و عدمها (ص 226).

إن الجهاز الإدراكي كما يجيب الـ”ديلان” عندما يكون أكثر نضجا و أكثر دقة فإن وصوله الى اليقين يكون أسرع. فإذا كان نظامنا الادراكي الفعلي يصل إلى اليقين بعد تراكم عدد من الاحتمالات فإن النظام الادراكي المتطور قد يصل إلى اليقين بعد تراكم عدد أقل من الاحتمالات و ذلك لما يمتلكه من قدرات إدراكية أرقى. و يشبة الـ”ديلان” سرعة حصول الجهاز الادراكي المتطور على اليقين بالنسبة للجهاز الادراكي الأدنى بسرعة إدراك العالم للقضايا اليقينية بالنسبة لادراك الجاهل الذي يتطلب وقتا أطول (ص 227). لكن قد نقع في إشكالية أعمق إذا ما أردنا القول أن النظام الادراكي المتطور قد يحصل على اليقين بعد بلوغ عدد أقل من التراكم الاحتمالي في حين يكون الفاصل بين هذا التراكم الاحتمالي و اليقين أي “احتمال الخلاف” هي درجة احتمالية معتنى بها ، كأن يكون احتمال الخلاف ¼ مثلا. إن مقصودنا كما يوضح الـ”ديلان” إن هناك في جميع الانظمة الادراكية قدرا مشتركاً أو حداً أدنى في الحصول على اليقين. فبعد هذا الحد الأدنى المشترك الموجب للتحرك الطبيعي للذهن يكون النظام الادراكي المتطور أسرع من غيره في الوصول إلى اليقين.

2-    قد ذكرنا أن الاحتمالات الرياضية هي احتمالات موضوعية قابلة للنمو الاحتمالي إلا أنها لا تصل إلى مرحلة اليقين مهما ازدادت قيمتها الاحتمالية. أما الاحتمالات الذهنية تفترق عن الرياضية في إمكانية وصولها الى اليقين أثناء الازدياد الاحتمالي. و أن الأساس في هذا الفرق هو أن الاحتمالات الذهنية تعيش في ظرف الذهن بينما تعيش الاحتمالات الرياضية في ظرف الواقع ، و هذا يعني أن الذهن يحتمل و يصعد من احتماله كلما زادت القيمة الاحتمالية المؤيدة. و بناءً على أساس هذا المبرر يمكن أن نفسر التحرك الطبيعي للمعرفة.

3-    يفرق الـ”ديلان” بين اليقين الناتج من تأثير العقل الجمعي على عقلية الفرد و بين اليقين الموضوعي الذي ينشأ من تحرك الذهن في إفناء القيم الاحتمالية الضئيلة. في الوقت الذي لا ننكر تأثير العقل الجمعي في الحصول إلى اليقين إلا أن هذا التأثير لا يملك مبرراته الموضوعية ، بل هو يتبع اليقين الذاتي و يزول تأثيره عندما يلتفت الذهن و يطلع على واقع هذا التأثير. فيعلم إن ما كان يعتبره يقينا ليس إلا يقينا إيحائيا و نتاج تأثير الجمهور. و على العكس من اليقين الموضوعي الذي لا يتزعزع بمعرفة مناشئه بل ربما يزداد وضوحا لدى الذهن. إن السمة الغالبة في البحث العلمي الخاضع للموازين العلمية الدقيقة هو تجنب الوقوع في مثل هذا التأثير اللاموضوعي.

4-    إن المبرر الموضوعي في حصول اليقين هو المبرر العملي و ليس المنطقي. فعلى المستوى النظري يظل الاحتمال الضئيل قائما و لكن الانسان يهمل هذا الاحتمال الضئيل على المستوى العملي، و هذا المبرر هو المعمول به في أغلب المذاهب الترجيحية. لكننا سبق أن قلنا أن اليقين موجود في الذهن في جملة كبيرة من القضايا الاستقرائية و إن الخلاف قد يقع في موضوعية اليقين لا في ثبوته في الذهن.

و ينقلنا الـ”ديلان” إلى تساؤل آخر مهم و هو  لماذا نحن ملزمون بإتباع ما تزودنا به الطبيعة الادراكية من درجات علمية يقينية كانت أو احتمالية؟

يرى الـ”ديلان” أن لزوم اتباع اليقين في صورته الإستنباطية يقع في القضايا الرياضية و أشباهها. لكن هناك جملة من الموارد يكفي فيها الوصول إلى درجة تصديقية معينة حتى يكون العمل بها راجحا. فما هي هذه الموارد؟ ……………………… قريبا الطريق الى نبع الوجود (16).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.